من المعروف عند الباحثين مبلغ استبسال القوقاسيين في الدفاع عن وطنهم العزيز في القرن السابق الهجري حينما اندلعت نيران مدافع الروس وقنابلها وبنادقها ، تلتهمهم من كل جانب وتحصدهم حصدا ، بدون أدنى شفقة ولا مرحمة - بعد تخلى العثمانيين عنهم مرغمين بعهد واستمرارهم على الأستماتة في الذب عن كيانهم بكل بطولة مدة نصف قرن من سنة ) ١٢٣٠ ه ( إلي سنة ) ١٢٨٠ ه ( . وإبداؤهم خوارق في الاستبسال في ذلك الكفاح الذي قرر مصيرهم مما سجل التاريخ لهذه الأمة الباسلة من مفاخر خالدة في ساحات البطولة والكفاح
وفي أوائل هذه الحرب الطاحنة ولد خير الدين هذا سنة ) ١٢٣٥ م ( من صلب ذلك البطل الخالد الذكر عند
الجراكسة حسن لاش بك ) حسن بك الأعرج ( وقد استشهد هذا البطل تحت نيران الروس وهو يكافح عن وطنه ، وسن ابنه الذكور دون عشر سنوات ، فأخذ فيمن اخذ باسم الاستنقاذ إلى أقرب ميناء في البحر الأسود ونقل من هناك إلى استانبول وهو لا يدري إلى أي مصير يساق ، فإذا هو بيع - باسم الاستنقاذ الانسانى للشيخ تحسين بك ) ١ ( ابن محمد القيرمي صدر الأناضول ) وهو من خلفاء محمد جان النقشبندي زميل مولانا خالد عند عبد الله الدهلوي ، وقد تولى وظائف علمية كبيرة في الدولة مثل قضاء عسكر الأناضول ثم ولي نقابة الأشراف سنة ١٢٦٤ وتوفي سنة ١٢٧٨ ه وهو رئيس العلماء ، وترجمته في ) ج ٢ ص ٤٩ من السجل العثماني ( . فعني تحسين بك المذكور بتعليمه وتثقيفه مدة ثلاث سنوات فبدأت مواهبه تثمر ، وكان أحمد باشا باي تونس يستكثر إذ ذاك من مماليك القوقاس لأسباب سياسية بعد استيلاء فرنسا على الجزائر ، استعدادا
للدفاع بهم عن القطر التونسي إذا حدث ما يخاف منه علي تونس ، فاتصل وكيله بالأستانة بتحسين بك واتفق معه بشأن خير الدين حتي أخذه فيمن أخذ إلي تونس ، فعني باي تونس بتثقيفه وتبناه إلي أن تم له ما ذكره محمد بيرم التونسي في الجزء الثاني من صفوة الاعتبار " - وهو من أدري الناس به - ثم طلبه السلطان عبد الحميد الثاني إلي الآستانة سنة ١٢٩٤ ه فعينه عضوا في مجلس الشيوخ - مجلس الأعيان - ثم ولاه الصدارة العظمي سنة ١٢٩٥ ه ، وبعد ثمانية أشهر استقال من الصدارة لخلاف وقع بينه وبين ولي الأمر . وكان في أيام صدارته حل كثيرا من المشاكل السياسية مثل تحديد الحدود اليونانية ، ومذاكرات لواء بني بازار ، ومشكلة مصر في أواخر أيام الخديو إسماعيل ، ومشكلة الأوراق النقدية ، وتنظيم أحوال الموظفين وترفيه المتقاعدين وغير ذلك . وكان خير الدين باشا كتب إلي الشيخ صديق خان بالهند ، يحثه على مساعدة دولة الخلافة لكوارث انتابتها بسبب حرب روسيا فألف صديقي خان " العبرة بما ورد في الغزوة والشهادة والهجرة " ونشر خطاب خير الدين باشا له باللغة الفارسية مع هذا الكتاب ، وشكل لجانا تقوم بجمع النقود مساعدة للدولة ، وعرف هذا الداعية كيف يستغل هذه الفرصة السانحة ، فالتمس من الدولة السماح له بطبع كتب في مطبعة الجوائب في استانبول وفي مطبعة بولاق بمصر فسمحوا له بذلك مجاملة له ، وكان ما بين استانبول ومصر طيبا غير متوتر إذ ذاك ، فأخذ يطبع فيهما كتبا علي مراحل حتى بدأت اللا مذهبية تنتشر في الأقطار المصرية والأستانبولية . ولا أظن أن خير الدين باشا كان يقصد هذا ، وعلي كل حال هذا مغمور في بحر أعماله النافعة . وبعد أن استقال من الصدارة خوطب مرات ليتولي الصدارة ، لكنه أبي أن يتولاها إلا بشرط المضي على أسس الدستور ، وعاش هناك محافظا علي وقاره وسمعته ، حتى إن من المشهور أن السلطان صارحه يوما بأنه قدم إليه بلاغات عنه فقال الباشا مجيبا : إذا قبل مولاي
البلاغات يكثر من يقدمها إلي سدته السنية . وقد استمر مقيما بالآستانة بعد استقالته إحدي عشرة سنة ثم توفي سنة ١٣٠٧ ه في تاسع جماري الأولى منها وهو ابن ٧٢ سنة ودفن في مدفن بناه لنفسه في جوار أبي ايوب الانصاري رضي الله عنه . وقد أنجب رحمه الله ثلاثة أنجال مثقفين تثقيفا عاليا ، وهم صالح خير الدين باشا الداماد ، ومحمد خير الدين بك ، وطاهر خير الدين بك ، وكان الثلاثة اشتركوا في جريدة ) شهراه ( - المحجة - بالآستانة لمعارضة الاتحاديين سنة ١٣٢٨ ه ، فكانت خطة الجريدة خطة معارضة نزيهة جذابة تستلب ألباب المثقفين ، حتى حاز طاهر خير الدين بك النيابة عن استانبول رغم مساعي الاتحاديين ضده ، ثم استفحل الشر بينهم وبين هذه الأسرة حتى شنق صالح خير الدين باشا الداماد ظلما وعدوانا في فتنة محمود شوكت باشا . وكان فريد باشا الداماد استصدر في عهد صدارته بعيد الحرب العالمية الأولى إرادة سنية بتعيين طاهر خير الدين بك وزيرا لإحدي الوزرات ، لكن لم يطب له العمل تحت راية الداماد فاستقال في مدة يسيرة وانتقل إلي تونس ، ولا أدري ماذا تم له هناك . وترجمة خير الدين باشا منشورة في مجلة ) غوازه ( الجركسية ) في العدد ٣ في الصفحة ٢ في خمسة أعمدة كبيرة ( الصادرة في الآستانة سنة ١٣٢٩ ه .

