الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 262الرجوع إلى "الثقافة"

حول تقرير معالي وزير المعارف

Share

فتحت الثقافة في مقال سابق مجال التعليق على التقرير القيم الذي وضعه معالي الوزير حول إصلاح التعليم في مصر بعد الحرب . ولابد لكل من يعلق على هذا التقرير أن يبدأ بالثناء على الجهد الظاهر الذي بذله معالي الوزير في إخراجه ، وان يشعر بكل الاعتباط لوجود وزراء في مصر يبحثون أمور وزاراتهم بحثا علميا هادئا بأنفسهم فيساهمون بالقضاء على الارتجال الحكومي الذي ابتلانا بهذا الاضطراب الذي نراه في دوائر الحكومة

وليس هذا العمل فاتحة لخطة جديدة ينهجها الوزراء في مصر وحدها ، بل في البلاد العربية كلها لان عيوب الارتجال لا تشكو منها الاداة الحكومية المصرية فحسب ، وإنما تشاركها في شكواها البلاد العربية كلها ، كما تشاركها في كثير من الأمور الأخري . . ولذلك سوف نري البلاد العربية بأسرها تقدر للوزير هذا الفتح الجديد .

وأريد في هذا المقال القصير ان اقترح على معالي الوزير أمرا يحول نظرة البلاد العربية إلي تقريره من مجرد التقدير إلي الاستفادة من الإصلاحات التي سوف تجنبها مصر منه . فمعالي الوزير يرقد حصر تحثه في إصلاح التعليم في مصر ، ولم يذكر

شيئا عن التعليم في البلاد العربية ، ولم يشر إلي أي ناحية من نواحي التعاون التي يمكن ان تنظم بين التعليم في مصر والبلاد العربية بعد هذه الحرب ؛ ولم يتناول بالبحث مكتب التعاون الثقافي العربي الذي يعلم القوم في البلاد العربية أنه أسس في سبيل هذا الغرض .

ولقد أدى به تجنبه الخوض في هذا البحث إلي الامتناع عن ذكر رايه في احد الموضوعات القومية التعليمية التي يتطلع إليها العالم العربي بكثير من الاهتمام ، وهو موضوع توحيد برامج التعليم في البلاد العربية ؛ مع ان هذه الفرصة التى تفكر فيها مصر في إصلاح نظام تعليمها وتغيير بعض المبادئ التي يقوم عليها هي انسب الأوقات لبحث هذا الموضوع الخطير

فهذا الإصلاح الذي شعر الوزير المصري بالحاجة الماسة التى تدعو إليه في مصر ، ليقوم التعليم المصري بعد الحرب على أسس صالحة ثابتة ، يقابله شعور مماثل في كل بلد من البلدان العربية . وهذه المباديء الإنسانية التي يقدمها في تقريره لتكون اسس الإصلاح المنشود في مصر وحدها ، قابلة لأن تصير بعد البحث والدرس أسسا للإصلاح في بقية البلاد العربية .

ولست أعرف ميدانا للتعاون والتوحيد بين مصر

والبلاد العربية أخصب وأسلم من هذا الميدان الثقافي التعليمي . ولقد ظهرت بوادره منذ عدة سنوات ، حين اسس مكتب التعاون الثقافي بين مصر والعراق واخذ ينظم انتداب الأساتذة المصريين لمدارس الرافدين . ولكن التعاون الثقافي بين مصر والبلاد العربية لا ينبغي له ان يقف عند هذا الحد ، فالحياة الثقافية المشتركة في البلاد العربية ، وهذا الاتجاه القومي الذي يدفع بها بقوة إلى الوحدة ، يتطلبان عملا أوسع واعمق من ذلك في ميدان التعاون الثقافي . إنهما يتطلبان مواجهة فكرة توحيد برامج التعليم في البلاد العربية مواجهة عملية ، ترسم الخطة للسير بهذه البلاد نحو برنامج تعليمي واحد للمستقبل القريب او البعيد

ولا استطيع أن أفصل هنا ما أقصد إليه ، وما أفهمه من توحيد برامح التعليم في البلاد العربية ، فهذا موضوع لدراسات قومية تعليمية طويلة . وإني اغتنم فرصة درس هذا التقرير الإصلاحي الجديد في مصر لاؤكد أن بين البلاد العربية من التشابه في كثير من المشاكل التعليمية ما يؤهل الإصلاحات المقترحة لان تصبح إصلاحات عربية لا إصلاحات مصرية فحسب .

وللوصول إلي ذلك اقترح على معالي الوزير ان يدعو وزارات المعارف في البلاد العربية إلي مؤتمر تدرس فيه حالة التعليم فيها ، وتعرض حاجاته ومشاكله ؛ ويدرس إلي جانب ذلك التقرير ، وما فيه من آراء تستطيع البلاد العربية

أن تأخذ بها في تعليمها كما تعتزم أن تأخذ بها مصر .

إن من يطلع على التقرير يلمس فيه من التقارير والإبحاث الأمريكية والأوروبية التي استشهد بها الكاتب ، قوة الإتجاء في أمريكا وانجلترا وفي جميع البلدان الديموقراطية إلى التقريب بين مبادئ التعليم فيها ، وتوحيدها ما وسعت الظروف والأحوال هذا التوحيد ، ويري إلي جانب ذلك رغبة شديدة بين هذه الدول للتعاون تعاويا وثيقا في هذا الميدان التعليمي في نواحيه المعنوية والمادية ، حتى انها تفكر في تأسيس هيئة دولية تتولى تنفيذ هذا التعاون .

وهذه الروح التي تسود الدوائر التعليمية الأمريكية والأوروبية أحسر بها أن تسود الدوائر التعليمية المصرية والسورية واللبنانية والعراقية ، وكلها في حقيقة الأمر دوائر أمة واحدة . ولست أدري لماذا سكت معالي الوزير عن هذه الناحية في تقريره

ولكن هذا السكوت لا يحول في شيء دون المبادرة إلى العمل السريع . فأرجو معالي الوزير أن يبدأ الخطوة الأولى في هذا الطريق بالدعوة إلى المؤتمر التعليمي العربي الاول ؛ هذا المؤتمر الذي يضع حدا لاستقلال الجهود التعليمية في البلاد العربية عن بعضها ، ويسير بها بحو الاتصال والتوحيد الذي تقضي القومية العربية المشتركة بينها .

اشترك في نشرتنا البريدية