الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 405الرجوع إلى "الثقافة"

حول تكريم المليك المتفوق العلمي :, خواطر

Share

استن المليك أعزه الله سنة هي ان يأمر كل عام بدعوة جمهور المتفوفين والمتفوقات في جميع الامتحانات الدراسية ومعهم رؤساء ورئيسات المعاهد التي تخرجوا فيها ، بدعوتهم جميعا ومعهم لفيف كبير من رجال الصحافة إلي حفلة شاي أنيقة بسراي رأس التين العامرة بالاسكندرية يشرفها جلالة الملك بشخصه الكريم يحف به رجال القصر ، فيتجلي فيها عطفه على أبنائه النوابغ وتقديره للعلم واثره في رقي الأمة ورغبته السامية في النهوض بشعبه العظيم حتي يتبوأ المكان اللائق بماضيه المجيد وما تتطلع إليه نفسه من مستقبل زاهر مشرف .

ما أجمل هذا الحفل وأروعه ، وما أجمل المعاني التي يرمز لها والخواطر التي تجيش في نفس كل من حضره واشترك فيه !

وأول هذه الخواطر ما يتصل بالبعثات العلمية إلي اوربا تلك البعثات التى رأي منشئ مصر الحديثة وجد مليكنا العظيم محمد علي الكبير انها من اهم الوسائل للنهوض بالبلاد ، فهي تخلق جيلا متعلما خير تعليم ومدربا خير تدريب حصل من العلم على آخر ما وصل إليه في البلاد الراقية ، ومن المهارة الفنية علي آخر ما انتهي إليه الفن التكنولوجى  فهؤلاء وهؤلاء عماد الحضارة والرقي الفكري والمادي ، وعلي أكتافهم وما تنشئه سواعدهم وما تنتجه فرائحهم يقام صرح العلم الموجه ، والفن الملهم ، والاقتصاد المنمي للثروة ، والثقافة التي تنتشل السكان من وهدة الجهالة والمرض .

والذي يستمع في هذا الحفل الرائع إلي مختلف نواحي التخصص والنشاط العلمي والعملي التي حددت لاعضاء

البعثات العلمية يتبين أوجه النقص التي أريد أن تسدها هذه البعثات وما يهدف إليه برنامجها من الإحاطة بنواحي الرقي والعمران مما يملأ النفس أملا في المستقبل وبثلج صدور دعاة الإصلاح وقادة النهضة .

والخاطر الثاني الذي يطوف بالنفس في هذا الحفل الجميل يتصل بالمظهر الدمقراطى العظيم الذي يتجلي فيه ؛ ولعل العلم وما يتصل به اقرب لروح الديمقراطية من كل ما عداء ، فالعلم يحترم الرأي مهما كان مصدره . والمليك المحبوب يكرم التفوق العلمي في شخص المتفوق بغض النظر عن اصله وحسبه ونشأته ويبئته وعقيدته وديانته وارائه ومبادئه السياسية . وها أنت ترى هذا الجمع الحاشد من الفتيان والفتيات والرجال والسيدات من مختلف الطبقات والديانات يأكلون ويشربون ويمرحون ، ويعتزون بمشاركة المليك المحبوب لهم واندماجه في وسطهم اندماجا يتجلي فيه العطف والحنو والحدب ، بعيدا كل البعد عن أي مظهر من مظاهر الكلفة والتعاظم ، والحواجز التي كان يظن الناس انه لا مفر من وجودها ، فإذا بهم يرونها مثلاشية منعدمة قد حل محلها ذلك الجو العائلي الظريف الملهم .

ويسوقنا هذا في الحال إلي الخاطر الثالث الذي يجول بالنفس في هذا الحفل الجميل . الا وهو الاثر العظيم الذي يحدثه في نفوس الشباب المكرمين ، فهو يشعرهم اولا بأن القيام بالواجب على خير وجه والجد في العمل والتحصيل والحرص على الإتقان والإجادة محل تقدير من اعظم شخصية واسمى مقام في البلاد ، ولاشك في ان هذا سيكون له اعمق الأثر في حفز هذا الشباب علي مضاعفة الجهود ومواصلة العمل بالليل والنهار للاحتفاظ بهذه المكانة الرفيعة التى وصلوا إليها وهذا العطف السامي الذي استحقوه . ولعل هذا الحفل يكون نقطة انقلاب في تاريخ كثير من هؤلاء الشبان النابهين ، تتفتح لهم فيها آفاق جديدة وآمال واسعة ، ولا يقتصر هذا الأثر المحمود علي الشباب الذين يسعدون

بشرف الدعوة إلى هذا الحفل ؛ وإنما يتعداهم إلى أولئك الذين لم يحصلوا بعد على هذا الشرف وتتوق نفوسهم إليه ، فيتفسح أمامهم الأمل وتلهب نفوسهم الرغبة في الفوز بمثل هذا الشرف العظيم وهذا العطف السامي .

على أني لا أكتم للقارئ أن الخواطر التي مرت بي في هذا الحفل لم تكن كلها من هذا النوع البهيج ، فقد مرت بي معها بعض خواطر مقلقة قد يكون من الأمانة والإنصاف ان اشير إليها لعل في ذلك فائدة للشباب بصفة خاصة وللأمة كلها بصفة عامة

وأولي هذه الخواطر المقلقة أن نسبة كبيرة من هؤلاء الفتيان والفتيات ليسوا على القدر الواجب من الصحة والعافية الى يجب ان تكون في الشباب في هذه السن المبكرة من الحياة . وأخشى أن يكون فريق من هؤلاء الشبان والشابات قد أجهد نفسه في العمل فوق ما ينبغي ولم يعن بالرياضة البدنية وبإتباع القواعد الصحية العناية الواجبة الكافية ؛ وإلى مثل هؤلاء اسوق هذه الملاحظة على سبيل التذكير ، وليعلموا ان لبدن الإنسان عليه حقا ، وان العقل السليم في الجسم السليم ، وان العبقرية والنبوغ الفكري تحمل جسم الإنسان اعباء لا يتسني له الاضطلاع بها ما لم يعن الإنسان بقواعد الصحة ويوفي هذا الجسم حقه من النشاط والرياضة المنعشة .

والخاطر الثاني من هذا النوع ترددت مرارا في أن اذكره ولكني استخرت الله وعزمت على الا أكتم أمرا لهذا في نفسى الا وهو ان بعض هؤلاء المتفوفين بحاجة إلي شئ من الصقل الاجتماعي ؛ اقول هذا وانا اعلم أن المجتمع المصري لا يعني بأمر الصقل والتهذيب كما ينبغى ، ولكنا الآن بصدد فئة من الشباب نرجو ان تكون لهم الصدارة في المستقبل ، ولذا فإن طالب الإصلاح جد حريص على ان يتوافر لهؤلاء الكمال في كل شئ بقدر الإمكان ؛

ومثل هذا الصقل والتهذيب من ألزم الأمور لهم واعودها عليهم وعلي سمعة البلاد بالخير .

بقي أن نسطر خاطرا أخيرا في صورة نصيحة نسديها ونخص بها أولئك الذين سينزحون من الديار إلي البلاد الأجنبية من أعضاء البعثات ؛ ألا وهي أن الطالب حين يرسل لأوربا أو أمريكا لا يقصد من ارساله إليها مجرد تحصيل العلم والفوز بشهادات أو درجات فحسب ، وإنما بهدف مختاروه للبعثة إلي أغراض أخري غير هذه الأغراض العلمية البحتة ، ومن هذه الأغراض اندماج المبعوث بالمجتمع الذي يعيش فيه هناك اندماجا يمكنه من الوقوف على حسنات هذا هذا المجتمع وسيئائه وعلي طريقة تفكير الأمة التي يعيش فيها وأسلوب أهلها في الحياة والمعاملة ، كل ذلك بقصد اقتباس خير ما يقع عليه مما يكمل الإنسان في عقليته وفي سلوكه في المجتمع وفي توسيع ثقافته . وإنا لنرجو أن يعير المبعوثون هذه الناحية ما تستحقه من العناية ، ونبادر بتحذيرهم من الوقوع فيما وقع فيه كثيرون ممن سبقوهم ممن ظنوا أن كل ما في المدنية الغربية خير ، فانغمسوا فيه دون أن يميزوا الصالح من الطالح ، وخيل إليهم أن كل ما في المدنية الغربية بفوق ما في المدنية الشرقية ، وهو خطأ نرجو أن يعصم الله منه هؤلاء المبعوثين الجدد وليعلموا أن من تقاليدنا الشرقية ما هو من السمو والعظمة بحيث يجب التمسك به والحرص عليه والاعتزاز بالإنتساب إليه

وليعلم هؤلاء أخيرا انهم عنوان أمتهم أو السفراء الحقيقيون لها ، ومن ثم كان عليهم واجب هو مراعاة كرامة امتهم والحذر من ان ينالوا منها بسوء تصرفهم ، والحرص على أن يرتفعوا بقدر امتهم في كل مناسبة وفي جميع الظروف ؛ وليس هذا بالأمر الهين ، فهو يستدعي يقظة والتفانا فوق العادة ، ودقة في الكلام ، ووزنا للأمور . ولباقة في التصرف . وكل هذا يتطلب إرادة قوية وإنا نرجو لهم جميعا التوفيق والهداية

اشترك في نشرتنا البريدية