الحرية نعمة يرغب فيها كل حى يشعر بوجوده ، وهى من لوازم الانسان ومن انفس غنائم جهاده الدائم . الانسان لا يعيش منعزلا عن امثاله ولا يمكن ان يقال له : انت حر فاصنع ما شئت . الحرية تتعدد اصنافها وتتنوع كلما ارتقى المجتمع في سلم الحضارة ، ولكنها تكثر حدودها وشروط التمتع بها . الامة الراقية تعترف للفرد منها بجميع انواع الحرية وبحق التصرف فيها . وعلى الفرد ان يقبل حدود التمتع بها وان يعمل بالقاعدة المعروفة : حريتك تنتهى عند بداية حرية غيرك
الفرد المتنور الواعي لمعاني الحرية ولزوم حدودها لا تنزل من السماء بحكمته ونوره ، بل هو من من منتوجات المجتمع ، تنشئه الاوساط العائلية والمدرسة والمهنية والمنظمات الاجتماعية والقومية . .
وللمدرسة في هذا التكوين النصيب الاوفر والدور الاهم والاعسر ، والمدرسة لا تؤدى هذه الرسالة الا اذا فهمت نفسية الطفل فهما جيدا وقرات لها حسابها . وعرفت ما هى امكانيات التلميذ وما هى طريقة تحقيق ميوله الطبية ومعالجة الخبث والردئ من طويته .
الحرية عند الطفل : الحرية عنصر نفسانى وكلنا يحس بها مهما كان سنه وهى عند الطفل حق التصرف فى عالمه الصبيانى الذى يوده خاليا من الحدود والحواجز فالممنوع يحلو له ، وله فى التملص من الانظمة الضاغطة عليه رغبة ملحة سرعان ما تدفعه الى الاحتيال والزندقة ، وهو لا يقبل عن طيب نفس ما يفرض عليه من الحركات والاعمال ، وامتثاله للاوامر يكون غالبا خوفا من العقاب .
الطفل يجهل لزوم الحدود لحرييته . ليست مثلا مشاجراته ومخاصماته لاصحابه واحتيالاته في اللعب من باب مقاومة ما يصادم رغباته ؟
الحرية عند الطفل ما زالت تسكن الحاسة ولا اتصال لها بالعقل . فهى مجموع بدهي محاك من شهوات وميول يابى الطفل التضييق عليها . وهى لوازم حياته خصوصا عند ابراز مواهبه واخذها فى النمو والاتساع . وكلما حرم منها فهو يتألم ويضيق صدره كان الهواء الذي يتنفسه تعكر وفقد عناصره المنعشة .
الطفل يجهل المصلحة العامة وما تفرضه عليه من واجبات ولا ينبغى ان نكتفى بتلقينه القواعد الاخلاقية وان نلح عليه فى حفظها . كل ذلك من باب المعنويات والمواهب العقلية التى تمكنا من التفكير فيها ومازالت عنده خافية .
حذار من الشدة ومن التفريط : الاحجار النفيسة لا تكتسب جلاءها ولمعانها وجمالها الا بعد نقشها وصقلها ووضعها فى محلها . المربى هو الصائغ الذى يجرد مواهب الطفل من خشونتها الطبعية ويكسبها رقة ودقة ويحققها ويمتنها . ولا يكفى ان يكون للمربى السلطة واليد العليا ، فلا بد له من ان يحسن التصرف في نفسية الطفل حتى لا يخنقها فتذوى وتموت ، وحتى لا يهملها فتنمو مع ميوله الخبيثة وتضيع
السيطرة واصدار الاحكام القاسية ، والمطالبة بالطاعة العمياء فى كل حال وحرمان الطفل من التصرف فى كل جزء من اوقاته واعماله وتنظيم حياته حركة بحركة وتوجيهه نحو طرق تختار له بقطع النظر عن استعداداته وامكانياته . . كل ذلك مناهج للسلطة الغاشمة لا تعترف بشئ من الحرية للفرد الا عند بلوغه الكهولة . ولا فائدة فى تعديد وتحليل مضار هذه الطريقة ويكفى ان نلاحظ ان المنزل والمدرسة والسجن تصير عند الطفل الفاظا تتحد فى المعنى ولا تختلف الا فى الشكل .
الضغط المستمر يقضى على الطفل في كل صورة وكل حال . فاذا كان ضعيف الشخصية يعيش عبدا منقادا لسيده المربى او لمن يخلفه ، وينمو فى ظل غيره غير قادر على حل ابسط مشاكل حياته . واذا كانت نفسيته قوية فهو ينمو فى جو الزوبعة والثورة الداخلية والسخط على حارمه من الحرية حتى تاتى الفرص التى تنقذه من جهنم الضغط فيقطع الاكبال ويفر من السجون والله عالم ماذا ستفعل به الشوارع والاوساط التى يقوده اليها القدر . . .
والتهاون بدون حد ، واطلاق الطفل يصنع ما يشاء ومساعدته على نيل جميع شهواته ، . . ذلك من باب الاهمال والتفريط وفيه جناية كبرى على الطفل لا تقل جسامة عن طريقة الشدة والقساوة .
نفسية الطفل ارض تنبت الطيب والخبيث فبالطريقة الاولى نقضى عليها فتصير بورا عقيما ، وبالطريقة الثانية نتركها مهملة مفتوحة لجميع البذور التى تسوقها اليها الارياح بعد التقاطها من البيادر ومن المزابل .
تكوين الطفل من حيث الحرية - انه يتحتم على كل مرب ، وعلى المعلم خاصة ، ان يعتبر الحرية كعنصر اساسى للتكوين الانساني ، ولا تتكون للطفل فكرة جلية في كيفية التصرف فى الحرية داخل المجتمع المحيط به الا اذا فهم فهما حقيقيا معاني الاختيار والمسؤولية .
أ) الاختيار يجب ان يتعود الطفل من الصغر بالاختيار الحر . فلا تفرض عليه كل شىء ولا تجعله آلة تحتاج دائما الى سائقها . الاختيار الحر هو من الامكانيات الذاتية للانسان لكنه لا يصير عن حكمة ودراية الا بعد دروس وتمارين عديدة ، ينبغى ان نترك الطفل يختار كلما امكن ذلك وان لا نمنعه من تنفيذ ما اختاره الا اذا كانت فى العاقبة خطورة ومضرة . وفى بعض الاحوال لا بأس ان لا تتداخل فى أمره الا بعد ظهور نتيجة اختياره فيمكن اذاك ان تقنعه بعدم صلاح ما قرره. الطفل لا يفهم النصيحة المجردة والانذار بالقول وهو غالبا لا يرى فائدة لهذه المواعظ الشديدة ، ولا بد له من التجارب والتمارين التطبيقية .
لو كان الشيخ يفيد بنصائحه لاستقامت الانسانية منذ عهد بعيد ! المعلم الذي يفيد هو الذي يحرز على ثقة تلامذته ومحبتهم عندما يحدث تعطشهم الى المعرفة يحسن المعاملة واتخاذ الطرق القويمة
ب) المسؤولية - الاختيار الحر ينجر عنه غالبا تحمل مسؤولية . الطفل يختار ما يروق له ويوافق ميوله وهو لا يفكر ابدا فى عواقب اختياره . فله مثلا رغبة فى اشعال النار وذلك ناشىء عن رغبته فى المعرفة وعوض ان نمنعه من ذلك بالزجر والتخويف والتهديد بالعقاب ، ينبغى ان نرضى رغبته ونجرى معه بعض التجارب حتى يشعر هو نفسه بما يمكن ان ينتج عن اشعال النار واللعب بعيدان الكبريت
فاذا تعود الطفل بطريقة التجارب على الاختيار ووعى المسؤولية صار قادرا على تسيير حياته . فيعلم مثلا ما هى المسؤولية التى يضعها على كاهله عندما يختار مهنته والمنظمات التى يشارك فى نشاطها
دور المدرسة فى هذا التكوين : المدرسة تقود الخطوات الاولى للطفل عند دخوله الحياة الاجتماعية اليست أول جماعة ينخرط فيها ؟ اليست مهمتها الاساسية جعله عضوا عاملا مفيدا من المجتمع الذى سيعيش فيه ؟
والمدرسة لا يكون عملها التربوى مثمرا اذا اكتفت بتدريس الواجبات الاجتماعية بمجرد التلقين فلا فرق بين الببغاء والتلميذ الذى حفظ درسه ، اذا كان يعيد كلاما لا يفقه شيئا منه
ولا تقوم المدرسة برسالة التكوين الحقيقى ولا تنشئ الرجل الحر والمجتمع الحر الا اذا بنت برامجها على اسس تجريبية واتخذت طرق التجربة والاقناع .
ان لزوم معرفة التصرف فى المعنويات يضاهى لزوم معرفة التصرف فى الآلات . فلا ينكر احد ضرورة التمارين التطبيقية لصانع طائرة أو لسائقها ، ولا للكيمياوى ولا للجراح ، ولا للزارع أو الفلاح . فلماذا لا يخول للطفل ان يتعلم كيف يتصرف فى مواهبه وامكانياته واوقاته ؟
الاب التونسي مازال يربي ابنه كما رباه ابوه ، ومازال الشباب التونسى يقاسى الاوامر المستبدة الخانقة لشخصيته . فعلى المدرسة ان تقوم بتكوين هذه الشخصية وتحقيقها ، وعليها ان تعلم الطفل بطريقة الاقناع والتجارب أنه فرد من المجتمع وان المجتمع يحتاج الى نظام فى حياته ، وان الفرد يتمتع بمنافع عديدة يستثمرها من هذا النظام ، وان هذا التمتع يفرض على الفرد القيام ببعض الواجبات والتضحية بشئ من حريته .
فاذا تعلم الطفل هذه الحقائق وتمرن على العمل بها داخل منظمات كالمدرسة والكشافة وغيرهما صار رجلا حرا يعود بالنفع على نفسه وعلى المجتمع . أما اذ تمسكنا بطريقة الاجداد " المباركة " فنحن لا ننتج من الافراد الا الانواع المعهودة عندنا وهى :
١) الميت بين الاحياء : هو الذى تعود بالطاعة العمياء وصار يساق ويقاد ويسلخ حياته وينتظر ، دون ان يرى شيئا منها ودون ان يشعر بحرمان او بمتعة . فهو يمسى ويصبح دون ان يفرق بين جمال الربيع وقرس الشتاء ، يضحك اذا أضحكته ويبكى اذا أبكيته .
٢) الحى المحروم : هو الذي فرضت عليه الطاعة العمياء عند طفولته ثم أفاق عند الكهولة وشعر بالاغلال المكبلة لنفسيته الحية فنادى بانقاذه ولم يجد نجدة ، فقبل حياته التعسة ساخطا على من رباه ، سئما من العيش ، مبغضا للمجتمع وما اكثر هذا النوع من الافراد ببلادنا ! . .
٣) المدلل: الذى تعود عدم الطاعة وترضية الشهوات . ونصيبه خسران حياته والتجول فى الشوارع والانغماس فى اوساط اللهو والفساد .
4) الثائر : هو الذي يقطع الا كبال عند شعوره بها ويفر من الوسط الذي نشأ فيه ويخرج عن المجتمع فيخسر حياته . ونصيبه ايضا التجول في الشوارع . . اذا لم يكن السجن بعد ارتكاب الجرائم هو موئله .
ليس في طاقة المدرسة احياء الميت ولا احالة الخبيث الى طيب . لكن في امكانها ان تقاوم الدلال وان تغيث " الحى المحروم " . وكيف تقوم بهذا الدور اذا لم تكن لها عناية بتكوين الرجل الحر كما نفهمه ويلزم ان نفهمه ؟ !

