أطال الباحثون في الكلام عن ثروتنا القومية وبينوا بالبراهين التى لا تدع مجالا للشك أنها على ما هى عليه في الوقت الحاضر لا تكفى لتهيئة الوسائل لعيشة إنسانية مرضية لسكان البلاد في الوقت الحاضر ، بله السكان بعد أن يزداد عددهم طبقا لما توحى به الأرقام الإحصائية عن عدد السكان ونموه سنويا . وقام كل واحد من الباحثين يقترح اقتراحا بعين على إنماء الثروة ، حتى تستطيع ان نوفر العيش الرضى ، ولا تقول العيش الرغيد ، للأغلبية الساحقة من أفراد الشعب الذين يعيشون في الوقت الحاضر عيشة لا تختلف عن عيشة البهائم ، بل قد تنقص عنها من بعض النواحى ، إذ يحرص كل مالك لماشية ان يقدم لها القدر اللازم من الطعام ويسعى قدر طاقته لحمايتها من الأمراض .
فمنهم من قال بضرورة زيادة عدد الأراضى المزرعة وتوزيع الجزء الأ كبر من هذه الأراضى على صغار المزارعين ، وهو قول سهل مطمئن . وها نحن نري في الوقت الحاضر حركة قائمة على قدم وساق لهذا الغرض ، يتزعمها معالى وزير المالية الحالى ، ورئيس حزب العمال الجديد في آن واحد . ولكنا تهمس في اذان قادة الحركة أن مجرد توزيع الأراضى لا يكفى فمياه الري لا تكاد تسد حاجة الأراضى المنزرعة في الوقت الحاضر . نقول هذا القول على مسؤوليتنا بعد ان كابدنا الأمر عمليا ، على الرغم مما قد يورده رجال الرى من اقوال نظرية ، بل وأرقام غير فعلية تنقض هذا القول الذي نقوله . وليس هذا إلا مجرد مثل واحد للصعوبات التي يلقاها هذا المشروع والعقبات التى تقف في سبيله ، مما يجب بذل الجهد الجبار لمقاومته والتغلب عليه .
ويقول آخرون بضرورة الاهتمام بالصناعات الزراعية وإقامتها إلى جانب الزراعة العادية ، حتى يستطيع الفلاح أن يكسب منها قدرا مناسبا بضيفه إلى مكاسبه العادية ، فيعينه هذا وذاك على الحصول على مستوى العيش الذى لا نرضى له بما هو دونه ؛ وهذا قول سهل مطمئن كذلك من الناحية النظرية ، إلا أن دونه عقبات يجب ان تبذل جهود جبارة في سبيل التغلب عليها . اقول هذا أيضا عن خبرة عملية ؛ فقد عاونت بالصدفة في مشروع يقتضى إنشاء صناعات أولية كهذه ، وكان المشرفون على العمل رجالا مخلصين نشيطين أصحاب نفوذ ، ومع ذلك لاقوا صعوبات في تدبير المال اللازم لشراء الضرورى من الآلات والأجهزة والخامات ؛ وهذا ايضا مثل واحد نسوقه ليعرف الجميع أن هذا الاقتراح أيضا ليس من السهولة والبساطة كما يتصوره بعض الناس ، بل يحتاج أيضا لجهود متواصلة شاقة في سبيل تدليل العقبات والتغلب على الصعوبات .
وقال آخرون بغير هذا وذاك ، وتقدموا باقتراحات عدة . ونحن نريد في هذه المجالة أن نلفت النظر إلى ناحية نراها جديرة بالالتفات والاهتمام ، ألا وهى ناحية استغلال العلم في خدمة هذا الغرض الشريف الذي يسعى إليه الجميع ، وهو مضاعفة الثروة القومية بالقدر الذي يؤدى إلى رفع مستوى المعيشة بوجه هام . ومن العجيب ان المؤمنين بمقدرة العلم على المساهمة في هذه الناحية قليلون ، بل إن هذا القليل المؤمن ضعيف الإيمان ، مع ان العلم قد أثبت في هذه الحرب مقدرته وكفايته بما يزيل الشك عن كل مرتاب .
واستغلال العلم الذي نعنيه هنا هو التصل بإنماء الثروة عن طريق تحسين النوع في كل شئ . فقد تنبه الناس حي في البلاد غير الزراعية إلى ان كل محصول من المحاصيل في الاستطاعة إدخال تحسينات عليه تزيد صفاته الموجودة حسنا ، أو نضيف إليه صفات حميدة جديدة مما يرفع من
قيمته ويكثر من الطلب عليه فيزيد بالتالي في سعره . ولا شك فى أن تعميم تحسينات كهذه إذا رفعت سعر أى محصول من المحاصيل الرئيسية بدرجة قليلة أدى ذلك إلى زيادة كبيرة في ثمن هذا المحصول ، وبالتالى في الثروة القومية بوجه عام . وما يقال عن المحصولات الزراعية يقال ايضا عن الماشية وغيرها مما تتألف منه الثروة الحيوانية في البلاد . فإن أى تحسين في صفات أى نوع منها يؤدى بنفس السلسلة إلى زيادة محسوسة في الثروة القومية . ومن حسن الحظ أن سبيل هذه التحسينات قد اصبح مستطاعا ميسورا بعد التقدم العظيم الحديث في علم الوراثة . وقد قرأنا أخيرا بحثا عن بعض ماتم من أمثال تلك التحسينات في أوربا وامريكا ، نورده لتوضيح الغرض الذي نرمى إليه ثم نتبعه بمقترحات بما يصح ان يجرى في مصر من بحوث مماثلة .
فهناك أنواع من الفاكهة كالشليك والكمثرى والبرقوق استطاع العلماء والباحثون عن طريق انتخاب البذور والتهجين ومضاعفة عدد الكروموسومات استطاعوا أن يزيدوا في حجومها وفي جمال أشكالها وألوانها زيادة تترمى وتبهر.
وتلك أنواع مختلفة متعددة من البطاطس قد توافر على دراستها علماء من الروس والإنجليز فتوصلوا إلى توليد أنواع جديدة منها ممتاز عن سابقاتها ، وذلك بأساليب اخري غير ما سبقت الإشارة إليه ، ومثالها استئصال عيون الدرن حتى توصلوا إلى احتياج الأنسجة الداخلية تحت تلك العيون المستأصلة ، فتكونت من هذه الأنسجة الداخلية براعم جديدة بعد ان كانت البراعم لا تتكون إلا من الطبقات الخارجية من الأنسجة .
ومن الوسائل الجديدة التى استعين بها علي إحداث أمثال تلك التغيرات الأساسية كمضاعفة عدد الكروموسومات ما اكتشف فى أمريكا من نحو ثمانى سنوات من عقار اسمه الكلكسين colchicine إذا عولجت به
بعض النباتات علاجا مناسبا تضاعف عدد كروموسوماتها. وأهمية مثل هذا الاكتشاف أنه بعد أن كانت التحسينات متوقفة على ما ينتج بالصدفة في خلال تجارب الانتخاب والتهجين ، اصبح في استطاعة العلماء ان يحدثوا ما يشاءون من تغييرات حسب إرادتهم لاستخدام أمثال الكيماويات التى من هذا النوع الذى أشرنا إليه .
ونبات الذرة قد فاز من عداية أمريكا بقسط عظيم جدا ، وسرعان ما استنهتت أنواع جديدة منه افضل من سابقاتها عممت زراعتها في عشرات الملايين من الأفدنة . وأشجار الغابات اجربت عليها تجارب واسعة النطاق في أمريكا والسويد ، وجاءت تلك التجارب بأحسن النتائج وأدقها ، وانتقل مثل هذا النشاط عقب الحرب إلى بريطانيا العظمى . كذلك نالت نباتات الحديقة مثل هذه العناية التى اثمرت خير ثمر وأفادت أعظم الفوائد .
هذا عن أوربا وأمريكا ، فهلا تكون مصر أول ممثل هذا النشاط وأحق به وهى البلاد التي تعتمد على الزراعة فى ثرونها القومية والتى لا غنى لها عن التحسن الطرد فى محصولاتها إن أرادت لثروتها القومية نماء وتقدما مطردا ؟ ولا سبيل لتحقيق ذلك إلا عن طريق البحث العلمى الجدى الذي يرسم له برنامج واسع النطاق يرمى إلى إحداث ابتكارات وتحسينات من الأنواع التى أشرنا إليها ، ويحيث يعمم استعمالها فيستفيد منها أكبر عدد مستطاع من الزارعين ، وتظهر آثارها في نسبة كبيرة من الأراضى المنزرعة .
إننا نعرف أن وزارة الزراعة في مصر تقوم ببعض التجارب العلمية في اقسامها الفنية ؛ ولكننا نعرف كذلك أن هذه التجارب ضيقة النطاق من جهة وبعيدة الصلة من جهة اخرى عن جمهور المزارعين . فهل لنا ان نطمع في البرنامج الواسع النطاق الذى أشرنا إلى حاجتنا إليه ؟ فها هو القطن لم نستقر على سياسة علمية ثابتة بشأنه ، فالنوع الذى يشار علينا بزراعته هذا العام يشار علينا
بتجنب زراعته في العام القادم ، ونوع آخر بشار علينا بزراعته فإذا ينالا نجد له سوقا حين نضم محصوله والقمح الذى زرعنا منه مقادير عظيمة في الأعوام الأخيرة لا يزال ما ينتجه الفدان منه عندنا دون ما ينتج من نظيره في امريكا .
والقطن والقمح وغيرها من المحصولات تصاب كل عام بآفات شنيعة لا تبقى ولا تذر احيانا ؛ ومع ذلك فلا نعلم أن هناك سياسة علمية ترسم للتغلب على هذه الآفات الفتاكة مع أن البلاد تقامى الأمرين من أضرارها . فهل يتصور في القرن العشرين ، مصر العلم الزاهر ، ان تقف امة من الامم مكتوفة اليدين بإزاء هذا الوباء دون أن تسخر العلماء لمحاربته بكل قوة ، ولو اقتضى الأمر الاستعانة بخبراء
وعلماء من الخارج ؟
والثروة الحيوانية تصاب كل عام بخسائر فادحة من جراء عدم الاستعانة بالعلم عن طريق سياسة علمية مرسومة لمحاربة هذه المصائب العظمي فهل آن الأوان لأن تنتبه الحكومة والشعب إلى هذه الناحية الهامة من نواحى الاقتصاد القومى التى قوامها العلم وتسخيره لخدمة هذه المصالح الاقتصادية التى عليها يتوقف نماء الثروة القومية ؟ ترجو ألا يطول انتظارنا حتى نوفر على البلاد تلك الخسائر ، ونهى لها وسائل ذلك التحسين الذي يعود عليها بالخير العميم . والله الموفق .
