الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 280الرجوع إلى "الثقافة"

حول توحيد التعليم، الابتدائى والأولى

Share

  نشرتم في الأعداد ٢٧٠،٢٦٦ ، ٢٧٨ سلسلة مقالات شائقة لصديقى الدكتور أحمد عبد السلام الكرداني بك ، علق فيها على وجهات النظر المختلفة التي أبديت أخيرا فيما يتعلق بإصلاح التعليم في مصر . وقد تناول فيما تناوله بالبحث الآراء التي أدليت بها في المحاضرتين اللتين ألقيتهما في الجمعية الجغرافية في الشتاء الماضي ، والكتاب الذي نشرته لي لجنة التأليف والترجمة والنشر متضمنا هاتين المحاضرتين وتقريرا سابقا لي عن التعليم الإلزامى . وإني أشكر لصديقي ما تفضل به من تأييد عام لهذه الآراء ، ومن ثناء كريم على شخصى ، ولكن هناك نقطة فيما كتبه أراها بحاجة إلي التوضيح .

نوه الكرداني بك بالدعوة التي وجهتها لتوحيد المرحلة الأولى من مراحل التعليم لجميع أبناء الأمة وبناتها ، توصلا إلى تحقيق العدالة الاجتماعية أولا ، وإيجاد أساس مشترك تقوم عليه وحدة الأمة الثقافية والاجتماعية ثانيا ، وتمكين البلاد من الانتفاع بكثير من الكفايات التي تغير في المدارس الإلزامية الحالية ثالثا ، وهو يؤيد هذه الفكرة تأييدا حارا ، وقد وفق كل التوفيق في الموازنة التي عقدها في مقالة الأخير بين حجج أنصار التوحيد وحجح معارضيه . ولكنه مع ذلك يزعم أنه يخالفني في الطريقة العملية لتحقيق الفكرة ، إذ يعترض على ما اقترحته من جعل أساس التوحيد تعميم التعليم الابتدائي ، ويقول في ذلك المقال : " إن تعميم التعليم الابتدائي غير ممكن من الوجهة المالية ، بل إن فيه إسرافا يحدو بنا إلي العدول عنه ، وإلى تركيزجهودنا الفكرية  والمالية في رفع مستوي المدرسة الأولية وتعميمها " .

وقد كتب الكرداني بك كثيرا في عرض هذا الرأي وتدعيمه ، مما قد يشعر بعض القراء بأن الدعوة لتوحيد

المرحلة الأولى من التعليم قد تشعبت إلي فكرتين مختلفتين هناك وجه المفاضلة بينهما . والحقيقة أنه ليست هناك إلا فكرة واحدة ، وأن الخلاف الذي يزعمه الكرداني بك بين ما يقوله وما اقترحته ليس إلا خلافا في اللفظ .

فالكرداني بك يريد أن تقوم حركة التوحيد على أساس تعميم المدرسة الأولية بعد إصلاحها ورفع مستواها . وهو يعلق أهمية كثيرة على هذا الإصلاح ، لأنه يقرر في مقاله الأول أن المدرسة الأولية الحالية " قد ثبت فشلها للجميع " ، ويؤكد ذلك في مقاله الأخير ، إذ يقول إن التعليم الأولى " قد ثبت فشله بصفة قاطعة " ، ويقول أيضا إن من فوائد التوحيد أنه يؤدي إلي " النهوض بالتعليم الأولى الفاشل الذي اعترف الجميع بأنه وصمة في جبين الأمة ، وعار يجب أن نتخلص منه بأول فرصة " ؛ ثم يتساءل في خلال هذا المقال نفسه " هل من العدالة الاجتماعية أن يحشد المدرسون الذين أعدوا إعدادا جيدا ، والذين تعلموا لغة أجنبية تمكنهم من الاطلاع على ما يجري في العالم كله ، وأن يختص بالأدوات الجيدة المريحة ، والكتب القيمة ، والمباني الفسيحة ، فريق واحد ؟ هل من العدالة الاجتماعية أن يسخر كل ذلك لخدمة فئة قليلة من أبناء الأمة ، وتحرم الأغلبية العظمي منه ، إذ يلقي بها في تلك المدارس القذرة المكتظة المهملة الفاشلة ؟ ".  الكرداني بك إذن يريد أن يتلقي جميع الأطفال المرحلة الأولى من التعليم في المدرسة الأولية ؛ ولكنها بطبيعة الحال ليست المدرسة الأولية الحالية التي وصفها بكل هذه الأوصاف ، بل مدرسة تكون يد الإصلاح قد تناولت مدرسيها وأدواتها وكتبها ومبانيها ، وهذبتها تهذيبا يزيل ما بها من وصمة تصم جبين الأمة ، وهو يري أن هذا في حيز الإمكان . وهذه المدرسة الأولية مدرسة ذات أربع فرق ، يدخلها الأطفال في سن الخامسة أو السادسة ، ويبقون بها في العادة إلى سن العاشرة ؛ ومناهجها لا تختلف ، كما يقول الكرداني بك ، عن مناهج المدارس الابتدائية إلا في اللغة الأجنبية .

هذا ما يريده الكرداني بك ، فما الذي اقترحته في المحاضرتين ؟ قلت : " إن حجر الزاوية في سياستنا التعليمية ينبغي أن يكون تعميم التعليم الابتدائي ، وجعله المرحلة الأولى من التعليم الإلزامي المجاني لجميع المصريين ، على أني لا أقصد تعميم التعليم الابتدائي بصورته الحاضرة ، إذ أن تعديل الغرض المقصود منه وتحويله إلى تعليم شعبى ، لابد أن يترتب عليه تغيير جوهري في نظمه وخططه . وبعد بحث طويل استعرضت فيه شتى الاعتبارات النفسية والتعليمية ، انتهيت إلي اقتراح تقسيم التعليم العام إلي ثلاث مراحل ، مدة كل منها أربع سنوات ، ومخصص لكل منها مدرسة مستقلة . فالمدرسة الابتدائية لمرحلة الطفولة ، وتكون حدود السن فيها من ست سنوات إلي عشر ؛ والمدرسة الوسطي لمرحلة المراهقة ، وتكون حدود السن فيها من عشر إلي أربع عشرة ؛ والمدرسة الثانوية لمرحلة البلوغ ، وتكون حدود السن فيها من أربع عشرة إلي ثماني عشرة .

فالمدرسة الابتدائية الشعبية التي اقترحت تعميمها في مدة عشرين سنة ، هي مدرسة للأطفال من ست سنين إلي عشر ، فهي من هذه الناحية مماثلة للمدرسة الأولية الحالية ، ولكنها تختلف عنها في روحها وأساليبها ومبادئها ، وقد رسمت لها صورة تبين أن المقصود أن يتلقى فيها الأطفال من بنين وبنات تعليما ملائما لطبيعة الطفولة ، يقوم علي النشاط الفطري للصغار ، ويشتمل على تعليم القراءة والكتابة ومبادئ الحساب ، ودراسة البيئة المباشرة دراسة مبنية على المشاهدة الحسية ، ولا تدخل فيها اللغة الأجنبية . ويقوم بالتعليم فيها معلمات ومعلمون يعدون على نظام مماثل لنظام إعداد معلمات رياض الأطفال في الوقت الحاضر ، ويكون المعلم " معلم فصل " لا " معلم مادة " .

 فأي ترف أو إسراف يراه الكرداني بك في هذا ؟ أليست هذه هي الصورة التي ينبغي أن تكون عليها المدرسة الأولية ، حتى يمكن أن يقال حقيقة إنها قد أصلحت إصلاحا

فعالا ؟ ! الحق أني لا أفهم أن يقال إن هذا ترف ، بل أفهم أن يقال إنه قليل لا يكفي لتزويد أبناء الأمة بالحد الأدنى من الثقافة اللازم للحياة في مجتمع راق . ولذلك قلت إننا بمجرد أن نفرغ من تعميم هذا التعليم الابتدائي ، يجب أن نعمل على تعميم المرحلة التالية له ، وهي مرحلة الدراسة الوسطى إلي سن ١٤ ، وقدرت لذلك مدة عشرين سنة أخرى . فإذا حققنا هذا فإننا سنبلغ بعد ٤٠ سنة ما بلغه الإنجليز مثلا في هذه الناحية منذ أوائل القرن الحالي . فإذا رأينا أن هذا كثير علينا ، وأننا لا نستطيع تدبير المال اللازم له ، فلنعرف قدرنا بين الأمم ، ولنكف عن التشدق بألفاظ التقدم والنهضة ومجاراة الحركات العالمية .

بقي أن الكرداني بك حريص على الانتفاع بمعلمي التعليم الإلزامى الحاليين ، وأن تهيأ لهم الأسباب ليتقدموا ويوسعوا أفقهم وينموا ثقافتهم ولست أخالفه في ذلك ، فإن إخراج المعلمين الجدد للمدارس الابتدائية الشعبية لن يتم في يوم وليلة ، وسنحتاج حسب اقتراحي إلي عشرين سنة لتعميم هذه المدارس ، وفي خلال هذه المدة تكون هناك مدارس أولية من النوع القائم ، ومن الطبيعي أن نبذل كل ما في وسعنا للنهوض بمعلميها . ولقد أدليت باقتراحات عملية لتحقيق ذلك في الصفحات ١٤٠-١٤٣ من كتاب " سياسة التعليم في مصر " .

  بل إني ذهبت إلي أبعد من ذلك ، إذ اقترحت أن تحول المدارس الأولية الحالية التي لها مبان صحية صالحة إلي مدارس ابتدائية من النوع الجديد ، إذ أن أعمار التلاميذ فيها هي أعمار تلاميذ المدرسة الحديثة بعينها ، وأن يختار الصالحون من معلمي التعليم الأولي الحالى ومعلماته للتدريس بهذه المدارس .

  أفبعد هذا يبقى بين ما يقوله الكرداني بك وما دعوت إليه خلاف يستحق أن يتشعب من أجله الرأي بين أنصار التوحيد ، ويلقي ظلا من الشك على القيمة العملية للفكرة ؟

اشترك في نشرتنا البريدية