تحت هذا العنوان كتب حضرة صاحب الفضيلة الشيخ عبد الفتاح بدوي المدرس بكلية اللغة العربية بالأزهر يقول (ولكن الذي لنا وللعلماء خاصة هو القيامة على الحقائق العلمية وعلى الحقائق الدينية ننفي عنهما الخبث وندافع عنهما كل من يحاول عليهما العدوان.) وأنه ما دام يملك المقال الذي كتبته في الرسالة. عدد ٧٤٣ فإنه يملك باباً وسيعاً من المناقشة والحساب في مسائل علمية ودينية لها أكبر الخطر ويترتب عليها أعظم النتائج العلمية والأدبية والأجتماعية والقانونية إلى أن يحصل على أشياء أخرى غير المقال.
ومناقشة الاستاذ لهذا المقال قسمان مسائل وشتائم فلنبدأ الحديث عن المسائل:
١ - قلت من المعروف دينيا ألا نستنتج من نص قرآني أمراً لم يقصد اليه القرآن. فقال الشيخ هذه الدعوى تهجم عارم على العلم وعلى القرآن جميعاً وبين ذلك بقوله أليس القرآن الكريم كلاماً له الدلالات المنطقية الثلاث المطابقية والتضمينية والالتزامية التي لكل كلام سواء في ذلك كل أنواع الكلام.
ولا نفهم كيف يكون لكل كلام دلالات ثلاث تقصد منه مع أن عياره المتن - الذي يعرف بعلم البيان - (والإيراد المذكور لا يتأنى بالوضعية أي بالدلالة المطابقية ويتأتى بالعقلية أي التضمنية والألتزامية.)
ومعنى ذلك كما يلحظ القارئ أن الإيراد البياني بالتجويز والاستعارة والكناية. . . . الخ لا يكون إلا ببعض هذه الدلالات. ولذا لا ندري كيف حكم الشيخ بالدلالات الثلاث لكل كلام.
ثم أين ما يقوله البيانيون ورجال البلاغة من حال المتكلم وحال المخاطب والقرائن العقلية وأين السياق والمقام حيث يقولون لكل مقام مقال أين كل هذا يا صاحب الفضيلة أليس كل هذا يدل على أنه لا يصح أن نستنتج من أي نص أمرا لم يقصد اليه القائل .
ثم هذه الآية نفسها التي أوردها الشيخ وهي أن أول بيت وضع للناس للذي ببكة تدل الدلالة القوية على تأصيل القاعدة التي
تقول بها إن لم تكن مؤصلة وإلا فليدلني الشيخ وقد ماذا يكون موقفه من العلم حين يثبت بقرائن مادية يقول بها علماء الجيولوجيا من أن هذا البيت ليس أول بيت وضع للناس من الناحية الزمنية أيصر على موقفه أم يرجع إلى قصد القرآن ويفهم ما فهمه بعض المفسرين من أن الأولية هنا ليست أولية الزمان .
ولو قرأ الشيخ المقال الافتتاحي في عدد الرسالة الذي نشر فيه مقالة وعنوانه (القرآن والنظريات العلمية) لوجد الضرورة القصوى الداعية إلى تأصيل هذا الأصل في فهم نصوص القرآن لو كان غير مؤصل في فهم عبارة كل متكلم. لكنه أصل لا نعرف أحداً يستطيع المشاحة فيه؟ ولكن؟
٢ - وقلت إن القصص القرآني من المتشابه فقال الشيخ فلسنا نعرف أحداً من الأصوليين ولا أحداً من المسلمين يعتبر القصص القرآني متشابهاً. . كما يقول في موطن آخر فالأستاذ الأمام لم يقل إن القصص من المتشابه ولم يقل بذلك مسلم قبله أو بعده..
ونبدأ مع الشيخ بالعموم الجريء في قوله إنه لا يعرف أحداً من المسلمين يعتبر القصص القرآني متشابهاً ونضع بين يديه ما في التفسير الكبير المسمى بالبحر المحيط لأبي حيان ج ٢ص ٣٨١ طبعة السعادة سنة ١٣٢٨ هـ ونصه [وقال مقاتل المحكمات خمسمائة آية. . . الخ والمتشابه القصص والأمثال. وقال يحيى بن يعمر المحكم الفرائض والوعد والوعيد والمتشابه القصص والأمثال.]
ثم نضع قول الطبري في جامع البيان في تفسير القرآن جـ٣ ص١٠٧ المطبعة اليمنية ونصه [والمتشابه هو ما اشتبهت الألفاظ به من عند التكرير في السورة فقصة باتفاق الالفاظ واختلاف المعاني وقصة باختلاف الألفاظ واتفاق المعاني.]
ثم نضع قول الطبري في كتابه مجمع البيان في تفسير القرآن ج١ طبع صيداً ص ٤٠٩ ونصه (والمتشابه ما تكرر ألفاظه كقصة موسى وغير ذلك عن ابن زيد ) . وهذا الرأى هو الذى نقله الأستاذ الإمام فى تفسير المنار حيث لم يكتف بما نقله الرازى من أقواله فى المتشابه ( أنظر المنار جـ 3 ص 165 ) ولا نطيل بنقله ولعل فى هؤلاء واحدا يكون من المسلمين عند الشيخ ؟
فإذا انتقلنا إلى الخاص وهو نقل الأصوليين أحلنا الشيخ على إيراد الأمدى لهذا الرأى فى كتابه الأحكام جـ 1 ص 238 طبعة المعارف ومناقشته له .
كما نضع بين يدين عبارة الشوكانى فى كتابه إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول ص 28 ونصها ( ومثل المحكم الفرائض والوعد والوعيد والمتشابه القصص والأمثال ) .
فهل لم يعرف الشيخ واحدا من هؤلاء جميعا ؟ .
٣ - وقلت إن من المفسرين من لا يلتزم أن كل ما ورد في القصص القرآني من أحداث قد وقع بل بعضه أحداث غير واقعة فقال الشيخ:
ولا نعرف أحداً من الأصوليين ولا من المسلمين لا يقول بأن ما ورد في القرآن من القصص إنما هو أحداث وقعت وحوادث هي خلاصة الحقيقة التي وقعت في سوالف الأزمان.
وإقحام الشيخ الأصوليين هناك لا معنى له فليسمع كلام المفسرين الذين تحدثت عنهم إذ يقررون أن من القصص القرآني أحداث لم تقع.
جاء في أبن كثير ج١ ص٥٩٠ بعد تفسيره لقوله تعالى ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت. . . الخ ما نصه (عن أبن جريح عن عطاء أن هذا مثل) وقد وضع على لفظة مثل رقم ١وكتب على الهامش بآلة الطباعة هذه العبارة (يعني أنها ضرب مثل لا قصة واقعة) .
وجاء في الرازي ج٢ ص٣٣٣ نسخة الصالة بدار الكتب وذلك بصدد الحديث عن قصة إبراهيم والطير ما نصه [المسألة الثانية. أجمع أهل التفسير على أن المراد بالآية قطعهن وأن إبراهيم قطع أعضاءها ولحومها وريشها ودماءها وخلط بعضها على بعض غير أني مسلم فأنه أنكر ذلك وقال: إن إبراهيم عليه السلام لما طلب إحياء الميت من الله تعالى مثالا قرب به الأمر عليه والمراد بصرهن إليك الإمالة والتمرين على الإجابة أي فعود الطير الأربعة أن تصير بحيث إذا دعوتها أجابتك وأتتك فأذا صارت كذلك فأجعل على كل جبل واحداً حال حياته ثم أدعهن يأتينك سعياً والغرض منه ذكر مثال محسوس في عود الأرواح إلى الأجساد على سبيل السهولة] .
وجاء في المنار ج٣ ص٥٢ بعد تفسيره لقصة الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها ما نصه [ويحتمل أن تكون القصة من قبيل التمثيل والله أعلم] .
وقد كرر الأستاذ الأمام تفسير بعض القصص القرآني على
هذا الاساس ويكفي أن نحيل الشيخ إلى الصفحات من ٢٨٠ - ٢٨٢ من الجزء الأول ليعرف أن الأستاذ الأمام قد فسر قصة آدم من سورة البقرة على أنها قصة تمثيلية.
على أنا نستطيع أن نضع بين يدي الشيخ هذا النص القاطع الذي لا يحتمل شكا في أن مذهب الأستاذ الأمام هو هذا.
جاء في المنار ج٢ص٣٩٩ الطبعة الأولى ما نصه [ومن البديهي أن ذكر القصة في القرآن لا يقتضي أن يكون كل ما يحكى فيها عن الناس صحيحا فذكر السحر فى هذه الأيات لايستلزم إثبات ما يعتقد الناس منه كما أن نسبة الكفر إلى سليمان التى علمت من النفى لا تستلزم أن تكون صحيحة لأنها ذكرت في القرآن ولو لم يكن ذكرها في سياق النفي .
قال الأستاذ الأمام ما مثله. بينا غير مرة أن القصص جاءت في القرآن لأجل الموعظة والاعتبار لا لبيان التاريخ ولا للحمل على الاعتقاد بجزئيات الأخبار عند الغابرين وإنه ليحكي من عقائدهم الحق والباطل ومن تقاليدهم الصادق والكاذب ومن عاداتهم النافع والضار لأجل الموعظة والاعتبار فحكاية القرآن لا تعدو موضع العبرة ولا تتجاوز مواطن الهداية ولا بد أن يأتي في العبارة أو السياق وأسلوب النظم ما يدل على استحسان الحسن واستهجان القبيح .
وقد يأتي في الحكاية بالتعبيرات المستعملة عند المخاطبين أو المحكى عنهم وأن لم تكن صحيحة في نفسها كقوله (كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس) وكقوله (بلغ مطلع الشمس) وهذا الأسلوب مألوف فأننا نرى كثيراً من كتاب العربية وكتاب الإفرنج يذكرون آلهة الخير والشر في خطبهم ومقالاتهم لا سيما في سياق كلامهم عم اليونان والمصريين القدماء ولا يعتقد أحد منهم شيئاً من تلك الخرافات الوثنية.
ويقول أهل السواحل غربت الشمس أو سقط قرص الشمس في البحر أو في الماء ولا يعتقدون ذلك وإنما يعبرون به عن المرئى] . انتهى بنصه من حديثه عن قصة هاروت وماروت
وبعد أفلا يرى الشيخ أن الأستاذ الأمام وأن الشيخ رشيد رضا يذهبان إلى أن كل ما ذكر فى القصص القرأنى لا يلزم أن يكون صحيحا لأنه ذكر فى القرأن بل يكون غير صحيح وإنما ذكره القران وهو يعتقد بقدم صحته لأن ذلك هو الأسلوب
لعادى فى التخاطل وهو الذى يجرى عليه الأدباء على أنى أستطيع أن أذهب مع الشيخ إلى أبعد من هذا فأقول له إن الأستاذ الإمام بفضل هذه الطريقة فى تفسير وهى طريقة التأويل على غيرها .
قال رحمه الله ج١ ص٢٧٣ ما نصه (أفلا تزعم أن لله ملائكة في الأرض وملائكة في السماء؟ هل عرفت أين تسكن ملائكة الأرض؟ وهل حددت أمكنتها؟ ورسمت مساكنها؟
وهل عرفت أين يجلس من يكون منهم عن يمينك؟ ومن يكون عن يسارك؟ هل ترى أجسامهم النورانية تضئ لك في الظلام أو تؤنسك إذا هجمت عليك الأوهام؟ فلو ركنت إلى أنها قوى أو أرواح منبثة فيما حولك وما بين يديك وما خلفك وأن الله ذكرها لك بما كان يعرفها سلفك وبالعبارة عنهم التي تلقفها عنهم كى لا يوحشك بما يدهشك وترك لك النظر تطمئن اليه نفسك من وجوه تعرفها أفلا يكون ذلك أروح لنفسك وأدعى إلى طمأنينة عقلك؟ أفلا يكون قد أبصرت شيئاً من وراء حجاب؟
ووقفت على سر من أسرار الكتاب؟فإن لم تجد في نفسك استعداد القبول أشعة هذه الحقائق وكنت ممن يؤمن بالغيب ويفوض في أدراك الحقيقة ويقول (آمنا به كل من عند ربنا) فلا ترم طلاب العرفان بالريب ما داموا يصدقون بالكتاب الذي آمنت به ويؤمنون بالرسول الذي صدقت برسالته وهم في إيمانهم أعلى منك كعباً وأرضى بربهم نفساً.
ألا إن مؤمناً لو مالت نفسه إلى فهم ما أنزل إليه من ربه على النحو الذي يطمئن إليه قلبه كما قلنا كان من دينه في ثقة ومن فضل ربه في سعة) انتهى بنصه.
والآن ماذا يرى الشيخ؟ وماذا يرى غيره من الثائرين؟ إنا لنمتثل معهم بقول القرآن الكريم (وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين) . ومن هنا سنعرض عن القسم الثاني من مقال الشيخ وهو قسم الشتائم لعله يفقه الحق ويصل إلى الرشد ويقف على أسرار قرآننا الكريم.

