الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 319الرجوع إلى "الرسالة"

حول جناية الأدب الجاهلي حديث لأديب مصري مصطاف في ، لبنان

Share

نشرت زميلتنا المكشوف البيروتية في عددها الأخير هذه  الكلمة وهذا الحديث بإمضاء   (جوابة)  فرأينا من فائدة الأدب  في ذاته أن ننقلهما عنها لا مقرين ولا منكرين، فإن رأي الرسالة  في الموضوع قد صرحت به في العدد ٣١٦ فلا تسأل إلا عنه.

قال الكاتب الفاضل: أطالع منذ أسبوعين في مجلة   (الرسالة)  المصرية سلسلة من  المقالات للدكتور زكي مبارك ينقد فيها آراء للأستاذ أحمد أمين  أبداها في الأدب الجاهلي وجنايته على الأدب العربي ونشرها  في مجلة الثقافة. وقد أختار الدكتور مبارك عنواناً لمقالاته   (جناية  أحمد أمين على الأدب العربي) . ولاشك أن التهمتين مبالغ فيهما؛  فلا الأدب الجاهلي جنى على الأدب العربي بقدر ما يتصور الأستاذ  أحمد أمين، ولا الأستاذ أحمد أمين جنى على الأدب العربي بقدر  ما يتخيل الدكتور زكي مبارك. فما هو السبب يا ترى في إثارة  هذا النوع من النقاش، بل هذه المعركة الحامية الوطيس

بين الرسالة والثقافة؟ مما لاشك فيه أن هذه الأبحاث طريفة في حد ذاتها على  ما يرافقها من مبالغات وعنف في العرض والرد واللهجة. ومما لاشك  فيه أيضاً أنها تحث قرائح الباحثين، فيتناولون هذا الموضوع  ويعالجونه في جو بعيد عن غبار المعركة. ولابد أن يجني الأدب  فائدة تذكر من درس الأدب العربي على ضوء   (المعدة والروح)

على أن يقارن بينه وبين آداب الأمم في عصورهاالمتشابهة  أو المتقاربة، وعلى أن تسلم النيات وتطيب الإرادات. وقد اتفق لي منذ يومين أن التقيت في أحد المصايف أديباً  مصرياً قدم إلى لبنان ترويحاً للنفس، فجرى بيني وبينه حديث

عن المعركة التي أثارها الدكتور زكي مبارك وعن أسبابها الظاهرة  والخفية، فصارحني محدثي برأيه. ولما طلبت إليه الأذن لي بنقل  هذا الرأي إلى قراء   (المكشوف)  أوصاني بإهمال ذكر اسمه،  معتذراً بأنه يفضل أن يتفرج على أن يدخل شخصاً ثالثاً في نقاش  قد يضطره إلى الدرس والمراجعة، وهو ما جاء لبنان إلا للراحة  والسكينة. . .

ونزولاً على مشيئة محدثي أكتم اسمه وأكتفي بنقل خلاصة  أمينة لما قال:

-  لا جدال أن النقد في مصر قد خفت صوته، ولذلك  أسباب لا مجال للخوض فيها الآن. . . ومن الخير للأدب أن يعود  النقد إلى سابق عهده فتروج الكتب والمجلات. وقد يسعف  الحظ بعض الأدباء الناشئين فتلمع أسماؤهم في سماء الأدب وتقوم  شهرتهم على جثث ضحاياهم، وهذه سنة الحياة. . . أما الدكتور  زكي مبارك فلم أعرف أديباً أشد اندفاعاً منه في ميدان النقد،  فكأنه مفطور عليه يموت إن لم يتغذ به. إنه حركة دائمة؛  وإن هو لم يجد من ينقد مال على نفسه ينقدها. ولست أشك  في إخلاصه لفنه، إلا إنني أعيب عليه ميلاً قد يكون مكتسباً،  إلى حمل خصومه على مناقشته في مواضيع دقيقة وحساسة  في شرقنا العربي. أضرب مثلاً على ذلك اتهامه الأستاذ أحمد أمين  بشيء من الفتور في دينه، وإلصاقه به تحيزاً ضد الشام والعراق  وغيرهما من الأقطار العربية.

على أن أسباب المعركة القائمة الآن بينه وبين أحمد أمين،  أو بين (الرسالة) و (الثقافة) ليست ناتجة - فيما أظن - عن  الأخطاء التي ارتكبها أحمد أمين في بحثه عن جناية الأدب الجاهلي  على الأدب العربي، بل يرجح عندي أن هذه الأخطاء كانت فرصة  اغتنمها الدكتور لشن الغارة على أحمد أمين. أما الأسباب الحقيقية

فترجع إلى المناوشات التي قامت في وقت ما بين الزيات وأحمد أمين  من أجل الكتب التي قررت وزارة المعارف وضعها بين أيدي  التلاميذ، ولم يكن بينها كتب الزيات. فاحتج صاحب (الرسالة)     على هذا الاحتكار، واتهم أحمد أمين بكونه لولبه. وكان أحمد أمين  صريحاً، فاعترف بأنه لم يوافق على إدخال مؤلفات الزيات في قائمة  الكتب المقررة لأن فيها ما يؤذي الأخلاق. . .

واستمر هذا الخصام بين الزيات وأحمد أمين تارة مستتراً،  وتارة ظاهراً، حتى ظهرت (الثقافة) وكان هدفها الأول محاربة   (الرسالة) . وفي الواقع من هم قراء الأدب في مصر؟ هم طلبة  الجامعة في أكثريتهم، فلماذا لا تستغلهم لجنة التأليف والترجمة  والنشر بمجلة توجه أبحاثها إليهم بعد أن استغلتهم بالكتب؟  وأكثر أعضاء هذه اللجنة من أساتذة الجامعة، فصدرت  (الثقافة)     يؤيدها خصوم الزيات من طه حسين، إلى محمد عبد الله عنان،  إلى أحمد أمين، إلى غيرهم ممن أغضبهم الزيات لسبب من الأسباب  في وقت من الأوقات. وهذه نوازع بشرية لا غرابة فيها،  وإنما الغرابة أن يستطيع أحمد أمين الانتقام من الزيات ولايفعل! وقراء الأدب في مصر محدودون، فكان بديهياً أن يتحول  قسم كبير منهم من   (الرسالة)  إلى   (الثقافة)  وأن تحس الرسالة  أنها لم تبق وحدها في الميدان. فاشتد النزاع واشتد. . . ورأينا  الزيات يدخل على مجلته تحسينات وأبواباً جديدة، ثم لا يلبث  أن يحاول اجتذاب طلبة الأزهر إليه فيجعل منهم حزباً يعضده  على حزب الجامعة. ولا أدري أنجح في محاولته هذه أم أخفق.  وكل ما أعرفه أن الثقافة راجت سوقها على ضعف مادتها، وعلى  افتقارها إلى الروح الصحفية الحديثة.

فـ   (المعدة)  إذن كانت منشأ المعركة القائمة الآن بين أحمد أمين  والدكتور زكي مبارك، أو بين الرسالة والثقافة. فإذا كان الأدب  العربي أدب معدة في عصوره القديمة لا أدب روح، فمعلوم أن  حياة الأديب القديم لم تكن هينة الموارد، فما بال الأستاذ أحمد أمين  يتمسك في أدبه بما يعيبه على الآخرين؟. . .

انتهى كلام محدثي، وقد نقلته إلى قراء   (المكشوف)   بكل أمانة.

اشترك في نشرتنا البريدية