قرأت في العدد من (الرسالة) كلمة بسط قائلها فيها رأيي الأستاذتين حسنين مخلوف وكامل محمود حبيب في حب الرافعي.
والرأيان يرميان إلى أن حب الرافعي لم يكن صادقاً - كما قال صاحب الكلمة - وليس في هذين الرأيين جديد، فقد قرأنا من قبل رأي تلميذ من تلاميذ الرافعي لعله أقربهم إليه وهو الأستاذ محمد سعيد العريان، وقد أورد رأيه هذا في كتابه عن الرافعي فقال: (إن الحب عند الناس هو حيلة الحياة لإيجاد النوع. ولكنه عند الرافعي هو حيلة النفس إلى السمو والإشراق والوصول إلى الشاطئ المجهول. . . هو مادة الشعر وجلاء الخاطر وصقال النفس وينبوع الرحمة وأداة البيان. . . كذلك كان الحب
عند الرافعي، ولذلك كان يحب) . . .
ويقول بعد هذا بقليل. (وبلغ الرافعي (بعصفورة) إلى غايته وأشتهر شاعر الحسن) وترنم العشاق بشعره وما بلغت عصفورة إلى غايتها، ثم مضى كل منهما إلى طريق، وأتم الرافعي طبع ديوانه، وكما ينتهي الحب الذي هو حيلة الحياة لإيجاد النوع إلى الزواج أو الغاية الأخرى، ثم يبدأ في تاريخ جديد، كذلك أنتهى حب الرافعي وعصفورة وأنجب ثمرته الشعرية، ثم كان تاريخ جديد. . .
وعلى مثال هذا الحب كم كانت له حبيبات، وكم أنجبت ثمرات، وإنه ليخيل إلي أن الرافعي كان كلما أحس حاجة إلى الحب راح يفتش عن (واحدة) يقول لها: تعالي نتحاب لأن في نفسي شعراً أود أن أنظمه أو رسالة في الحب أريد أن أكتبها!
ولقد سمعته مرة يقول لإحداهن. . . وسمعت إحداهن مرة تقول له: متى أراني في مجلسك مرة لتكتب عني رسالة في (ورقة ورد) ؟.
ويتضح من هذا أن الرافعي - رحمه الله - كان يبحث عن الشعر والفن في الحب، فالحب عنده وسيلة إلى تصوير عواطفه، وتسجيل خواطره، فلم يكن الرافعي يبحث عن الحب نفسه، وإنما لغاية فيه.
على أن هذا لا يمنع أن يكون الرافعي قد أحب حباً صادقاً إحدى هؤلاء اللائي كتب عنهن، فلا نحكم حينئذ جملة بأن حب الرافعي كان مصنوعاً كله. ويؤيد هذا كلمة قالها الأستاذ العريان في (حياة الرافعي) : (. . . وسعي إلى الحب أول ما سعى على رجليه، منطلقاً بإرادته ليبحث في الحب عن ينبوع الشعر، فلما بلغ أغلق الباب دونه، فظل يرسف في أغلاله سنين لا يستطيع الفكاك من أسر الحب) .
وإذن فقد أحب الرافعي، وظل يرسف فلال الحب سنين طويلة. . فلا يمكن بعد هذا أن يقال إن كل ما كتبه الرافعي في فلسفة الحب والجمال شعراً أم نثراً غير صادر عن عاطفة صادقة وحب خالص.
ولا حاجة بنا ايضاً إلى سؤال تلاميذ الرافعي أو غيرهم عن توفر (الصدق الفني) فيما كتب أم عدم توفره.

