الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 374الرجوع إلى "الثقافة"

حول خدمات العلم للانسان:, أهمية العلوم البحتة

Share

( تحدثنا هنا في عدة مقالات عن خدمات العلم للانسان . ومن سلسلة هذه الأحاديث قد يتبادر إلى الذهن أن العلوم التي تستأهل التقدير وتستحق العناية هي العلوم التطبيقية وحدها . وهذه فكرة غير صحيحة ، ولذا بادرنا بنقل هذا المقال الذي يبين أهمية العلوم البحتة أو النظرية الصرفة الزل لولاها لما كان هناك تطبيقات عملية ، ونحن تنقل هنا عن بلارد صاحب مقدمة كتاب العلم في خدمتك ، وكاتب آخر فصوله . )

حين يصغي الإنسان إلي حديث عن أحد التطبيقات العملية للعلوم ، سواء كان حديثا في المفرقعات أو في النسيج أو في بناء السفن ، أو في أي . موضوع عملي آخر ، يسهل عليه ان يدرك ان الأشياء التي يتناولها الحديث ممتعة وذات اهمية ؛ لكن ليس من السهل عليه ان يدرك أنها لم تأت عفوا او بالصدقة نتيجة لفكرة نيرة لمعت في ذهن عبقري ، وإنما جاءت كما سنبين هنا من تطبيق كنز المعارف العظيم الذي تراكم في الثلاثمائة سنة الأخيرة والذي يطلق عليه اسم " العلوم الطبيعية " .

والآن فلتعرف العلوم الطبيعية " : هي دراسة المادة الجامدة التي لا حياة فيها . من حيث استجابتها للمؤثرات وسلوكها بوجه عام ، مثل حركة السيارات ، وتصميم المحرك البخاري ، واستخراج البترول ، وتحطم الموجة على ساحل البحر ، والوان الصباغة والتركيب الداخلي الذرة . هذه كلها داخلة ضمن " العلوم الطبيعية " .

ومثل هذه الأشياء تدرس لسببين : فقد تدرسها لأنها شيقة في حد ذاتها ، ولأننا نستشعر رغبة داخلية في إدراك العلاقات التي تقوم بين اشياء تبدو متبابنة إلى حد كبير ، دون أن يكون هناك أي دافع خارجي يبعثنا على هذه الدراسة ، أو قد ندرسها لسبب نفعي بقصد تحقيق غاية

عملية . فالدراسة التي من النوع الأول تدخل ضمن " العلوم البحتة " والدراسة التي من النوع الثاني تدخل ضمن " العلوم التطبيقية " فالعلوم البحتة ذات صلة في رأيى بالرغبة الملحة التي تبدو عند الصبى الصغير  فتحمله علي فك ساعة والد قطعة قطعة ، فهو لا ينتظر من وراء هذه العملية ان يجعل ساعة أبيه تسير خيرا من سيرها الاول ، وإنما يروم من وراء هذه العملية أن يشبع غريرة حب الاستطلاع ، ويري بنفسه كيف تدور مختلف العجلات التي تتركب منها الساعة ويحاول أن يتفهم الكيفية التي تشتغل بها

ومن أمثلة المباحث العلمية التي لا تصدر عن باعث عملي أو تطبيقي ، تلك التجارب التي اجراها منذ قرن مضي ، كل من امبير وفراداي ، لمعرفة ما إذا كانت هناك علاقة بين التيارات الكهرائية وبين المغنطيسية . أما العلوم التطبيقية من الناحية الأخرى فأساسها اهتمام الإنسان وشغفه بحل مسألة تطبيقية أو مشكلة عملية ، مثل كيفية تصميم محرك كهربائي يكون أقدر على العمل في آلات التنظيف الحديثة التى تشتغل علي أساس إحداث فراغ يمكن من شفط التراب ، أو مثل كيفية جعل ماء البحر صالحا للشرب

والآن تذكر أنه من البديهي أنك لا تستطيع تصميم محرك جديد إذا لم تكن تعلم الشئ الكثير عن التيارات الكهربائية وعن التنظيمات كذلك ، وان العالم الذي قام بوضع تصميم أول محرك كهربائي ما كان ليتسي له ذلك لو لم تكن له معرفة واسعة بتلك الأشياء وما كان يستطيع اي إنسان ان يقول منذ مائة وخمسين عاما أن هناك ادنى علاقة بين المغنطيسات ، وبين توليد القدرة اللازمة لكنس السجاجيد أو لصنع التليفونات . بل ما كان يجرؤ على أن يقرر ان لهذه المغنطيسات أي نفع

عملي ، اللهم إلا جمع الدبابيس المبعثرة ، أو صنع بوصلات السفن

ولما بين أمبير وفراداي أن السلك الذي يحمل تيارا كهربائيا يحرك المغنطيس الذي يمر التيار بجواره وبينا أيضا ان تحريك المغنطيس بجوار سلك يولد تيارا يسري في هذا السلك ، وجد العلماء في هذه الا كتشافات كنزا لا يفني ، وعليها أقيم صرح الصناعة الكهربائية الحديثة

فالتطور والتقدم العظيمان في توليد القدرة الكهربائية والنور الكهربائي في أواخر القرن الماضي والصناعات الكبيرة التي قامت ونمت حولهما قامت كلها على أساس واحد ، وهو الا كتشافات التى قام بها كل من أمبير وفراداي . نعم لو لم يكونا قد عثرا عليها لعثر عليها غيرهما من الباحثين ، لكن المهم في الموضوع أنه بدون تلك الاكتشافات ما كان يمكن تصميم الحركات الكهربائية الى تقوم عليها الصناعات في الوقت الحاضر . فليس المحرك الكهربائي من الأشياء التي يمكن اكتشافها بطريق الصدفة أو نتيجة لفكرة نيرة مفاجثة تطرأ على مهندس أو عالم من الذين كانوا يعملون في صنع وتشغيل القاطرات والمحركات البخارية . وإنما كان اختراع أو اكتشاف هذا المحرك الكهربائي نتيجة لما تم قبله من اكتشاف القوانين الأساسية الكهربائية والمغنطيسية ، ولا أظن أنه كان في الاستطاعة اكتشاف هذه القوانين إلا عن طريق الباعث النفسي الاستطلاعي الصرف الذي يحمل الإنسان على الرغبة الملحة في تعرف الكيفية التي بها تؤدي الطبيعة عملها وتقوم بوظيفتها . وهذه الرغبة الملحة وذلك الباعث الاستطلاعي أمور عائمة غير محدودة

وقد يبدو عجيبا لأول وهلة أن شئونا عملية محتة كالصناعات الكهرائية تبني على أسس كهذه لا يبدو فيها

أمل خاص ولا يستشف الإنسان من ورائها رجاء محددا ، لكن الواقع أن مثل هذه العلاقة شائعة بل عامة ، فإنك إذا أردت أن تحل مشكلة عملية كان أول ما ترجوه هو العثور على ما ينير لك الطريق ويدلك على كيفية البدء ومكانه . ولابد لك في هذا من الاعتماد على أعمال عادية ، نظرية في أغلب الأحيان ، قام بها أناس غيرك من قبل . فما كان الصمام اللاسلكى مثلا ليخترع إلا بعد أن تمت دراسة طبيعة الالكتروات ونظام حركاتها - تلك الالكترونات التي تنبعث من المعادن المسخنة إلي درجة الابيضاض في وعاء مفرغ من الهواء . لكن لا شك في أنه حين كان طمسن وتلاميذه يجرون تجاربهم الأساسية على هذه الأشياء منذ أربعين سنة لم تكن تجول بخاطرهم اية فكرة عن الاتجاه الذي ستطبق فيه اكتشافاتهم تلك ، وإن كانوا ربما شعروا بأن التقدم الذي أحدثوه في " العلوم البحتة " لا بد وأن يكون له في النهاية ثمرة عملية قيمة .

وقد صادفني مثال آخر ظريف حين كنت أتحدث إلي واحد من رجال الفلك ، كان قد بدا عليه اهتمام وشغف بدراسة المفرقعات وانصرف إليها . قلت له : " حسنا فعلت ! فإنك على أي حال قد منحت نفسك بهذا العمل إجازة من اشتغالك بالنجوم " . فأجابني : " لست ادري فإن أجد ان العمل الذي قمت به فيما مضي مما يتصل بالمتغيرات من النجوم بفيدني أكبر فائدة فيما أنا بصدده الآن فالمفرقعات على أي حال لم تخرج ، عقب انبعاثها بعد الفرقعة ، عن ان تكون كتلة من غاز ساخن ، وهذه هي بعينها طبيعة كل نجم من النجوم . فالنظرية تكاد تكون واحدة بالضبط في الحالتين "

فحل المسائل بهذه الكيفية ، أى بتلمس العلاقات التي تربط المسألة التي نحن بصددها بغيرها من الشئون المألوفة لنا ، هو الأساس الذي يقوم عليه الكثير من الدراسة

العلمية التطبيقية . لكن مثل هذه العلاقة لن تفيدنا ما لم تكن تعرف بعض الشئ عن تلك الأمور المألوفة التي تتصل بها المسألة التى بين ايدينا . فقولك إن الفرقعة تشبه من بعض النواحي النجم لا يغنيك فتيلا ما لم تكن تعرف الشئ الكثير عن النجوم

وأرجو أن اكون قد أوردت هنا ما يكفي لبيان تبرير الاهتمام بالعلوم البحتة من الناحية العملية نفسها فأول ما يلزم لضمان محصول من الاكتشافات النافعة والاختراعات المفيدة هو بذر البذور باستمرار للبحوث النظرية البحتة ، تلك البحوث التي وقفت إلى حد كبير في الوقت الحاضر بسبب الحرب ، بحيث إذا لم تستأنف تلك البحوث بأسرع ما يمكن لم يكن لنا ان نتوقع أقل الآثار العملية العاجلة ، ونكون قد قضينا على الينبوع الذي كان يصح ان تتفجر منه الاكتشافات العملية في العشرين سنة القادمة

ولابد من مرور زمن قبل ان ينسى لأي اكتشاف في العلوم البحتة ان يطبق في الحياة العملية ولكن هذا الزمن اطول مما قد يتصوره الإنسان ، فهو يبلغ في المادة ما بين عشرين سنة وخمسين . فالا كتشافات الكهربائية الأساسية التي ذكرناها منذ قليل ظهرت فيما بين عامي ١٨٣٥،١٨٢٠ ، لكن لم يشرع في اضاءة شوارع لندن بالمصابيح الكهربائية إلا في العقد التاسع من نفس القرن

كذلك قام كلارك مكسويل ، أول استاذ لعلم الطبيعة في كمبردج بإتمام النظرية الكهرطيسية ، وتنبأ بالأمواج اللاسلكية عام ١٨٦٥ وقام  هرتز بتوليد هذه الأمواج عام١٨٨٨ ، لسكن التلغراف اللاسلكى الفعلى لم يظهر إلاسنة ١٩٠٠ ، واما التليفزيون وتحديد المواقع باللاسلكي فلم يظهر في العالم العملي إلا في اواخر العقد الرابع من القرن العشرين ، والكهرب اكتشف عام ١٨٩٦ ، لكن

الصمام اللاسلكي لم يبلغ شأوه ولم تظهر أهميته العملية إلا في سنة ١٩١٥

وهذه الفترات الزمنية تكون عادة من الطول بحيث لا يكون هناك بوجه عام أي احتمال لجمل البحث العلمي البحث يدر من المال ما يعوض الأموال التي تنفق عليه فالأرباح العملية إنما تأتي بعد أن تندمج وتترابط بل وتنصهر معا جميع الأعمال التي يقوم بها رجال عديدون في سنوات عديدة ، بحيث تتكون منها صورة متناسقة منسجمة الكيفية التى يجري بها العمل ، في حين ان معظم العناصر التي تتألف منها الصورة لا يكون لكل منها بذاته أية قيمة أو فائدة معينة . فالمهندس الذي يضع تصميم سفينة ما يستخدم كثيرا من المعلومات الواردة في ديناميكا الموائع أو السوائل التي منها الماء ، وهذه المعلومات قد تراكمت بالتدريج في خلال ٢٥٠ سنة أي منذ عهد نيوتن إلي يومنا هذا ، أو بالأحري منذ ٢٠٠٠ سنة ، أي منذ طرأت علي أرخميدس وهو يستحم في كبرا كوزة تلك الفكرة الديرة الشهيرة

وواضح أن العلماء الذين عثروا على تلك النفائس العلمية وساهموا في تكديس تلك المعلومات ما كانوا ليستطيعوا ان يكسبوا عيشهم منها مباشرة ، أو ان يجمعوا الأموال التي صرفوها على تجاربهم عن طريق بيع ما وفقوا إليه من تلك المعلومات عاما بعد عام اولا فأولا بمجرد عثورهم عليها . ومن ذلك بتبين ان البحث العلمي البحت ، وإن كان ضروريا لتحقيق بعض الأغراض العملية ، لا يمكن أن يأتي بريح يعادل ما ينفق عليه ، أي أن العلوم البحتة ، وإن كانت خير ما يصح أن تستثمره أمة من الأمم ، تكون على الدوام فقيرة ومحتاجة لمن يمد المشتغل بها بالمعاونة المالية باستمرار (للحديث بقية)

اشترك في نشرتنا البريدية