الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 288الرجوع إلى "الثقافة"

حول رجال العلم ورسالتهم :، صوت العمال وصداه

Share

في العدد 285 تناولنا الكلام عن رجال العلم ورسالتهم في المجتمع ؛ وفي العدد الماضي ) 287 ( تناولنا الكلام عن رجال العلم ورسالتهم في مصر . وكنا نظن أن الذين يهتمون بما جاء في هذين المقالين هم أولا - رجال العلم ، لاسيما المشتغلون منهم بالتأليف أو بالبحث ؛ وثانيا - الرجال المتصلون بالصناعة والذين يهمهم ترقيتها في مصر ، وبناؤها علي دعائم قوية ؛ وثالثا - قادة الرأي الذين بوجهون السياسة العامة ، لا سيما ما يتصل منها بمجهودات الحكومة العلمية التي تعود على الشعب بالمنفعة الصحية والمالية وترفع مستواه بوجه عام ؛ ورابعا - رجال الاجتماع الذين يهمهم درس النظم الاجتماعية والبحث في مصيرها بعد الحرب ، وفي الأسس التي ينتظر أن تقوم عليها النظم المستقبلة لتكون أدني إلي الاستقرار ، وأقرب إلي إسعاد البشر ، وأدعي إلي ضمان السلام

هذه الطرائف وأمثالها هي التي كنا نطمع أن نظفر باهتمامها بالآراء التي أبديت في المقالين المشار إليهما ؛ ولكنه قد تبين لنا أن هناك طائفة أخري تهتم بها ، طائفة لا نكتم القراء أننا لم نكن ننتظر منها هذه العناية بالمسائل العلمية وتتبعها والإقبال عليها إلي هذا الحد ، ألا وهي طبقة العمال . عرفنا ذلك من خطاب حمله إلينا البريد فقرأناه مغتبطين ، وآثرنا أن ننقله إلي القراء بنصه ليطلعوا عليه ويشاركونا . الغبطة بما حواه من آراء ، وبما ينم عنه من نهضة فكرية وعلمية واجتماعية بين الرجال الذين ينتظر ان تقوم الصناعة على أكتافهم . وإليكم نص الخطاب :

تحية مخلصة وتمنيات طيبة وبعد فإياكم إيا كم أن يشغلكم أمر ما، مهما جل ، عن الوفاء بما وعدتمونا في كلمتكم التي طالعتم بها جمهور قراء ) الثقافة ( الغراء بالعدد 285

سيدي الأستاذ : إن في طبقة العمال المصريين الآن آلافا يتقنون القراءة والكتابة والحساب ، فيمكنهم ان يسايروا الحركة الثقافية الآخذة في النمو ، لكن لا أظن أنكم ممن يرضيهم أن يترك الأمر لمحض الصدف وللرسميات " أقصد مكافحة الأمية " البطيئة

إن طوائف كثيرة من العمال قد انتظمتهم نقابات وجمعيات تعاونية ، وهناك منشآت ومصانع و . . و تضم جماهير من العمال ، فمن الميسور ان ينظم دعاة الإصلاح والأدباء والمهندسون محاضرات تبسط الآراء الاجتماعية والعلمية والفنية ، وترقي وعيهم تدريجيا علي ضوء التجارب

يا سيدي الأستاذ : إن الحضارة في أمريكا وإنجلترا وفرنسا وروسيا واليابان والصين وغيرها ، ذات ألوان يجب أن نعرفها جميعا .

وإن الأنباء كثيرا ما تفاجئنا بمستحدثات ومكتشفات ، فيجب أن نعرف ما يمكن أن نعرفه من العارفين بها قدر المستطاع

وإن مصر لمقبلة حتما على انقلاب في الأوضاع ، وعلي نهضة صناعية ، فيجب أن نمد أنفسنا لمواجهة هذه الحال . يعوزنا أن نعرف صلة العلوم الكيمائية بالتعدين ، والميكانيكا بالكهرباء ، وما كنه الضوء والصوت ؟ وما مدى التأثيرات المختلفة والتفاعلات النفسانية المتبابنة في تكوين شخصيات الأفراد والأمم ؟

ومن لهذا ؟ ومن لنا ؟ غيركم أنتم وأمثالكم من

قادة أو مشعلي الثورات الفكرية والاجتماعية يا أستاذ ؟ ! ادفعوا ، زجوا ، استحثوا ، اعملوا

إننا غرقي فانتشلونا ، وحياري فاهدونا ، وضالون فاهدونا . خذوا بيدنا ، احملوا المشعل أمامنا ، وإلا فثقوا أن في هذه الأمة من يعرف من هو الذي عمل وماذا كان يعمل ؟ وإن برامج التعليم التي تشغلكم لا تكفي في نظرنا . أن تكون العذر لكم

وتقبلوا كل احترامنا

) عن العمال الأحرار (

فمن منا لا يطرب لقراءة هذا الخطاب الذي يحمل في ثناياه البشير بأننا مقدمون على عهد جديد ، وأن نهضتنا نهضة قوية ، وأن نتائجها ستكون بحمد الله باعثة على الأمل ، ومحققة لما نبتغيه من إصلاح ، بشرط أن تجد هذه النهضة من يتعهدها بحكمة ، ومن يوجهها في الطريق المنتج ، ومن يتتبعها ويوالي توجيه الرأي العام وأولي الحل والعقد إلي واجباتهم نحوها .

وأول ما ينم عنه هذا الخطاب هو تأييد ما ذكرناه في المقال السابق ، من أن عدد القراء الذين يهتمون بالمسائل العلمية قد تضاعف حديثا ، وأنه كلما ازداد اهتمام رجال الصحافة بالمسائل العلمية ورجال العلم بتبسيطه اتسعت دائرة القراء وكثر عددهم وارتفع مستواهم ، مما يمكن رجال العلم ورجال الصحافة ان يزيدوا مقدار ما ينشرونه عليهم من المسائل العلمية ، ويتدرجون في التعمق في تلك المسائل . ومن يدري ؟ فلعل هذا يقربنا بتوالي الأيام وموالاة الجهود وبمضاعفة الاهتمام - يقربنا إلي حد ما من الحالة التي وصفناها في روسيا

وصاحب هذا الخطاب لا يكتفى فيما يتعلق بحق الجمهور

المصري على رجال العلم ، مما ذكرناه في مقالنا من وجوب متابعة الكتابة في المسائل العلمية في الصحف والمجلات ، والمضى في تنمية المكتبة العلمية بنشر الكتب المبسطة وإنما يقترح علاوة على هذا طريقة أخري من طرق نشر العلم ، وهي أن ينظم دعاة الإصلاح محاضرات تبسط الآراء الاجتماعية والعلمية والفنية .

ونحن ، ولاشك ، نقره على رأيه هذا ، ولكن نذهب إلى أبعد مما يرجوه ، فقد علمتنا التجارب أن سلاسل المحاضرات التى ينظمها هواة نشر العلم من رجاله على تلك الصورة لا يرجي لها الاستمرار ، كما أنه يصعب ترتيبها بحيث تصير سلسلة متصلة الحلقات يتلو بعضها بعضا بانتظام واطراد وتقدم فهي إذن في ذاتها مفيدة وضرورية . ولكنها ليست وسيلة عملية لتحقيق الغرض الذي يرمي إليه صاحب الخطاب .

أما كيفية تحقيق هذا الغرض ، فهي في رأينا أن يعهد بهذه المهمة إلى الهيئات التعليمية الفنية ، فهذه هي التي يجب أن يكون من صميم عملها ترتيب محاضرات متسلسلة ومتدرجة في الصعوبة ، ومتنوعة في الموضوعات النظرية والعملية . وتلقي تلك الدروس في المساء مرتين أو ثلاثا في الأسبوع على أولئك العمال النابهين ، الذين وهبهم الله الاستعداد العقلي لمتابعة الدراسة ، واستشعروا في أنفسهم رغبة ملحة وإقبالا عظيما على مثل تلك الدروس ؛ فهؤلاء يستفيدون منها أكبر فائدة ، وهي كفيلة بأن توصل القادر من مستمعيها إلي مستوي من العلم لا بأس به ، وقد تصل بالنابهين منهم إلى أرقي درجات السلم العلمي النظري أو العملي .

وهذا الرأي لا ندعي ابتكاره ، وإن كنا نؤمن به من زمن بعيد ، ولكن قد سبقنا إلي المناداة به أول مرة المستر مان الخبير الإنجليزي ، الذي استقدمته الحكومة المصرية في سنة 1929 مع الخبير الآخر السويسري لنسمع

آراءهما في حالة التعليم بمصر ومقترحاتهما على خير الطرق لإصلاحه والنهوض به . كما أن هذا النظام -إمداد دراسات فنية تكميلية للعمال من كل صنف- معمول به في جميع البلاد الأوربية ، وتقوم ، الحكومات والهيئات العلمية والشركات والمصانع ، وبعض النقابات حسب الظروف المحلية في مختلف الأحوال .

فالإجماع إذن معقود علي أن العامل يجب إلا يهمل ، بل يجب أن تتاح له الفرصة لإتمام تعليمه ، فالعلم لا نهاية له ، والرغبه في تلقيه لا حد لها . ومن أخص واجبات رجال العلم أن يتعهدوا كل راغب فيه ، وان يزودوه بالقسط المناسب والقدر اللازم ، لكل حسب حاجته واستعداده ونوع العمل الذي يزاوله .

ومن أحق بتلك العناية من العامل الموهوب ، الذي يقوم بصنع بعض الآلات أو بعض الأجزاء ، ويتشوق لمعرفة الإسس العلمية التي تنبني عليها العمليات التي يجريها ، ويندب حظه لأنه لم تتح له الفرصة في صغره قبل دخول معترك الحياة العملية لأن يتلقى شيئا من الأسس العلمية والقواعد النظرية ! هذا العامل إذا وجد فرصة لتلقي تلك الدروس التي تتوق إليها نفسه ، أقبل عليها والتهمها ، وحصل منها في الشهر الواحد ما يحصله الطالب العادي في سنة كاملة .

ولا يقتصر الأمر على استفادة العامل من الناحية الشخصية وسروره بإكتساب المعرفة ، وتلذذه من الاطلاع على الحقائق العلمية ؛ وإنما يؤثر هذا العلم الجديد في عمله وإنتاجه ، وذلك لأنه يصير أثناء العمل مفكرا لا مجرد آلة كما كان من قبل . ولانزاع في أن هذا يؤدي إلي ترقية صنعته ، كما أنه قد يؤدي إلي نقده لبعض الأساليب والطرق ، مما قد يصل به إلى اقتراح أو ابتكار يكون نتيجة مباشرة للتعليم الجديد الذي يحصله .

على أن الذي يعيد قراءة الخطاب الذي نشرناه يجد

فيه طموحا كبيرا ، انظر إلي قوله : " بعوزنا أن نعرف صلة العلوم الكيميائية بالتعدين والميكانيكا بالكهرباء ، وما كنه الضوء والصوت ، وما مدى التأثيرات المختلفة والتفاعلات النفسانية المتباينة في تكوين شخصيات الأفراد والأمم

فالعمال يطلبون دراسة حديثة منوعة ، يبتغون من ورائها الوصول إلى أصول العلم ، وإلى تفهم الحياة ، وإلي تفهم الإنسان ونفسه وكيفية تكوينه وخلق شخصيته ؛ وهذا لايتأتي إلا بدراسة فنية منظمة ، نقوم بها كما قدمنا المدارس الفنية ومختلف الهيئات الفنية التي تضم رجال العلم والصناعة ، تحت إشراف الحكومة

وبعد ، فإنا نرجو وزير المعارف ، الذي أفرد لتعليم الكبار جزءا من تقريره عن إصلاح التعليم في مصر ، أن يعير هذه المسألة اهتماما وعناية . ولئن كان قد اختار للأسباب التي ذكرها في تقريره أن يحيل أمر تعليم الكبار بصفة عامة على وزارة الشئون الاجتماعية ، فإن هذه الناحية من تعليم الكبار بصفة خاصة تحتاج بطبيعتها إلي أن تقوم بها وزارة المعارف نفسها ، فهي التي تملك المعامل وتشرف عليها ، وهي التي تعرف رجال العلم والفن ، وتستطيع اختيار الأفراد الصالحين لهذه المهمة الخطيرة التي نحن بصددها ، وهي التي تستطيع توجيههم ومعاونتهم في رسم الخطة وإحكام التنفيذ

وليس معني مناشدتنا لمعالي الوزير أن يهتم بهذه المسألة أننا نري إلقاء العبء كله على وزارة المعارف ، بل إن جميع الهيئات العلمية والنقابات وأصحاب المصانع والشركات ورجال الأعمال كل هؤلاء مطالبون بأن يؤدوا واجبهم من هذه الناحية ، نحو أولئك المتعطشين للعلم ، الذين يطلبون الهداية ويستحثون القادة على أن يحملوا المشعل أمامهم لينيروا الطريق لهم ، وأن بدلوهم على الطريق الذي يسلكونه ليحقق غايتهم : ألا وهي الوقوف على أسرار الكون ، واكتساب الخبرة والمران العلمي الذي يجعلهم صناعا مستنيرين يسايرون الحركة العلمية والصناعية الحديثة

اشترك في نشرتنا البريدية