الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 940الرجوع إلى "الرسالة"

حول رسالة الأزهر:

Share

كنت أطالع، ما كتبه الأستاذان - سيد قطب -  وشاهين - عن الأزهر وكأنه صرخة فزعة تنطلق من كياننا  الثقافي والروحي لإيقاظ الأزهر واشاعة الأضواء حول موقفه  الغامض ومستقبله المريب. ولكن كيف يتسنى للأزهر - ما دام  يحبس نفسه داخل جدران العصور الوسطى ولا يسمح لنور  العصر الحديث أن يملأ آفاقه - أن تكون له رسالة إنشائية إبداعية  في الميدان الديني وهو في عزلة عن تلك الدراسات التي تعوم حول  رسالة الدين الاجتماعية، والتي تبلورت في علم الاجتماع الديني وعلم  مقارنة الأديان. وقد أخذت دراسة الظواهر الدينية في عصرنا  تحتمل مكانا هاما جدا بين مجموعة العلوم الاجتماعية. ولا شك أن  الأزهر في أشد الحاجة إلى هذا النوع من البحوث، إذ ليس من  الممكن أن تزدهر الدراسات الإسلامية ودراسات التوحيد بصفة  خاصة دون هذا العلم. والأزهر يحرص على دراسة اللغة والأدب  وشيد لهذه الغاية كلية، فهل حرص الأزهر على كيانها فطعمها

بالدراسات الأدبية واللغوية التي تنهض بها الكليات التي تعنى  بدراسة اللغة والأدب. والتي تقع على بضع خطوات منها - هي  لا تعرف قيم لدراسة اللغة إلا للجانب الذي يتعلق بالإعراب؛  ولهذا كان - الأشموني وحاشية الصبان - يتمتعان بقسط وافر  من العناية والجهد. ولكن هل عرفت - الكلية - أن هناك  أبحاثا تدور حول اللغة ليست ناحية الإعراب أخصب منها ولا  أجدى؛ منها الجانب الاجتماعي والجانب المنطقي والجانب النفسي  والتطور اللغوي. الخ، فهل استحقت هذه الدراسات نظرة ولو  خاطفة من واضح المنهج لكلية تدرس اللغة؟ وتدرس الكلية  ما يقال له الدراسات الأدبية، فهل عرف الأزهر أن الدراسات  الأدبية تطورت عظيما وأن هناك ما يقال له - علم النفس  الأدبي - الذي أصبح ضرورة في فهم الأدباء وتأريخهم. فالدب  حينما يحس ويتأثر فيجد الحاجة إلى التعبير، والناقد أو القارئ  الأديب حينما يتفهم هذا التعبير والإحساس ويتذوقه ليقدره  لا يستطيع أحدهما أن يقيم عمله إلا على أساس ثابت من معرفة  النفس الإنسانية وحياتها الفنية، وذلك هو ميدان علم النفس  الأدبي - فيجب أن نقيم دراستنا الأدبية على الفهم النفسي  لكل نص أدبي، وإلا فإنا بدون هذا الفهم النفسي لن ندرك  الدب إدراكا حقيقيا ولن نتذوقه، وسيكون حكمنا عليه قاصرا  خاطئا. . .

وتدرس الكلية البلاغة في كتب أبعد ما تكون عن تكوين  الذوق البلاغي. فهل تعرف كيف تدرس البلاغة في الكليات  التي تدرس البلاغة؟ الدراسة المثمرة هي أن تسبق أولا بمقدمة  نفسية تنظيم دراسة القوى الإنسانية عامة وصلتها بالحياة الفنية  والنشاط الوجدان، ثم العناية بدري الوجدان وعلاقته بمظاهر  الشعور الأخرى في عمله الفني ودرس الخيال والذاكرة والإحساس  والذوق ومعرفة أمهات الخوالج النفسية من حب وبغض وحزن  وفرح وغضب وغيرة وانتقام وما إلى ذلك مما هو منبع المعاني  الأدبية الكبرى في الآداب الإنسانية على اختلافها. . . وعلى صاحب

الفن المنتج وناقدا أن يعرف آخر ما وصل إليه البحث النفسي.  وقد أصبح التقسيم للبلاغة إلى معاني. وبيان. وبديع.  غير ذات موضوع في البحث البلاغي. . وصارت البلاغة تدرس  على أنها وعدة متصلة تبدأ من البسيط إلى ما يليه. تبدأ من  الكلمة المفردة فالجملة والفقرة فالقطعة الأدبية وهكذا يقوم المنهج  الفني البلاغي على أصول وأسس نفسية قبل كل شيء -

أين الأزهر - يا صديقي - من هذه الأبحاث التي تملأ  شعاب المعاهد والكليات التي تشعر أن لها رسالة إنشائية  إبداعية. .

فهل تنفذ هذه الصيحات إلى حيث نأمل؟ هذا ما نرجو أن يكون.

اشترك في نشرتنا البريدية