الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 176 الرجوع إلى "الثقافة"

حول رسالة الغفران، ٣ - أبو العلاء ورسالة الغفران

Share

رسالة الغفران مجموعة من أصداء محنة أبى العلاء ، بحيث لا يمكن فهمها ما لم تنفذ إلي معنى تلك التجربة البشرية الأليمة التى عاشها أبو العلاء ، وأن تدرك نتائجها المطيرة فى إحساسه وتفكيره وفهم تلك التجربة على وجهها الصحيح هو أهم عمل للناقد ، وذلك لأن التفسير والبحث عن العوامل التى أثرت فى حياة الكاتب أو الشاعر لا يمكن أن ينتهى إلى شىء نهائى ، فقد يبصرنا العلماء ، فى حياة أبى العلاء من مؤثرات ، ومع ذلك يظل دائما شئ لا يمكن تفسيره هو أصالة الأديب التى تتلخص فى كيفية انفعاله بتلك المؤثرات وهذا هو السبب فى أن نرى ناقدا نافذ البصيرة كالدكتور طه حسين بك يعرض لما كان من تفاوت أثر المحنة عند أبى العلاء وبشار فلا يجد تعليلا غير ما يسميه غريزة أبى العلاء الوحشية ، ومن الواضح أن هذا التفسير لا يعنى شيئا لما فيه من دور ، إذ ما تريد أن تفهمه هو سبب تلك الوحشية التى تميز بها .

وإذا فمحاولة الفهم خير من محاولة التفسير ، وعلى أساس هذا الفهم يستقيم النقد أو يعوج ، والذى لا شك فيه أن الكثير من النقد الوصفى لم ينجح فى أداء رسالته لعجز أصحابه عن كل فهم صحيح لنفوس من ينقدون ، يله روح العصر أو الأدب الذى يعرضون له . فالمرء لا يستطيع أن يتذوق الأدب اليونانى مثلا ما لم يبدأ فيخلق لنفسه روحا يونانية قديمة بقراءة ما خلفوا من آثار أدبية وتاريخية ، حتى يتشبع بروحهم فتتداعى خواطره وإحساساته على نحو ما كانت تتداعى عندهم .

والأمر كذلك فى أدبنا العربى القديم . فالناقد ذو الخيال القادر على تصور حياة العرب والاحساس بها قدرة الممثل الجيد على أن يحيا الدور الذى يلعب ، يستطيع أن يدرك ما فى بكاء الديار عند هؤلاء القوم الرحل من جمال وصدق لا أعرف لهما مثيلا فى أدبنا ، ومع ذلك كم ترى من أحمق يسخر من هذا البكاء ، بل من ناقد لا يرى فيه إلا مجرد تمهيد لأغراض الشعر عند العرب ، وهذا نظر فقير لحقائق العربى النفسية ، أو قل من قصور عن فهم تجارب الغير .

والواقع أن النقد ليس بالمهمة الهينة ، ولا هو فى مقدور كل إنسان ، إذ لابد لمن يريد أن يحاوله أن يكون غنيا بتجارب الحياة غنى يذهب بما فى النفس من جمود ، بحيث تستطيع أن تخرج دائما من محيطها لتعيش بالخيال فى محيط جديد ، وهذا يحتاج إلى مرونة نفسية لا تكتسب إلا بأحد أمرين : إما بالتجارب المباشرة أو بالمران الطويل على فهم تجارب الغير ، كما يقصها الأدباء.

ولقد ضرب هؤلاء النقاد عندنا فى فهم روح أبى العلاء كل مضرب ، وفى الجزء الثالث من رسالة الغفران طبعة الأستاذ كامل

الكيلانى آراء عديدة لكثيرين من كبار مفكرينا وأدبائنا ، ولكنهم فى الغالب لم يخضعوا أنفسهم لمنطوق أدبه ، بل أتاه كل منهم بفكرة سابقة فى مسألة من المسائل التى يثيرها . وهذا موضع الداء عندنا ، وأكبر دليل على أننا لا نزال بعيدين عن النضج الأدبى المنشود ، ذلك الذى يخضع للفن وينتزع منه مدلوله بدلا من أن يملى عليه رأيا كونته لنا من قبل ثقافتنا الاسلامية ، أو مطالعاتنا فى كتب الأوربين

فبين يدى الآن رأى للأستاذ عبد الوهاب النجار يقرر فيه أن أبا العلاء " كان متين الدين قوى اليقين ، وأنه كان شديد الوطأة على منتحلى التقوى المتظاهرين بالدين والتصوف وأنه " لم يقصد بالدين هزؤا ولا سخرية ، وإنما هو شىء جر إليه الخيال الشعرى وأملاه حب الاغراب فى التصوير " ، ومن الواضح أن رحمة الله واسعة وأن أبا العلاء فى غير حاجة إلى هذا الدفاع قدر حاجتنا نحن إلى فهم محنة ذلك الرجل ومشاركته إياها لنثرى ونفيد ، وكذلك الأمر فى رأى ذلك المفكر الروحى الجاد العميق الأستاذ فريد وجدى ،

فهو يصدر فيه عن فكرة سابقة عن حقيقة الإيمان يحاول أن يطبقها على أبى العلاء دون أن يبصرنا عن كيفية استمرائه لها من أدبه ، فهى كالقالب يريد أن يصب فيه إيمان أبى العلاء أراد أبو العلاء أو لم يرد ، وذلك حيث يقول " إذا كان التدين هو الخضوع لصورة ذهنية لتحل صفات علوية منتزعة من الصفات البشرية والتأمل فى الرذائل خوفا من عقاب ، والتحلى بالفضائل طمعا فى ثواب ، والتقليد فى العبادات والمعاملات ، وإهمال أحكام العقل والنظر ، والجمود على حالة نفسية لا تتغير ، والاستعصاء على قاموس الترقى . قلنا إذا كان التدين هو نفس هذه الروح فان أبا العلاء لم يكن متدينا ، ولكن إذا كان الدين - على ما نفهمه اليوم من معنى الاسلام -هو محو كل صورة ذهنية ، وتعريض صفحتى العقل والقلب للوجود المطلق رجاء أن ترتسم عليها الحقيقة تحميها الشكوك من عبث الخيالات

والثورة على كل تقليد يناقضه بداهة العقل وعلى كل نظام لا يوافق سنن الطبيعة واستشعار الروعة من المجهول الضخم الذى يحيط بنا من كل مكان ، والترفع عن الدنايا لأنها لا تتفق مع كرامة الانسان ، وإحالة الحاجات البدنية إلى أدنى حدودها . قلنا إذا كان الدين هو هذا، فان أبا العلاء كان من أعمق الناس تدينا " وهذا كلام جميل ، ولكنه لا يتفق مع روح الاسلام ولا مع روح أى دين آخر ، لأن الدين حزم وشعائر وطقوس - كما هو حالة نفسية ومبادئ أخلاقية ، كما لا يتفق فى شئ مع نفسية أبى العلاء ، وإنما هو فهم خاص للأستاذ وجدى يريد أن يمليه على أبى العلاء .

والأمر أغرب فى الخصومة التى نشبت بين الدكتور طه حسين والأستاذ العقاد . والعقاد يبدأ فيؤكد - فيما يعلم - أن فكرة أبى العلاء فى هذه الرحلة إلى العالم الآخر لم يسبقه إليها أحد غير لوسيان فى محاوراته فى الأولمب والهاوية . وهذا قول عجيب يدخل فى سلسلة تأكيدات الأستاذ العقاد التى لا حصر لها فى كل ما كتب ، والتى كثيرا ما تدهشنا لجرأتها . ففكرة الرحلة إلى العالم الآخر

قديمة قدم الانسانية ، عرفها اليونان قبل لوسيان ، وعرفها العرب قبل أبى العلاء . والكل يعلم ما فى أساطير اليونان من وصف لنزول أورفيوس إلى العالم الآخر ليسترد منه زوجه أريديس . والكل يعلم وصف هوميروس لرحلة أوليس ، ووصف فرجيلوس شاعر الانيادة لرحلة أنيوس بذلك العالم ، كما نعلم جميعا أشعار المتصوفة فى أحلام يقظتهم ونومهم ، ومن تلك الرحلات الرائع الجميل ، كوصف الحارث بن أسد المحاسى فى " التوهم " الذى نشره المستشرق الدكتور آبرى وصدر له الأستاذ أحمد بك أمين .

وفى عصر مقارب لعصر أبى العلاء كتب ابن شهيد رسالة التوابع والزوابع المنشورة بكتاب ( الذخيرة فى محاسن أهل الجزيرة) ( ج ١ س ٢١٠ )، وهى شديدة الشبه برسالة الغفران . ومع ذلك يؤكد العقاد أن فكرة رسالة الغفران لم يسبق أبا العلا إليها غير لوسيان ( ٢ ). وهو يخلص من ذلك إلى الحكم على الرسالة بأنها نمط وحدها فى آدابنا العربية ، وأسلوب شائق ، وفن طريف ، وفكرة لبقة ، وفذلكة جامعة لأشتات من نكات النحو واللغة . وأما أن ينظر إليها كأنها نفحة من نفحات الوحى الشعرى على مثال ما نعرف من القصائد الكبرى التى يفتن فى تمثيلها الشعراء والقصص التى يخترعونها اختراعا أو ينظر إليها كأنها عمل من أعمال  توليد الصور وإلباس المعانى المجردة لباس المدركات المحسوسة ،

فليس ذلك حقا ، وهذا كلام غريب يستند إلى مسلمات لا نعلم من سلم بها ، وما نحسب أن الأرض قد أنجبت كتابا يخترعون القصص اختراعا ، كما لا نظن أن أبا العلاء لم يصور مواقف وأوضاعا حسية عديدة بالرسالة تحمل ما بنفسه من سخرية . ورد الدكتور طه يجادل العقاد فى قدرة الخيال أهى خائفة مقيدة ، وما كان أغنانا عن هذه الخصومة بأن نتناول النص نبين ما فيه وما ليس فيه دون الرجوع إلى (فلسفة علم النفس ) .

وكذلك الأمر فى مشكلتى ( تشاؤم أبى العلاء) و سخرية أبى العلاء ، .

ففى مطالعات ، الأستاذ العقاد عدة مقالات عن المعرى . ولكن موضع الداء هو دائما ما ذكرت من إقحام كتابنا لآراء كونوها من مطالعاتهم فى الكتب الأوربية على أدبنا إقحاما . بدلا من المصوغ لذلك الأدب والصبر على فهمه واستخلاص ما به . فى تواضع وإخلاص . فالعقاد يبدأ بتقرير تشاؤم أبى العلاء ( ص ٧٠ وما بعدها ) مع أن هذا التشاؤم هو ما نريد أن نعلم لونه ونتائجه ونحن بعد نعلم أن التشاؤم مصدره اتساع الشقة بين الأمل والواقع أو بين قدرتنا وبين ما نبغى . ولكننا نعلم أيضا أن نتائجه تتفاوت فى النفوس ، فهى عند رجل كأبى العلاء قد تبلغ حد اليأس ، واليأس قد يريح بعض النفوس ، كما قد يحطم اخرى ، واليأس قد يصرف إلى نوع من السخرية أشبه ما يكون بحساسية العقل . وهنا نفس الاتجاه الصحيح نحو فهم محنة أبى العلاء ككل ، وهو ما كنا نبغيه من نقادنا ، ولكنهم لم يفعلوا مكتفين بتعميمات لا غناء فيها .

وكذلك أمر السخرية ، فقد تحدث عنها العقاد . كما ذكر الدكتور طه بك أنه كان أول من لفت الأنظار إليها فى رسالة

الغفران ، ولكنا لا نخرج من حديثهما بفهم واضح لتلك السخرية أو تمييز لها عما يشابهها من اتجاهات النفس ، وعلة ذلك فيما أحسب هى فقرنا إلى المفارقات الدقيقة. ولنوضح قليلا ما قصد إليه فى التشاؤم وفى السخرية

فالتشاؤم قد يكون تشاؤما عقليا وليدا لنظرة فلسفية للوجود وما فيه من قوانين كتشاؤم شوبنهور وهذا لايعنينا لأننا لسنا من الطموح بحيث نمتد بضعفنا العقلى إلى الحكم بأنه خير العوالم الممكنة كما يقول ليثنر أو أسوأها كما يقول شوبنهور . ولنترك ذلك لفلاسفة يبنون العالم كما يريدون . وإنما يعنينا تشاؤم الأدباء وتلك صفتهم الغالبة حتى كتاب الكوميديا منهم ، وإن تفاوتت ألوان ذلك التشاؤم : فشعراء الرمانتيكية كلهم متشائمون لما فى حسهم من إرهاف بالغ فى الشعور يوقع محن الحياة وعجز الارادة البشرية عن كبح جماح الأمل . ولقد يولد أحدهم من أصل شريف ، ثم تأتى أحداث الحياة فتعطل من قواه وتذهب بأمنه . وما كان يبغى من مجد كما فعلت الثورة الفرنسية بثانوبريان فإذا به ، حزين ، يتاءب الحياة بدلا من أن يحياها، وهذا النوع من الاتجاه أقرب إلى الحزن منه إلى التشاؤم .

ومن الشعراء أمثال الشاعر الايطالى (جيرالدى) ، من تقعد به آفات الجسد عن المغامرة فى الحياة كما يريد فاذا به يصيح : " إنه ليس إلا جذعا نخرا يحس ويتألم . ومنهم أمثال أبى العلاء ممن نزلت بهم محنة لا فرار منها ، فأصابهم ما يشبه اليأس من الحياة فتبرموا بها فى ضرب من الاستهتار العقلى الذي يلهو بكل فكرة وكل عقيدة وكل عاطفة ، لأن اليأس لا يستطيع غير ذلك ومنهم من استهتر عملا فغامر والتمس اللذات فى غير حياء . ولا تعفف كبشار وكان هذا أيضا مظهرا ليأسه . والأمر بعد سيان . فاستهتار العقل واستهتار العمل مردهما واحد ونحن بعد لا ندرى إلى أى حد نسمى هذا تشاؤما وهو أقرب ما يكون إلى الثورة .

هناك إذا حزن وهناك ألم وهناك يأس ، وهناك ثورة ، ولكل هذه مظاهرها ، وهى تختلف عن التشاؤم الذى هو توقع دائم لأسوأ الفروض ، وتغليب لجانب الشر فى الأشياء والناس على جانب الخير منها ، وفى تفكير أبى العلاء شئ من هذا ولكنه ليس صفته الغالبة التى نراها فى يأسه العقلى الذى يرى إمكان كل رأى ولا يكاد يجزم فى شىء برأى وفى يأسه الناطق الذى لم يعرف بيننا غير اليقين بألمة لمحنته التى لا ذنب له فيها .

وللسخرية كذلك ألوان نفسية لا عداد لها ، فلا أقل من أن تميز بين ما تستطيع التمييز بينه منها ؛ فهناك " روح العبث ، المعروفة لانجليز بالهيومر Humour وهي غير التهكم Sarcasme  وغير السخرية بمعناها الدقيق Ironic وغير الضحك le comique                                فلكل منها مصدره النفسى ولكل منها دوره فى حياتنا الروحية.

وليمورج ويهامل فى كتابه ( دفاع عن الآداب) ، عدة أسطر عميقة يتحدث فيها عن " روح العبث ، ويميز بينها وبين ما ليس منها إذ يقول : " إن روح العبث تختلف عن روح الأضحاك . فالأضحاك يرمى إلى إثارة الضحك بأسلوب خاص ولغة خاصة ،بحيث

يصعب أن يستعمل فى التراجيديا مثلا ، وهو غير المرح الخالص الذى هو حالة نفسية عارضة يطول أو يقصر دوامها ، وليست لها قدرة على الكشف عن حقائق النفس . وعنده " أن روح العبث نوع من التعبير فى الضياء يمكننا من أن ترى الهىء فى كافة مظاهره ، ولقد يكون بين بعض تلك المظاهر تنافس بفضله تكتسب تلك المظاهر دلالتها ؛ وفى روح العبث نوع من الخطر والتحفظ وتملك النفس لا يعرفه الغزل الصريح " ثم إن روح العبث استعداد طبيعى فى نفس صادقة لا تصدق من أن تعرف كل ما ترى وأن تقول كل ما تعرف ، أى أنه - على حد قول ويهامل- حيلة نفسية تتخذها للعبارة عن كل ما تريد أن تعبر عنه فى خطر وتحفظ ، وذلك صفة من صفات أبى العلاء البارزة .

وأما السخرية والتهكم فالفرق بينهما مردة إلى طبائع النفوس ، فمن الناس من يسخر من آلامه ليهون حملها عليه ، فهى حالة نفسية عادة أميل إلى الطبع الفلسفى منها إلى طبع الشعراء ، وأما التهكم فيصدر عن النفوس الضعيفة التى لا ترحم حمق الغير أو جهله فتتهكم منه ، فالسخرية أغلب ما تكون من النفس وإليها وإن امتدت إلى الغير ففى رفق ، بينما التهكم سلاح قوى ضد الآخرين .

وكل هذه طرق مختلفة  للعبارة عن مكنون نفوسنا ، الذى لا نريد العبارة منه عبارة مباشرة . فمن الكتاب أمثال موليير من يضحك من الناس ليقوم من إعوجاجهم ، ومنهم أمثال شارل شابلن ممن يضحكنا ليثير شجوننا ورفقنا بضعفاء الناس ، ثم ثورتنا على الظالمين منهم ، وهناك من أمثال فيجارو الذى يضحك انتقاما لنفسه وخوفا من أن يبكى من محنه ، ومنهم من ضحكه نقد اجتماعى مر لظواهر لا يعرف لها علاجا ومن هذا النوع ضحك ربليه Rablais

ومن الواضح أن ما نسمية سخرية أبى العلاء ليست شيئا من كل هذا ، وإنما هو عبث Humour - عبث يأس ، عبث رجل استوى عنده كل شئ لأنه لا يؤمن بغير ألمه ، بل ولا يستطيع بطبعه أن يعبر عن هذا الألم إلا فى خطر وحياء

وهكذا يتضح أمامنا الآن بعض الوضوح ، أن ما فى نفسية أبى العلاء مما يسميه نقادنا تشاؤما وسخرية ونسميه ثورة وعبثا مردهما إلى ما ابتلى به من محنه نزلت فلاقت مزاجا خاصا أنتج ما بين أدينا من أدبه ، ولنصور تلك النفسية كما نفهمها :

يخيل إلى أن مفتاح فهمنا لنفسية أبى العلاء ليس فى شعره ولا فى " الفصول والغايات ، وإنما هو فى رسالة لداعى الدعاة حيث يناقش مشكلة الخير والشر ، وإرادة الله لهذا الشر أو عدم إرادته ، ومن الواضح أنه لم يحرك هذه المشكلة فى نفسه غير محنة عماه . ولقد عنت مشكلة الشر ومصدره ، وإمكان الأفلات منه أو عدم الامكان أبا العلاء طول حياته . ولقد انتهى به الأمر إلى اليأس من الفهم ولهذا غلب عليه التفكير الأخلاقى أكثر من  التفكير العقلى  . ولقد انتهى إلى الشك فى كل شئ والاعتقاد بامكان كل شئ عقليا ليأسه من كل شىء وثقته من عدم إمكان أى شئ عمليا ، والفرق هنا بينه وبين ديكارت الذى نقارنه به لنستعين على فهم نفسيته أن شك ديكارت لم يصدر عن علاجه لمشكلة الخير والشر ، بل عن فطنته لخداع حواسنا التى هى أبواب معارفنا

ثم ديكارت انتهى به الأمر على خلاف أبى العلاء إلى اليقين . وذلك لأنه استطاع أن يتغلب على ما واجهه من إشكال ؛ إذ فطن إلى أنه إذا كانت معارفنا تأتينا كلها عن طريق حواسنا الخداعة فهناك علمنا الذى يتلقى تلك المعارف والذى هو سابق لها ، ومن ثم قال كلمته الشهيرة أنا أفكر فإذا أنا موجود ، وكان لايمانة بهذه العقيدة - عقيدة تفكيره - فضل الاهتداء إلى اليقين إذ اتخذها أساسا لكل فلسفته . وأما أبو العلاء فلم يستطع أن يدرك لمحنته حكمة . لم لم يخلق أو يترك بصيرا كغيره ؟ ثم من أراد به هذا الضر ؟ أهو الله الذى هو سبحانه خير مطلق ؟ ثم أما لهذه المحنة من نهاية ؟

عللانى فان بيض الأمانى         فنيت والظلام ليس بفانى فأى غرابة أن ساور أبا العلاء الشكوك فى كل شئ ، حتى فى الله والأديان ، بل وفى ذلك الطفل نفسه الذى عجز عن أن يحل  مشكلة العمر فيحمل إلى نفسه الرضى بما قسم له ، وعنده أن العقل أداة هدم لا يقين

إذا رجع اللبيب إلى حجاه        تهاون بالمذاهب وازدراها

فخذ منها بما أداه لب             ولا يغمسك جهل فى صراها

وهت أديانهم من كل وجه         فهل عقل يشد به عراها

ثم قوله :

اثنان أهل الأرض ذو عقل بلا     دين وآخر دين لا عقل له

وإذا كان أبو العلاء قد ركن إلى يقين فى حياته ، فهو لا ريب لم يكن يقين عقل بل يقين حس .

وقال أناس ما لأمر حقيقة           فهل أثبتوا أن لا شقاء ولا نعمى

وشكك فى الايجاب والنفى معشر   حيارى جرت خيل الضلال بهم سعما

فنحن وهم فى عزهم وتشاعر       ويعلم رب الناس أكذبنا زعما

إيمانه إذا إيمان بالشقاء والنعمى شقاؤه هو ونعمى الغير ، وذلك لاريب إيمان سلبى خليق بأن يحطم النفس لا أن يقودها إلى اليقين ، ومتى ولد الألم الإيمان ؟ والألم سخط وحيرة وتضليل وضجر ، بينما الايمان اطمئنان وسكون ورضى وأمان ، حتى لتكاد تحس بين الأمرين تناقضا تاما

وهكذا شك ديكارت خداع حواسه ، فخرج من الشك بإيمانه بوجود العقل وجودا سابقا علي معطيات الحواس ، وشقى أبو العلاء بمحنته ، وحاول فهم سرها فلم يهتد إلى شئ ، ولهذا لم يؤمن بغير الألم ، والألم لا يقود إلى يقين .

ولما كانت الحياة لا تحتمل الشك ولا تنظر اليقين فقد اتخذ ديكارت لنفسه قواعد أخلاقية سماها مؤقتة ، وأما أبو العلاء وقد يئس من كل يقين ، فقد اتخذ له فى الحياة سبيلا نهائيا باعتزال الحياة والناس رهينا لمحبسيه أو لمحابسه الثلاثة

وبذلك أسدل ستار على أبى العلاء فى حياته العملية . ولكن بقيت حياته الروحية تعمل ما لم يستطع تحقيقه فعلا من معالجة الحياة والضرب فيها ، واتخذ نشاطه العقلى ذلك اللون من العبث الذى جاءت رسالة الغفران أحد مظاهره ، كما سنرى فى المقال التالى .

اشترك في نشرتنا البريدية