الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 171الرجوع إلى "الثقافة"

حول رسالة الغفران :، ١- مناهج النقد

Share

" إن قيمة الانسان ليست فى الحقيقة التى يمتلكها أو يعتقد أنه يمتلكها ، وإنما هى فى الجهد الصادق الذى يبذل للوصول إليها . فالبحث عن الحقيقة لا تملكها هو الذي ينمى الملكات ويبلغ النفس مرتبة الكمال . ولو ان الله قبض على الحقيقة كاملة بيمينه وعلى النزوع الأيدى إليها بيساره نزوعا قضت إرادته ان يلازمه الخطأ الدائم ، وقال لي اختر لنفسك ما تريد ، لاخترت بقلب خاشع اليد اليسري قائلا : رباء : أعطنى هذه فالحقيقة الخالصة ليست لسواك " .

بهذا يتحدث ( لسنج) ونحن بعد لا نعرف متعة أنبل من التماس الحق ، ورواده أشبه ما يكونون بالشعراء أو الصائدين ، أولئك يستقصون الصور وهؤلاء يطاردون القنص ، وفى جهدهم من اللذة ما تنحط دونه كل النتائج .

والبحث عن الحقائق فى الانسانيات شاق ، لما هو واضح من أن مثل المرء عندما يحاول فهم نفسه كمثل العين تبغى رؤية نفسها رؤية مباشرة ، او تمثل " من يقف فى النافذة ليرى نفسه مارا بالطريق ، على حد تعبير أوجست كونت ؛ وفى هذا ما يشبه الاستحالة المطلقة إلا أن نستعين بمرآة أو ان نسجل حركاتنا بالصور فيأتى فهمنا غير أصيل . والنفوس بعد وحدات قل أن تتشابه فى غير جوانبها العامة التى لا تعنى الأدب فى شئ ، ومثلها فى ذلك مثل كل الكائنات ؛ فإنا أعرف شجرة الزيتون أوشجرة الرمان ،

وأما مطلق شجرة فهذا مالا أكاد أدركه ؛ وبالمثل أعرف شكسبير أو جيته ، وأما مطلق رجل فذلك مالا وجود له لا فى الواقع ولا فى ذهنى ، بحيث يخيل إلى أن فى تفكيرنا

فسادا أصيلا مصدره ذلك التجريد الذى مكنتنا منه ألفاظ اللغات فكان شرا مستطيرا .

ولهذا أرانى دائما شديد الحذر من كل تعميم ؛ فقد أستطيع أن أطمئن إلى تصوير أديب ما لنفسية ما فى رواية أو مسرحية ، ولكنى أرفض ان أثنى بما يقوله الفلاسفة أو علماء النفس عن الانسان إطلاقة او ملكا من ملكاته ، لأنى أحس وإنما أن حديثهم لا يلاقى حقيقة أى نفس ممن أرى حولى ؛ وأنا اعلم تمام العلم ما فى هذا الاتجاه من خطر

قد يؤدى إلا شك مدمر بل قد يشل التفكير ; ولكنى غير آسف على شئ ، لأنى لا أومن بالتفكير إلا كخادم لملكات النفس الخالفة . ولعل علماء المادة أنفسهم يقروننى على أن ما نسميه الخيال هو فى الواقع مصدر كل خلق ، فهم لا يكتشفون الحقائق بتفكيرهم . ومن الثابت أن كل قانون من قوانين المادة لا يهدى إليه غير " الفرض " والخيال هو الذى يتصور ذلك " الفرض " ثم يأتى العقل فيطبقه على الظواهر التى يراد تفسيرها للتأكد من صحته ، فالأمر إذا أمر خيال وإن شئت فقل أمر إلهام .

وإذا صح أن النفوس وحدات غير متشابهة فى خصائصها المميزة ، وأن التجريد حيلة عقلية عقيمة ، وان التفكير قوة خادمة ، وضح ما فى البحث عن حقيقة الأدب وقيمه الفنية من صعوبات لا تزال إلى اليوم نتخبط فى علاجها . ونحن نعلم اننا مهما اجهدنا انفسنا لن نرضى كل الأدباء ولكنا رغم ذلك سنحاول قبل دراسة " رسالة الغفران " أن نعالج القول فى مناهج النقد ، لعلنا نهتدى إلى ما نعتقده المنهج الصحيح فى دراسة الأدب ، ولعل تطبيقه على رسالة الغفران يثبت صحته .

وللمنهج أهمية كبيرة ، لأن آفة التفكير عندنا وآفة الأدب هو خبطه على غير بينة .

النقد الذاتى والنقد الموضوعى :

يقرأ الناقد القصيدة من الشعر ثم يتساءل عن رأيه

فيها ، وإذا به يصدر ألوانا من الأحكام يسمون بعضها (قيمية) وهى ما تدور حول الجودة وعدمها فى سلم للقيم يضمه كل ناقد لنفسه ، وبعضها " واقعية " يستمدها من حقيقة ما ينقد ، كوصفه للقصيدة بأنها شعر عقلى او عاطفى أو حسى ، وأحكامه فى كلتا الحالتين إما أن تكون مطلقة وإما ان تكون نسبية ، أي مردودة إلى ملابسات القصيدة ، من حالة نفسية لقائلها او ظروف خاصة بعصره او ضرورة الموضوع الشعر ، او ما شاكل ذلك مما ينقل الحكم من الإطلاق إلى النسبية .

فإذا كان رأيك عن قيمة القصيدة وكانت أحكامك مطلقة جاء نقدك - فيما يقولون - نقدا ذاتيا ، وإلا فهو موضوعى .

وهذا قول يبدو سليم المنطق ، ولكنك ما تكاد تمعن النظر حتى تحس بوهنه ؛ وذلك لأن كل حكم قيمى لابد راجع إلى حكم واقعى ، فالناقد الذى يحتمى وراء ما يسميه ذوقه الخاص إنما يحيلك فى حقيقة الأمر على مجموعة من الآراء السابقة المقررة التى تبلورت فى نفسه بوعى منه أو على غير وعى ، بحيث نستطيع ان نقول إن الذوق ما هو إلا راسب من رواسب العقل الخفية .

يقسم ابن قتيبة الشعر - مثلا - إلى أربعة أضرب : ضرب حسن لفظه وجاد معناه ، وضرب حسن لفظه وحلا فإذا أنت فتشته لم يجد هناك فائدة فى المعنى ، وضرب جاد ومعناه وقصرت ألفاظه عنه ، وضرب تأخر معناه وتأخر لفظه ، وفى تلك التقاسيم والآلفاظ ما يدل على أن أحكامه قيمية ،

بدليل قوله " حسن " و جار " و " حلا " و قصر " و " تأخر " وهى أحكام مطلقة إذ لم يعلقها على توافق بين لفظ ومعنى أو بين قائل ومقول أو بين الشاعر وعصره ؛ فهو إذا فاقد ذاتى .

ومع ذلك ما تكاد تمعن البصر حتى ترى أن أحكامه القيمية هذه تستند إلى حكمين تقريرين سابقين هما اللذان أملياها :

١ - أولهما أن اللفظ فى خدمة المعنى ، وأن المعنى الواحد يمكن أن يعبر عنه بألفاظ مختلفة يحلو بعضها ويقصر الآخر .

٢ - وثانيهما انه لابد لكل بيت من الشعر من معنى . ولنناقش هذين الرأيين :

فأما أن اللفظ فى خدمة المعنى او للعبارة عنه فنظر جزئى هو الذى اتلف ذوق ابن قتيبة على غير وعى منه ، بل هو إحدى تلك المسلمات التى أفسدت الكثير من أدبنا العربى ومن نقد نقادنا ، وذلك لوجوب التمييز بين نوعين

من الأساليب :  ( ١ ) الأسلوب العقلى الذى نستخدمه فى العلم والتاريخ والفلسفة وأدب الفكرة إن صح ان يسمى ذلك أدبا ، وعلى هذا الأسلوب تصدق وجهة نظر إبن قتيبة ، إذ اللفظ عندئذ لا يقصد منه إلى غير العبارة عن المعنى ؛ بل نحن نذهب إلى أبعد مما ذهب إليه العرب ، فنقول إن المعنى الواحد لا يمكن أن يعبر عنه إلا بلفظ واحد ، فاللغات لا تعرف ولا يجب أن تعرف -

الترادف ، وأمر الألفاظ كأمر الجمل ، فالكاتب الحق هو الذى لا يطمئن حتى يقع على الجملة الدقيقة التى تحمل ما فى نفسه حملا أمينا كاملا ، بحيث تصبح عبارته كجسم حى لا يمكن أن ينتقص منه أو يزداد عليه شئ والتحدث عندئذ من العلاقة بين اللفظ والمعنى كالتحدث عن شفرتى مقص ، والتساؤل عن جودة احدهما كالتساؤل عن أى الشفرتين أقطع ، وإنما لك أن تحكم على المعنى المعبر عنه فتقبله كرأى مصيب أو ترفضه كرأى باطل .

( ٢ ) الأسلوب الفنى : وهذا هو أسلوب الأدب الجيد بمعناه الضيق كما يفهمه الأوربيون ؛ بل هو الأدب ذاته إذا سلمنا كما سنرى أن الأدب " هو العبارة الفنية عن موقف إنسانى عبارة موحية " . واللفظ عندئذ لا يستخدم للعبارة من المعنى ، بل يقصد لذاته ، إذ هو فى نفسه خلق فنى ، فمن اليسير مثلا أن نقول : " إن وقت الظهيرة قد حان " فنؤدى المعنى الذى نريد ان ننقله إلى السامع ، ومع ذلك

يقول الأعنى : " وقد اتعلت المعلى ظلالها " للعبارة عن نفس المعنى ، فنحس لساعتنا أن عبارته عبارة فنية قصد منها إلى خلق صورة رائمة لا إلى اداء فكرة ؛ وكذلك نستطيع أن نقول : ( وسارت الابل في الصحراء ، عائدة من الحج كما يقول ابن قتيبة وكما يريد أن يفهم من قول الشاعر : " وسالت بأعناق المطى الاباطح " .

ولكن عبارة الشاعر عبارة فنية قصد منها إلى نشر ذلك النظر الجليل أمام ابصارنا ، منظر الابل قافلة من مكة متراصة متتابعة فى مفاوز الصحراء ، وكأن أعناقها أمواج سيل يتدفق . وكذلك يستطيع مؤرخ أن يقول إن العرب انهكوا الفرس . وأما الأعشى  فيقول إنهم تركوهم  (وقد حسوا من انفاسهم جرعا) . ولقد نصف الصحراء بأنها جرداء على عابريها ، وأما الشاعر فيقول :

" وغيراء بقتات الأحاديث ركبها " . وفى هذه الأمثلة الأربعة أربعة أفعال " انتقل " و " سال " و " حسا " و " اقتات " هى أمارة الفن فى العبارة ، ولها وظيفتان أولاهما أنها تعبر عن المعنى عبارة حسية ، لأن كلا منها محمل سورة تدركها الحواس ؛ فالإبل تشتمل الظل ، وأعناق المطى تسيل فى الصحراء ، والفرس

يجرعون أنفاسهم ، والركب يقتات الأحاديث ؛ وهذه خاصية من أهم خصائص الأسلوب الفنى ، وأعنى بها أن " تصاغ العبارة من معطيات الحواس " . وذلك على خلاف الأسلوب العقلى حيث تكثر المعانى المجردة والألفاظ المجردة التى إن حملت صورة فصورة هامدة كتلك التى نجدها فى معظم تلك الألفاظ التى أصبحت مجازات ميتة " أمثال " الرفعة " و " الانحطاط " التى لم يعد أحد يفكر فيما اشتقت منه من " رفع " و حط " .

ووظيفتها الآخرى انها تربط بين عوالم الحس المختلفة ، فتحررنا مما اضطرنا إليه ضعف عقلنا عن إدراك النفس ككل من تقاسيم مفتعلة ؛ وذلك لأنه ليس من

الصحيح ان كل حاسة من حواسنا قد ذهبت بطائفة من المدركات ، ولا أدل على ذلك من أننا نستطيع أن ندرك الفجر ، بل وإن نحس بنداء فى نفوسنا عن طرق شتى من حواسنا : عن طريق الأذن عندما نسمع لحنا موحيا ، وعن طريق البصر إذا ما رأينا أول أشعته رؤية مباشرة

أو في لوحة فنان ، بل إن من النحاتين من استطاع ان يحمل الحجر وقته فى النفس ، بأن مثل فتاة تخلع عنها غلائل النوم ، وإلى ساقها طائر يبسط جناحه البليلين . والشعراء بدورهم يصلون إلى ما يصل إليه كل هؤلاء ، عند ما يحدثنا أحدهم عن بزوغه وقد لاحت بالآفاق ( أصابعه الوردية ) بما فيها من رقة وصفاء .

وإذا صح أن معطيات الحواس تتلاقى فى النفس التى تكون كلا لا يعرف تقاسيم العقل ، استعملنا أن نفهم معنى الخلق الفن عند الشعراء ، إذ كثيرا ما يكون بفضل إمكان تبادل الحواس صورها إمكانا نفسيا لا شك فيه . فهذا شاعر انجليزى يطيل التحديق فى ضوء الصباح فيقول : " إنه أخذ ينظر إلى الصمت فى جوف الضياء وذلك آخر فرنسى يتحدث عن " أزهار الربيع التى ترسل عطرها إلى السماء كما يرتفع البخور إلى قباب الكنائس ، فترى الأول وقد تمثل الصمت شبحا

يرى ، بينما بعثت قشوة الربيع بالآخر ما يشبه إيمان اليافع فى قوته ، فرأى الطبيعة معبدا محوطه آفاق السماء وكأن عطر الزهر بخور ، ومن الشعراء من يذكر( شربه ) ( للون )، الشمس السائل ، ومنهم من ( يرى ) ضوء أمسية الخريف فى نعومة اللؤلؤ .

بل إن منهم من تتلاقى فى عبارته وحدة النفس بوحدة الوجود على حد قول بوليير : " إن الأشياء تفكر خلاله كما يفكر خلالها " ، وذلك عندما تأخذه نشوة الأحلام ، فاذا بذاتيته قد امحت لتختلط ما يحوطه من جلال الطبيعة ؛ ولكم من مرة نستمع إلى " همس "

الرياح فنفهم أنفسنا بصور الأشياء كما تخلع على الطبيعة معانى الانسان ، ولكن تهزنا كلمة ( كينس ): " عندما يأتى إلى جوارى عصفور ينقر الحصى يخيل إلى أنى أنقر معه وأنى أشاطره حياته "

وفي هاتين الوظيفتين ما يساعد على إيضاح تعريفنا للأدب بمعناه الصحيح " إنه العبارة الفنية عن موقف  إنسانى عبارة موحية ، إذ من البين أن كل أدب هو قبل كل شئ صياغة لموقف إنسانى ، وأن بين الأمرين رابطة وثيقة ، إذ فى تلك الصياغة يتركز موقف الكاتب مما أمامه من عالم النفس أو عالم الطبيعة ، وفى الصيغة التى يختار ينساب ذلك العنصر الشخصى الذى يميز الأدب عن التفكير المجرد ، فلا يضيف إلى موضوع مشاهدة عنصرا من نفسه أو يتلقى منه عنصرا ، ومن نماذج العنصرين تخرج الصور التى تحقق وحدته النفسية او تصل بينه وبين العالم الخارجى .

ولتلك الصور قدرة على الإيحاء لا يمكن ان يصل إليها أى تعبير مجرد ، وذلك لأنه من الثابت ان العبارة الحسية أغنى بقوة رمزها ، وما يرقد تحتها من احتمالات أو ما تستدعى من إحساسات وخواطر من العبارة المجردة التى لا تملك عادة غير محمولها المحدد .

وهذا هو الأدب ، إذ فيه عناصره الثلاثة : ١- عبارة فنية ٢ - موقف إنسانى ٣ - قوة إيحاء . وقد اتحدت تلك العناصر فى وحدة متينة هى وحدة الفن ؛

وأمر الصياغة فى الأدب الفنى ليس امرا شكليا كما ظن معظم نقاد العرب ، فهو ليس أمر مجازات او تشبيهات تتعلق بظواهر الأشياء ، أو تستخدم لإيضاح المعنى أو تقويته ، بل أمر الخلق الفنى فى صميم حقيقته النفسية

كما وضحنا . فالشاعر الذى يشرب لون الشمس أو يحس فى نعومة اللؤلؤ ، لا يقصد إلى تجميل معنى أو تنسيق عبارة ، وإنما يخلق قيمة فنية لها أصولها فى نفسه ، ومن هنا تمايز الكتاب بطرق صياغتهم ، وأدق ما يكون ذلك

التمايز فى موسيقى كل منهم . والذى لاشك فيه أن لكل نفس موسيقاها الداخلية ، وأن الأسلوب هو مرآة تلك الموسيقى ، وأن الكاتب الأصيل العميق هو من تحس بموسيقاه سبقاه دون أن تستطيع إدراكها .

والأمر بعد كثيرا ما يعدو الكتاب إلى الشعوب فى حدود ما يتشابه فيه أفراد الشعب الواحد ، وذلك بنوع خاص فى الحكم والأمثال الشعبية ولهذا ترى  العربى يحدثك عن " إهداء الخمر إلى هجر والانجليزي عن " حمل الفحم إلى نيو كاسل " ، والمصرى الشعبى عن بيع الميه في عارة السقابين " وذلك عبارات فنية مختلفة لأداء معنى واحد هو " إعطاء الشئ لمن لا حاجة له به " .

إلى شئ من كل هذه الحقائق لم يفطن ابن قتيبة ، فجاء بنقد الشعر فى ألفاظه ومعانيه مما يحسبه البعض ذوقا خاصا ، وهو فى حقيقته رأى سابق مقرر عن خدمة اللفظ للمعنى وإمكان العبارة عن المعنى الواحد بألفاظ مختلفة يحلو بعضها ويقصر البعض كما يقول دون فهم منه ولا تفصيل لأنواع الأساليب وطرق العبارة ، مما أفسد الكثير من أحكامه .

مشكلة المعنى :

وكما يرجع ذوق ابن قتيبة إلى رأى فى العلاقة بين اللفظ والمعنى ، كذلك يستند إلى إحدى المسلمات الأخرى ، وهى ضرورة حمل البيت لمعنى من المعانى . وبمراجعية الأمثلة التى أوردها يخيل إلى انه يقصد بالمعنى أحد أمرين : ١ - فكرة . ٢ - معني أخلاقيا . فأما الفكرة فبدليل أنه ينتقد الآبيات الآتية لخلوها فيما يقول من كل معنى مفيد :

ولما قضينا من منى كل حاجة  

                ومسح بالأركان من هو ماسح

وشدت على حدب المهارى رحالنا  

               ولا ينظر الغادى الذى هو رائح

أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا

                           وسالت بأعناق المطى الأباطح

إذ من الواضح أن هذه الأبيات الجميلة التى نثرها ابن قتيبة بقوله : " ولما قطعنا أيام منى واستلمنا الأركان وعالينا إبلنا الانضاء ، ومضى الناس لا ينتظر الغادى الرائح ، ابتدأنا فى الحديث ، وسارت العلى فى الأبطح "

لا تحمل أى فكرة ، وإنما هى قصص فنى رائع ، سبقنا الجرجانى فى " دلائل الإعجاز إلى إظهار ما بها من صور أخاذة ، وخصوصا فى الشطر الأخير " وسالت بأعناق المطى الأباطح " .

وتستطيع ان نضيف إلى ذلك أن الآداب الأوربية الحديثة قد شهدت مذهبا قويا فى أواخر القرن التاسع عشر ، مذهب امثال  Heredia هرديا و Goutier جوتبيه ممن يقولون بالفن للفن ويجعلون من أسس مذهبهم نظرتهم إلى اللغة نظرة المثالين إلى مقاطع الرخام ، أولئك ينتزعون من اللغة صورا وهؤلاء تماثيل ، ومع ذلك لم يجرؤ أحد أن يقدح فى أدبهم او يخرجه من فنون الشعر لخلوه من المعانى ، وقد رأينا أى دور تلعبه الصور

فى حياتنا النفسية التى تغذيها كافة الفنون ، كما رأينا فى الأمثلة التى سقتاها من الأعشى وغيره تفاهة ما بها من معنى تفاهة لم تتل مما بها من قيم فنية ، ولم لا ؟ ألم يقل رجال الفن غير مرة : إن الفن أن تخلق شيئا من لاشئ . وأما تطلبه لمعنى أخلاقى فواضح من إعجابه بأمثال قول القائل :

والنفس راغبة إذا رغبتها  

                    وإذا ترد إلى قليل تقنع

وهذه النظرة - نظرة الفقيه ابن قتيبة - بدورها نظرة ضيقة ، إذ من الواضح ان مادة الشعر ليست المعانى الأخلاقية ، كما انها ليست الأفكار ، وأن من أجوده ما يمكن ان يكون مجرد تصور فنى ، كما أن منه ما لا يعدو

مجرد الرمز لحالة نفسية رمزا بالغ الأثر قوى الايحاء ، لأنه عميق الصدق على سذاجته ؛ ولعلنى لا أعرف لذلك مثلا خيرا من قول شاعرنا العربى الدقيق الحس ذى الرمة ، وقد حط رحاله بمنزل الحبيبة وتفقدها فلم يجدها :

عشية مالى حيلة غير أننى  

                        بلقط الحصى والخط فى الترب مولع

أخط وأمحو الخط ثم أعيده    

                      يكفى والغربان فى الدار وقع

فأي معنى يريد ابن قتيبة من هذه الصور الجميلة الصادقة ، صورة شاعر أصابه الحزن بالذهول ، فجلس إلى الأرض منهكا يائسا يخط ويمحو الخط بأصابع شرد عنها اللب ، فأخذت تعبث بالرمال ، وفى الغربان الواقعة بالدار ما يملأ الجو أسى ولوعة ، وهل أصدق من هذا وصفا ؟ وهل أقوى منه على إيحاء ؟ ثم من يدرينا ؟ لعل جماله فى خلوه من كل فكرة ، ولعل صدقه فى تناهى بساطته .

وهكذا يظهر لنا ما فى نظرة ابن قتيبة من ضيق عند ما يتطلب معنى فى كل بيت من الشعر ، كما ظهر لنا فساد رأيه فى العلاقة بين اللفظ والمعنى ، وفى هذا تفسير اضعف ما يسمونه ذوق هذا الناقد .

والأمر عند ابن قتيبة كالأمر عند غيره ممن نسمى منهجهم بالنهج الذاتى ، فأحكامهم القيمية تستند دائما إلي أحكام واقعية ، بحيث نستطيع أن نخلص من هذا المقال بالنتيجة التى سبق ان عبرنا عنها بأن الذوق ليس فى الحقيقة إلا راسبا من رواسب العقل الخفية ، وأن كل نقد ذاتى هو فى حقيقته نقد تقريرى .

وليكن موضوع المقال الآتى إذا النقد التقريرى والنقد التاريخى .

اشترك في نشرتنا البريدية