الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 569 الرجوع إلى "الرسالة"

حول شعر الشباب

Share

قرأت مقال الأستاذ محمد محمود رضوان في العدد الأخير من  الرسالة الغراء؛ وقد تصدى فيه لاحتمال ما تركه الأستاذ الكبير    (ا. ع)  من سوق الأمثال لمواضع النقص في شعر الشباب.  وعجيب من الأستاذ رضوان أن يتنصل من طابع الشباب مبكراً،  ويحاول أن يقود الحملة على شعر إخوانه الشبان! على أن العجب  قد يقل أو يضمحل إذا علمنا أن الأستاذ قد خلص من متاعب  العام الدراسي، واستقبل فترة الراحة والاستجمام، فهو يأبى  أن يدع الطير في أوكارها، ويرمي بسهامه هدفين من زملائه،  ويمعن في البأس والتحدي فيرمي غرض ثالث بعيد!

لقد أخذ على الأستاذ طاهر أبي فاشا ميله إلى شكوى  الزمان، ورأى في ذلك اللون من الشعر تناقضاً مع ما يعرفه  عن   (طاهر)  من الدعابة. . . وفاته أن الشاعر يعلم من أسرار  نفسه أكثر مما يعرفه خلطاؤه! فقد يهزأ بالحياة ظاهراً،  ويخوض عبابها مع الخائضين، حتى إذا بلغ منه يأس الزمان،  نفس عن نفسه، وسجل على الحياة عدوانها، وهو في كل ذلك  فطري النزعات، لا يمت إلى التناقض بسبب، وإنما هو الشاعر:  يسخر حيناً، ويجد حيناً:

أعاتب نفسي أن تبسمت خالياً ... وقد يضحك الموتور وهو حزين!

ومن ينكر على الأستاذ   (علي شرف الدين)  غرامه بشكوى  الزمان، وهو الشاعر الأبي النفس، الذي قعد به حظه العاثر،  وسلك إلى غايته السهل والوعر، فلم ينل من الحياة ما يرضى نفسه  الطموح! وهل يؤخذ على قصيدته الرائعة أنها قوية النسج،  جزلة الأسلوب، موحدة الفكرة، وتلك صفات نلتمسها في

كثير من الشعر فلا نظفر بها؟ أفيصح بعد هذا أن  ننظر إليها على أنها من الشعر القديم؟! لقد ظلمتم  شعراء الشباب! إذا أخطئهم النسج القوي، وصفتم شعرهم  بالسخف والفتور، وإذا راعكم منهم البيان الجزل قلتم:  هذا من الشعر القديم! كنت أود أن تنقد القصيدة - وأنت  الشاعر - من حيث الوزن، فتشير إلى هنة جاءت من  الأستاذ سهواً، يراها القارئ المدقق في البيت الخامس  منها. . . وإني أدعك لألمعيتك - وأنا بها جد خبير -  وسأرى ما أنت صانع

ثم إن الأستاذ   (رضوان)  يفرق بين غموض بعض الصور  في شعر الشباب، وغموض كثير من الصور في شعر القدامى!  ويسألني! هل تبينت معنى قول أبي تمام:

جهمية الأسماء، إلا أنهم ... قد لقبوها جوهر الأشياء

وقوله:

هن عوادي يوسف وصواحبه ... فَعزْ ما، فَقِدْماً أدرك النجح طالبه

وقد فات الأستاذ أن الغموض غموض حيث كان، وأنه مخل  بالبلاغة على أية حال، وأن الشاعر القدير لا يكد ذهن قارئه  في الوصول إلى ما تنطوي عليه أساليبه، وبقدر ما يتوافر له من  أسباب الوضوح يكون حظه من البيان، ومنزلته بين الشعراء.  ولأمر ما وصف المتنبي وأبو تمام بالحكمة، وانفرد البحتري  بصفة الشاعرية المطلقة!

وهل ضرب النقاد الأمثال للتعقيد اللفظي والمعنوي من قول  القدامى ظالمين أو عابثين؟

وبعد فإني أوثر أن يتولى الشباب الدفاع عن شعرهم،  وأقف من هذه القضية عند هذا الحد، وأعتقد أن عناصر النبوغ  كثيرة في شعر الشباب، وأن التوجيه والإرشاد أجدى على  الأدب، وأليق بالناقدين والسلام (الإسكندرية)

اشترك في نشرتنا البريدية