الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 271الرجوع إلى "الثقافة"

حول عظمة الرسول

Share

كتب الكاتبون في عظمة الرسول ما كتبوا فلم يبلغوا إلا بعض قدره صلى الله عليه وسلم ، وإنما يصف كل من ذلك ما يطبق .

فمن المحدثين من قارنه صلى الله عليه وسلم بأبطال التاريخ وخرج من المقارنة بأنه صلوات الله عليه بطل الأبطال فأخطأ بالمقارنة وبالحكم سواء السبيل لأنه أوهم بهذه المقارنة وبهذا الحكم أن الرسول والبطل من قبيل واحد ؛ وليس كذلك ، ولا يمكن أن يكون كذلك ، فشتان بين بطولة البطل ورسالة الرسول . فرسالة الرسول صلوات الله عليه خرجت الأبطال وربت عظماء الرجال ، بل لم يعرف التاريخ عظمة في أبطاله تضارع أو تقارب عظمة أصحاب الرسول رضوان الله عليهم . وأين في التاريخ - غير تاريخ الرسالة - من سما بنفسه عن الدنيا وعن الهوي كما سما أصحاب الرسول ؟

بل أين - إلا في تاريخ الإسلام - من دانت له الدنيا بالفعل فأعرض عنها وعن زخرفها غير معتزل في جبل ولا مترهب في صومعة ، بل حاكما بين الناس بالعدل وسائسا إياهم بالحق والحزم ، من غير أن يرزاهم من دنياهم إلا بقدر القوت ؟ إن بطولة أبطال التاريخ تتضاءل إذا قيست ببطولة أصحاب الرسول ، فسكيف يمكن أن يحشر الأبطال مع الرسول وبينهم وبين أصحابه من البعد ما بين أصحابه وبينه صلوات الله عليه .

وفي الناس من التمس في العبقرية وجه الثناء على الرسول وتقديره . ولو جعله عبقرى العباقرة ما وفي بل ما زاد على أن جعله فردا من نوع متجدد وإن يكن نوع نادرا في الناس . فالذي يثني بالعبقرية كالذي يثني بالبطولة ، كل قد غفل عن أن العبقريين والأبطال يوجدون في كل زمان ، ولا كذلك الأنبياء والرسل ، بل أعظم الرسل وخاتمهم سيدنا محمد صلوات الله عليه .

ثم في الناس من جاوز ذلك فزعم أنه يثني علي الرسول حين ينسب إليه ما أجرى الله على يديه ، أو ما أوحاه الله إليه ، كأن ذلك من عمله ، أو كأنما بلغه باجتهاده ، ويجعله بذلك أعظم العظماء . كأنه صلى الله عليه وسلم لا يكون أعظم العظماء إلا إذا كانت الرسالة من عنده أو كان وحيها من وحي قلبه وفكره ، كالدي يجري على قلوب أهل الإصلاح والفكر وعلى عقولهم . وليس هؤلاء ولا أولئك مهما ارتقوا ببالغي أدني مراتب الرسالة في أنفسهم أو في أثرها في الناس .

إن كل ثناء على الرسول بما ينتقص من رسالته جهل بالرسول وانتقاص له . وكل تصوير للرسالة بما يبعدها عن المعنى الإلهى الحقيقي المعروف في الأديان ، ويدنيها من المعنى الإنساني المجازي المعروف في كلام بعض الناس ، هو ستر للرسالة وتعطيل لها يمهد في النهاية للتحلل من الدين .

والمسألة ليست مسألة رغبة أو رأي ، ولكن مسألة حقيقة وواقع . فالرسالة بالمعنى الديني كابتة للنبي صلوات الله عليه ليس في هذا شك ، وكل ما كان له صل الله عليه وسلم من عظمة فهو من رسالته وإليها ليس في هذا شك أيضا ، فقد لبث في الناس عمرا من قبلها لم يعرف فيه بعظيم

ولما كانت رسالته صلى الله عليه وسلم أعم الرسالات وأتمها كان هو صلوات الله عليه أعظم الرسل إذ أداها وأكمل البشر ، وهذا معني يضيق عنه أن يقال أعظم العظماء .

لقد لبث صلى الله عليه وسلم قبل الرسالة عمرا في الناس فكانوا يثنون عليه كما يثنون على فاضل فيهم . فلما أكرمه الله بالرسالة وأكرم الخلق به تطور خلفا آخر وإنسانا آخر ، وتطورت أمته به أمة أخرى في الأمم ، وتحقق للإنسانية مثلها العملي الأعلى فيه وفي أمته في عهده . .

إن من يعرف معني رسالة الرسل ويلم بطرف كاف من حقيقتها لا يرى فوقها لإنسان مرتقي ولا يخطر له أن وراءها في مجال العظمة وراء . لكن الألفة حالت بين الناس في هذا العصر الحديث وبين حقيقة تقديرها كما تحول الألفة بينهم وبين حقيقة تقدير نعمة الله عليهم في الشمس والقمر والماء والشجر والسمع والبصر وسائر ما أنعم الله عليهم به في الفطرة ومظاهرها وآياتها .

إن هذه الفطرة مظهر قدرة الله سبحانه وعظمته ، وفيض حكمته ورحمته ، فهي منه سبحانه على الناس نعمة ، وهي على وجوده سبحانه دليل ليس وراءه دليل . فما فيها من سر يبهر إنما مرده إليه سبحانه ، وما فيها من عظمة تقهر إنما مستمدها منه سبحانه . فعظمة العظيم في الوجود مرجعها إلي موجد الوجود . هو أوجد وهو أفاض على كل موجود ما أفاض من عظمة بما أودع فيه من سر ، وبما فطره عليه من سنن جلت عن أن يغيرها أو يبدلها مخلوق في الأرض أو في السماء . فإذا مددت هذا التفكير مدا بنقله من فطرة ما يحيط بالإنسان إلى فطرة الإنسان . وتصورت أن فاطر الفطرة سبحانه قد اختص واحدا من الناس بوحي مباشر ورسالة إلى البشر يبين لهم بها سبحانه السنن التي فطر عليها أرواحهم وناط بها وباتباعها عزتهم وصلاحهم في الدنيا وسعادتهم في الأخري - إذا تصورت اصطفاء ، خالق الخلق لإنسان رسول على هذه الصورة ، أيقنت أن ليس يداني مقامه في الناس أحد وإن عظم ، وأدركت عظيم رحمة الله ، وعظيم نعمته على البشر في ذلك الرسول .

لكن مجرد إحاطة الإنسان بسنن الله في النفس والروح والاجتماع على يد رسول لا يكفي، فقد يخطيء الناس الفهم والتطبيق . فكان من حكمة الله ورحمته ان جعل رسالة الرسل تشمل بشقي التبليغ : تشمل التبليغ النظري علي لسان الرسول ، والتبليغ العملي بالحياة العملية للرسول.

فانظر إلي النبي أو الرسول - أي نبي من الأنبياء وأي رسول من الرسل - ما أثقل ما حمل وما أعظمه ! كلفه الله يتبليغ دينه للناس على الوجه الحق ، ثم كلفه كغيره بالعمل بالدين كما أنزل ، لا يحيد عنه ولا يخطيء ، لأن خطأ منه ليس كخطأ من أحد . فالخطأ العمد منه في القول أو العمل كذب على الله ، والخطأ غير العمد إن وقع منه لا يقر عليه بل ينبهه الله إليه ، وبلغ هو التنبيه إلى الناس حتى تتحقق حكمة الله من النبوة والرسالة ، وحتى لا يلتبس على الناس باطل بحق في دين الله .

ومن هنا يمكن اتخاذ معايير عدة لتقدير عظمة الأنبياء والرسل ، أحدها استنباطي يتعلق بما ينبغي أن يكون عليه النبي أو الرسول حتى يصلح لتلقي الوحي من الله سبحانه ، والباقي معايير تكاد تكون كمية في طبيعتها لأنها تتعلق بمقدار ما يبلغ الرسول من قول ومقدار ما تقتضيه الرسالة منه من عمل ، ومقدار ما لاقي في سبيل التبليغ من أدى ، ومقدار صبره على الأذى في سبيل الله ، ومقدار تعدد نواحي الحياة التي جاء الدين ليشرع لها وليرقى بها ، ولينظمها طبق سنن الله في الفطرة . ثم هناك معيار ايجابي آخر ما هو أصاب الرسول من نجاح في رسالته كما يبدو من آثارها في الناس .

فهذه معايير عدة صالحة لأن تكون حسابية كما تري . وتطبق أي هذه المعايير يحتاج من غير شك إلي إحاطة وجهيد وتوفيق . لكنا لسنا في حاجة إلى التطبيق التفصيلي لتبين أن محمد بن عبد الله صلوات عليه هو أعظم الرسل حقا وأكمل البشر . فرسالته أعم الرسالات وأرقاها لم تدع ناحية من نواحي الحياة الإنسانية للفرد والجماعة إلا شملتها بتشريع ، ومع ذلك فقد بلغها صلوات الله عليه في نحو ثلاث وعشرين سنة أحسن تبليغ وأبينه وأتمه ،

بالقول وبالعمل . فالقرآن الكريم هو ما هو ليس للنبي منه حرف ولم يسقط منه حرفا . والسنة الكريمة هي ما هي تفسر القرآن كلام الله تفسير صدق بالقول والعمل . وأثر الإسلام في الناس في عبد النبي وفي الإنسانية من بعده لا يزال يعجب منه العاجبون

إن من العجب العجاب ان ينهض إنسان أيا كان بكل ما في الإسلام من تكاليف وتعاليم وتشريع . إن الإنسانية كلها أفرادا وأمما لم تستطع نهوضا بكل ما كلفها الإسلام بعد الحقبة الأولى التي طبق فيها الإسلام أتم تطبيق في نصفها الأول في عهد الرسول ، وأقرب تطبيق في نصفها الثاني في عهد الخلافة الراشدة ، فكيف استطاع محمد صلوات الله عليه أن يهض بعبء الإسلام كله في نفسه وفي الناس حتى لم تجد أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وصفا له إلا قولها " كان عمله ديمة " و " كان خلقه القران " ؟ أشهد أن محمد بن عبد الله هو رسول الله حقا إذ كيف يقوي على سيرته صلى الله عليه وسلم إلا رسول ، ورسول محص الله فطرته ومحضها وأعدها

وأمدها واستخلصها سبحانه من بين البشرية كلها طبق سننه في الاستخلاص والإعداد ، حتى إذا آن الأوان وجد في البشر إنسان واحد كان هو وحده الصالح لتلقي الرسالة العامة الكاملة ، وقوي هو على العمل بها ، أصولها وفروعها ، في نفسه وفي الناس

هذا هو المقياس الحق لعظمة الرسول صلوات الله عليه . أنه وحده نهض ما كلفت به الإنسانية قاطبة فلم تستطيعه كله ، وتفرق ما استطاعه صلى الله عليه وسلم في الناس أجميعين ينهضون به جملة إن استطاعوا ، ويتأسى المتأسي به في ناحية يلتزمها فيصبح في الناس مثلا من أمثلة الكمال .

وبعبارة أخرى إن سنن الله سبحانه التي يتحقق بها الكمال الإنساني قد تحققت فيه صلوات الله عليه فصارت حقيقة واقعة في الكون ، مجتمعة في فرد ، ومنتشرة في أمة ، وصار ذلك الفرد هو المثل العملي الأعلى للإنسانية ، لا تمكن أن يبلغه الناس على مر الزمان وإن اجتهدوا ، ولكنهم يقربون منه شيئا فشيئا كلما اجتهدوا .

اشترك في نشرتنا البريدية