الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 45 الرجوع إلى "الثقافة"

حول فن السرور, ١ - هل يمكن أن يكون للسرور فن ؟

Share

قرأتُ بشغف مقال الأستاذ أحمد أمين في " فن السرور " والصورة التي رسمها لهذا الفن ، وقصور أو تقصير المصريين وأهل الشرق عامة في أن يأخذوا بنصيبهم من سرور الحياة ولذاتها المشروعة ؛ كما قرأت المقال البارع اللبق الجاد الهازل الذي عقب به الدكتور طه حسين بك على مقال الأستاذ وعنونه " بفن الحزن " ، فانتهبت من المقال الأول إلى أن كاتبه لم يقصد بفن السرور إلى أبعد من أنه أسلوب خاص لحياة الفرد ، كغيره من أساليب الحياة التي يختطها كل منَّا لنفسه ، يمكِّن ذلك الأسلوب صاحبه من أن يقتنص السرور حيثما وجده وفي أي لحظة ظفر به ؛ وأنه لم يقصد بمقاله الدعوة إلى إنشاء فن للسرور يكون له جميع صفات الفن وخصائصه . وانتهيت من المقال الثاني إلى أن كاتبه قارب المعنى العلمي أو الاصطلاحي لكلمة " الفن " فتحدث إلينا عن فنِّيَّة " فن السرور " , وكيف يمكن إنشاؤه ، ومَن هم أولى الناس - في مصر أو غيرها - بوضع أسس ذلك الفن الجديد .

دعاني هذا وذاك إلى أن اتقدم لقراء الثقافة بكلمة أبحث فيها إمكانية " فن السرور " ؟ وهل يصح أن نتكلم عن " فن السرور " كما تتكلم عن فن الموسيقى ، أو فن التصوير أو فن الملاحة ؟ أم أن ذلك التعبير ضرب من المجاز نلمح فيه معنى ما - مهما كان غامضًا - ونمر به مَرَّ الكرام ؟

يعرف الفن بأنه جملة منظمة من القواعد يراد بها تحقيق غاية عملية ؛ وهو بهذا يمتاز عن العلم الذي هو جملة منظمة

من القوانين يراد بها تفسير حقيقة من الحقائق المتصلة بالعالم الطبيعي أو بالإنسان.

فالطب فن بهذا المعنى لأنه جملة قواعد ترمي إلى تحقيق غاية عملية هي الصحة ؛ وفن التربية فن لأنه جملة قواعد يراد بها تكوين الطفل عقليًا وبدنيًا وخلقيًا ، وإعداده للحياة الكاملة ؛ والملاحة فن لأنها جملة قواعد يراد بها تأمين حياة الملاحين في عبورهم البحار ، وإيصالهم إلي مرافئهم سالمين ؛ وكذلك المنطق بمعنى من معانيه والموسيقى والتصوير ونحوها . ولا بد للفن - ليكون فنًا بالمعنى الدقيق - من أن يستند إلى أساس من العلم النظري ، فيستمد أصوله وقواعده من ذلك العلم ؛ أي لأبد للفن - وهو الناحية التطبيقية لبعض قوانين العلوم النظرية - من أن يتخذ أساسًا له بعض القضايا العامة التي وصل إليهما العلماء في ميادين البحث العلمي الحر ، ففن التربية مثلا يعتمد في وضع قواعد التعليم وطرقه ومناهجه على القوانين العامة التي اهتدى إليها علماء النفس في بحثهم النظري في نفسية الطفل ؛ وفن التفكير يستند إلى القوانين العامة التي يخضع لها الفكر الإنساني من حيث هو يقطع النظر عن اختلاف الناس في أجناسهم ولغاتهم وبيئاتهم ؛ وفن الملاحة يعتمد على النتائج العلمية التي وصل إليها علماء الفلك والرياضة والجغرافية وغيرها . فإذا لم يقم الفن على أساس من العلم النظري الصحيح ، كان ضربًا من العبث ، ومجالا للتخبط والفوضي ، أو أسلوبًا من أساليب الدجل ، كما هو الحال في تعليم غير الفنيين ، وطب غير الفنيين .

فإذا كان السرور فنًا من الفنون ، أو إذا قدر له أن يكون فنًا من الفنون ، فلا بد لمثل هذا الفن من أمرين : (الأول) أن يضع القواعد ، ويسن النظم لتحقيق الرفاهية الإنسانية ، فيبين للناس ما هو سار ، وما هو محزن ومؤلم ، ويرشد إلى مواطن السرور والبهجة في العالم الطبيعي وفي ضروب النشاط الإنساني ، الفردي منها والاجتماعي ؛ ويوضح السبل التي يمكن بها اقتناص اللذات من خلال سحب الأحزان والآلام التي تتلبد بها سماء كل منَّا في وقت ما من أوقات حياته.

(الثاني) لابد له من أن يتخذ لهذه القوانين ، وهذه النظم والتعاليم أساسًا من علم أو أكثر من العلوم النظرية . فإذا أخل بشرط من هذين الشرطين ، فليس في نظري فنًا من الفنون ، ولا هو جدير وحقيق بهذا الاسم .

أما الأول فهو في الحقيقة تحديد لمهمة " فن السرور " كما أفهمه ، وكما يجب أن يكون . وقد حاول وضع مثل هذا الفن بعض الأقدمين من فلاسفة اليونان كالرواقيين الذين تحولت الفلسفة اليونانية النظرية على أيديهم - تحت تأثير الروح الرومانية - إلى فلسفة عملية ، جعلت غايتها البحث في الحياة الإنسانية وكيفية تحقيق السعادة والرفاهية للإنسان . فكانت الفلسفة في نظرهم هي العلم بالوسائل التى تجلب السرور واللذة إلى قلب الإنسان ، وإعداده لتقبل ذلك السرور أيا كان مصدره ، ولذلك أكدوا في مذهبهم عدم المبالاة بالآلام ، والسخرية من مصائب الأيام ونوازلها ، حتى لقد قيل في الرواقي إنه لا يعرف الألم ، ولا يرى في الحياة إلا بشرًا وسرورًا وسعادة ؛ وفي هذا المعنى أيضا يقول شبشرون الفيلسوف والخطيب الروماني المشهور (١٠٦-٤٣ ق . م) مخاطبًا الفلسفة : " أيتها الفلسفة . أنت المدبرة لحياتنا ، أنت صديق الفضيلة وعدو الرذيلة . ما نحن ، وما حياة الإنسان لولاك ؟ " .

وأما العلم النظري الذي يمكن لفن السرور أن يعتمد

عليه ويستمد قواعده منه فأحد علمين : علم النفس أو علم الاجتماع ، أو العلمان معًا . إن السرور أسلوب من أساليب التعبير عن الناحية الوجدانية من الحياة النفسية ؛ فهل وصل علم النفس أو علم الحياة أو هما معا إلى قوانين عامة عن الحياة الإنسانية الوجدانية ، والعوامل العامة التي تدخل السرور إلى قلوب الناس جميعًا أو تحدث القبض أو الألم أو الامتعاض والحزن في نفوس الناس جميعًا ؟ وإذا أخفق علم النفس أو علم الاجتماع في الوصول إلي قوانين عامة تخضع لها الحياة الوجدانية ، كما وصلوا إلي قوانين عامة تخضع لها الحياة الفكرية والإرادية ؛ وإذا قرر علم النفس أن الحياة الوجدانية لكل فرد وحدَةٌ خاصة بذلك الفرد لا يشاركه فيها غيره إلا بطريق الصادفة والاتفاق ، ألا يعد ذلك ضربة قاضية على كل أمل في إنشاء فن للسرور بالمعنى الذي أسلفناه ؟ إن علم النفس الحديث قد وصل إلي بعض القوانين التي تتصل بالحياة الوجدانية والتي تصدق صدقًا عامًا على جميع أفراد الناس ، بل وأفراد الحيوان أيضا ، ولكنها الحياة الوجدانية في أبسط صورها ، أي الناحية الوجدانية التي تتصل بالأعمال العكسية أو الغرزية أو بإدراكات الحواس . فإذا ما ارتفعنا درجة أو درجات في سلم التطور الوجداني ووصلنا إلي اللذة في عالم المعاني - بل في عالم الحس والمعاني معا - وجدنا اختلافًا بيِّنًا بين الناس ، يتفاوت بتفاوت أجناسهم وأعمارهم وبيئاتهم الطبيعية والثقافية مما لا سبيل مطلقًا إلى ضبطه أو توحيده .

فالسرور - كما يشير إليه الأستاذ أحمد أمين - نتيجة لتفاعل يقوم بين النفس والمحيط (المادي والمعنوي) الذي تعيش فيه النفس ؛ وما دامت نفس الفرد وحدة خاصة به وعالما خاصًا لا يشاركه فيه غيره ، فسيظل السرور الذي تُشِعُّهُ كل نفس (نتيجة لذلك الانفعال) وقفًا على تلك النفس ذاتها وعلى ما في تكوينها الخاص من مبادئ ومعان متصلة بالحياة الفردية التى اختارت أن تحياها.

وهل أدل على اختلاف الناس في هذه الناحية واستقلالهم في أحكامهم عماهو سار وما هو محزن ، من أن الشئ الواحد ، أو المنظر الواحد ، أو القطعة الموسيقية أو الشعرية الواحدة ، قد تغمر قلب فلان من الناس بالسرور ، وتضئ جوانبه باللذة والبهجة ، في حين أنها لا تحرك ساكنا في فلان الآخر ، أو تفعم قلبه بالحزن أو تملؤه انقباضًا وامتعاضًا ؟ ما أشبه الناس في انفعالاتهم الوجدانية للمؤثر الواحد بأنواع الحيوان ، ينفعل كل نوع منها انفعالا خاصًا به تقتضيه طبيعته والمؤثر واحد ؛ وما أصدق المثل الانجليزي القائل : " إن الشفق الذي يرسل الدجاج لينام يدفع ابن آوى إلى الخروج ليسعى "

وخلاصة القول أن الحياة النفسية الوجدانية التي يعتبر السرور أخص مظاهرها لا ضابط لها ولا قانون ، وأن الأحكام التقديرية التي تنبعث عن الشعور الوجداني لا ضابط لها ولا قانون أيضًا ، اللهم إلا قانون الفردية البحتة ؛ وهذا معناه أنه لا أمل في إنشاء فن للسرور يتولى وضعه معهد من معاهد العلم أو وزارة من وزارات الحكومة . ثم ما بال المصريين وأهل الشرق عامة - كما يقول الأستاذ أحمد أمين - كاسفي البال كسيري القلب كثيري الحزن قليلي الحظ من السرور ومن كل ما تهبه الحياة من لذة وبهجة ، حتى لقد يبلغ بالمرأة المصرية أن تبحث عن اللذة في البكاء والعويل ، وأن تجد المتعة في التحدث عن الأموات في المآتم ؟ ليس هذا في نظري لأن فنًا من فنون السرور لا يزال مجهولا عند القوم لأنه لم يوضع بعدُ ، أو لأنه وضع في الغرب ، ولم يبلغ أمره إلى الشرق ، ولا لأن المصريين أو غيرهم من الشرقيين أقل استعدادًا للتمتع بلذات الحياة حيثما وأينما وجدت - وإن كان حرمانهم من التعليم ومن التكوين العقلي والخلقي والاجتماعي الصحيح جر عليهم حرمانهم من كثير من هذه اللذات . ولكن السبب الحقيقي في نظري أنهم قد أتيحت لهم جميع وسائل

الحزن ، وُيسِّرت لهم جميع أسباب التعاسة والألم ، ولم يفتح لهم من أبواب السرور إلا القليل . لم يفكر أولو الأمر في الشرق عامة ، وفي مصر خاصة ، كما فكر إخوانهم الغربيون في خلق الوسائل وابتداع الطرق واقتناص الفرص لبعث السرور في نفوس الأفراد والجماعات . والناظر في حياتنا الاجتماعية العامة وحياتنا العائلية الخاصة ، وحياة طلبتنا في المدارس والجامعة ، أو خارج المدارس والجامعة ، وحياة فلاحينا وعمَّالنا ، يتبين له مقدار ما أعدت الحكومة وما أعدت الجامعة والمدارس ، وما أعدت النقابات والاتحادات (على فرض وجودها !) بل ما أعده الآباء والأمهات من أساليب السرور لكل من يقع تحت رعايتهم من أفراد المجتمع . يطلب كل مصري السرور بطبعه كما يطلبه الناس جميعًا ويدأب في تحصيله كما يدأب الناس جميعًا ، ولكنه إما ألا يجد وسائله على الإطلاق أو يجدها عظيمة النفقة غالية الثمن ! أوجِدوا وسائل السرور ويسِّروها واجعلوها في متناول عامة الشعب . ابتدعوا من النظم في الحياة الاجتماعية ما يكفل تحقيق السرور . انتهزوا فرص الأعياد والحفلات الشعبية واقلبوها إلى أفراح شعبية حقة . أنشئوا أنشئوا أنشئوا وسائل السرور لا " فن السرور " ، وأنا ضمين بأن المصري (المرح الطروب بطبعه) سيأخذ منها بحظ أوفى ويفوز منها بنصيب الأسد ! .

اشترك في نشرتنا البريدية