هل تأثر الأدب الإسباني بالأدب العربي في خلال السنين التي أقامها العرب في إسبانيا ؟ وإلى أي مدى كان هذا التأثر ، وأي الآثار الأدبية الإسبانية خليقة بأن تكون مثالا للعلاقة بين ادب العرب المسلمين وبين أدب الإسبان المسيحيين ؟ كل هذه أسئلة تعنى المتصلين بالنقد المقارن . وقد اثيرت جميعها ، لأن الأستاذ الكبير طه حسين بك القى محاضرة طريفة عن قصة " دون كيشوت " ومدى تأثرها بأدب العرب . وقد بحث الأستاذ المحاضر بعض الفروض التي دعت المعنيين بالأدب المقارن بزيادة البحث فيها . وهي دعوة كريمة فتحت أمام المتأدبين والنقدة آفاقا جديدة للبحث ، ولعلنا نصيب بعض الأغراض التي رمي إليها لو بحثنا وجوها من حياة سرقنتيز ووجوها اخرى من قصة " دون كيشوت " حتى ندرك أي علاقة كانت بين الأدب العربي وبين هذه القصة الأوربية
لابد أن يكون أدباء الإسبان قد تأثروا بالعرب الذين غزوا بلادهم في سنة ٧١١ من التقويم الميلادي ، لأن هؤلاء قد اتخذوا الأندلس موطنا لهم وظلوا سبعة قرون يتنقلون في أنحاء البلاد . وكانت لهم حضارة هي التي وصلت الحضارات القديمة بالحضارة الحديثة . وليس من شأننا ان نبحث آثارهم في سياسة البلاد ، ولا آثارهم في العمارة وفن البناء ، ولا ما خلقوه من آيات الحضارة في العلم وفي الصناعة وفي الفلسفة ، فإن لمثل هذه البحوث رجالا آخرين ، ولكن الذي نعني به هو أن تتأثر العلاقة بين الأدب العربي والأدب الإسباني ، حتى تخلص من ذلك إلي قصة " دون كيشوت "
لقد أثبت مؤرخو الأدب أن قصة " المعتمد بن عباد "
آخر الحكام المستقلين في أشبيلية ) ١٠٨٨-١٠٩١ ( كانت من بين القصص التي تناولها شعراء الإسبان في القرون التالية . بل الثابت ان " دون جوان مانول " Don Juan Manuel وهو احد قصاص القرن الرابع عشر كتب هذه القصة وأضفى عليها خيالا حببها إلي القراء في إسبانيا .
ثم لقد أثبت مؤرخو الأدب كذلك أن كثيرا من القصص قد نقلها العرب من الهند وفارس فلقيت جوا صالحا في إسبانيا . وانتشرت بعد ذلك حتى بلغت جنوب فرنسا وما زالت تتقلب في غرب اوربا حتى انشحت بثياب مسيحية أوربية لا يستطيع القارئ العربي أن يتعرفها إلا بجهد . ومن تلك القصص خرافات وحكايات غناها شعراء متنقلون سماهم التاريخ الأدبى Troubadours . بل لقد ذهب كثير من مؤرخي الأدب إلي أن أوزان الشعر العربي نفسها قد اثرت في هذا الضرب من الأدب المتنقل ، لأنهم استطاعوا أن يقارنوا بين أساليب الوزن والثقفية في الشعر العربي وبين الأوزان والقوافي في شعر الجائلين .
ولكن هل نستطيع أن نكتشف قصة واحدة في الأدب العربي هي التي نسجت على منوالها " دون كيشوت " وهل في الأدب العربي جاهليا كان او إسلاميا قصة تشبه هذه في موضوعها أو أسلوبها ؟ إن الأسئلة التى اثارتها المحاضرة جديرة بالبحث : فهل تأثر سرقنتيز مؤلف "دون كيشوت "
بالأدب العربي وبخاصة حين أقام بالجزائر ؟ فهذا سؤال أول . وهل كان للتصعلك كما يعرفه العرب أثر في صوغ القصة ؟ وهذا سؤال ثان . وهل تأثرت القصة بجنون الحب الذي ورثته القصة العربية من مثل حديث مجنون ليلى ؟ وهذا سؤال ثالث . ونحن نحاول في هذا المقال أن ندرس وجوها من حياة سرقنتيز لنجيب عن السؤال الأول . أما السؤالان الآخران فنرجو أن نبحثهما في مقالين آخرين .
ولد ميجل سرقنتيز في سنة ١٥٤٧ ونشأ محبا للكتابة .
وأتيح له أن يزور إيطاليا ولما يبلغ العشرين . ولبث فيها أربع سنين حتى سنة ١٥٧٠ حينما دعته المروءة والحاجة إلي ان يلتحق بالجيش الإسباني ويحارب الأتراك في موقعة ليبنتو . وفي ليبنتو فقد ذراعه وانتصرت الحليفات الثلاث : إسبانيا والنمسا والبندقية علي القوة البحرية التركية لأول مرة في تاريخ الإمبراطورية التركية . فكان ذلك إيذانا بعهد جديد لأوربا ، وكان ذلك ايضا مبدأ لشقاء الكاتب الجندي صاحب الذراع المفقودة
وحاول سرقنتيز الجندي أن يتبع " دون جون " قائد الأساطيل المتحالفة ضد الأتراك . وقضي خمس سنين بعد ليبنتو يتقلب من جزيرة في البحر الأبيض المتوسط إلي جزيرة اخري . فقد اشترك في حملة " دون جون ( على تونس ، وتنقل بين سرديتيا ولمباردي وبين مسينا ونابلى , ثم استأذن القائد ان يزور إسبانيا فسمح له . لكنه أمر في طريقه إلي وطنه : أسره " الجزائريون " )
ولنا وقفة عند اسره في الجزائر . فهل تأثر هو بهذا الأسر ؟ وهل اختلط بالعرب أو البربر ، وهل استمد منهم أدبا أثر في كتابته عن الفروسية والحب والصعلكة ؛ لم تكن أحوال الجزائر تطوع له أن يتأثر بالأدب العربي على هذا النحو . فقد كانت الجزائر وكرا من أوكار القرصنة . وكان الذين يعيشون على شاطئها خليطا من اللصوص والقراصنة قذفت بهم بلاد البحر الأبيض ولم يؤلف قلوبهم غير حب النهب والسلب . وكان شاطئ الجزائر كل ما يهم المسلمين أو المسيحيين ، لأن شاطئ الجزائر كان ملجأ تربض فيه سفن اللصوص لتغير علي سفن التجارة . كان يعيش فيه قرصان من بلاد اليونان ، وآخرون من البندقية
وكان منهم قوم من آسيا الصغري ومن قبرص . كلهم كانوا يعيشون في الجزائر تحت السيادة التركية الرسمية . وهم قوم من المغامرين يأخذون كل سفينة غصبا ، وقد تربصوا
للسفينة التى كان عليها سرقنتيز وأغاروا عليها عند مينورفة ، واسروا كل من فيها واتخذوهم عبيدا ، واحتفظوا بسرقنتيز بنوع خاص ، لأنهم حسبوه من علية القوم وحسبوا ان وراءه مغنما ضخما حينما يحاول او تحاول بلاده ان تدفع له الفدية
قيل إن سرقنتيز كان يحمل فيما يحمله من الأوراق توصية كتبها دون جون لأخيه الملك فيليب الثاني ملك إسبانيا وتوصية اخري كتبها نائب الملك في بايلي ، وإنه حين أسر ظهرت التوصيتان , فظن القرصان انه رجل من رجال الحكم . ووزع أرناموط مامي - وكان قبطان هؤلاء القرصان - الأسلاب والأسري علي اتباعه ، فكان سرقنتيز من نصيب واحد منهم اسمه دبلي مامي . وكان دبلى مامي من بين القرصان اليونانيين الذين عاشوا في الجزائر وعلم بأي مقيم وقع له . ولانه كان يظن ان سرقنتيز يستطيع ان يفدي نفسه بمال طائل ، فقد كبله بالسلاسل والأغلال ، وعامله كما يعامل المولي الفظ عبده المضطهد المسكي .لكن سرقنتيز تحمل كل ذلك بصير لا حد له .
ذلك أنه كان جنديا مقداما ، وكان فارسا يؤمن بمبادئ الفروسية في مثلها الأعلي ، وكان يعلم أن علي الفارس أن يصبر حيث كانت المحنة ، وكان يستوحي مبادئ الدين المسيحي في حياته الجاهدة . وما لبث أن وجد نفسه في مكان الزعامة بين الاسري وكانوا يبلغون خمسة وعشرين الفا . كان يترفق بالضعفاء منهم ويواسي العجزة ويشرك فقراءهم في النزر القليل الذي يقع بين يديه .
ثم إن مولاه ديلي مامي باعه لحاكم الجزائر بألف وخمسمائة كورونا . وكان حاكم الجزائر حسن باشا زعيما من زعماء الفرسان ، رمت به البندقية فيمن رمت بهم من ذئاب البحر ، فالتحق بخدمة الأتراك ، وتولي امر الجزائر أو قل تولي امر القرصنة المنظمة في الجزائر . وظل
سرقنتيز في أسر الوالي يضيق عليه الأحباس ، وسرقنتيز يحاول الهرب . لكنه كان عائر الجد ، ما يكاد يدرك النجاح حتى يدركه الفشل . حاول الهرب مرتين ، وفشل في المرتين ؛ وكاد حسن باشا أن يقتله جلدا ، لولا أن شفعت عنده مواهب سرقنتيز . ثم حاول أن يدبر ثورة يقوم بها الأسري وهم خمسة وعشرون ألفا كما ذكرت ، واتصل بسكرتير الملك في إسبانيا ليعاونه ، لكنه فشل أيضا . وقضي في الأسر خمس سنين أحس فيها ثقل القيود والأغلال ، لكنه خرج وقد سلمت نفسه ، لأن روحه فوق انها كانت روح فارس ، فقد كانت روح اديب .
لا نظن أن رجلا يقضي هذه السنوات السود في سرداب من سراديب حسن باشا البندقي الأصل ، رجلا تقطعت الصلة بينه وبين العالم الخارجي ، رجلا عاش عبدا يرسف في السلاسل ويتراوح في الأغلال ، لا نظن أن رجلا هذا شأنه كان يستطيع أن يتأثر بالأدب العربي لا في قليل ولا في كثير . وان رجلا مثله كان يعيش في عالم السجن ما يستريح من عناء إلا إلى عناء ، كان حسبه ان يستعين على شقائه بمبادئ الفروسية الأولى ، ولكن لم يثبت أنه اضطرب في بيئة العرب في الجزائر ، وغاية الظن أن بيئة العرب هنالك كانت قد انتقلت إلي ما وراء الشاطئ ، بل لم يثبت انه خرج من الأسر إلا في اليوم الذي اشفق عليه بعض التجار المسيحيين في الجزائر ، فافتدوه بألف من الدوقات ، وهو ما طلبه حسن باشا ، ولبث وقتا قصيرا في الجزائر ، وسافر بعد ذلك إلي إسبانيا
ولا تحسبن أن تلك السنين الخمس التي عاشها في الأسر قد انقضت من غير ان تخلف آثارا عميقة في نفس سرقنتيز . لكنها لم تكن آثار الأدب العربي ، ولم تكن آثار البيئة العربية . وإنما كانت آثار الأسر الذي عاناه خلال سنوات السجن . لقد رأي الموت يطل يقرنيه من
خلال القيود والأصفاد لكنه كان صبورا جلدا ، علمته الحوادث كيف يغالب البؤس ويصارع الألم . ثم خرج من جحيم السجن وقد تطهرت روحه . فخرجت قصة " دون كيشوت " من هذه المحنة النفسية الطويلة ؛ نعم خرج سرقنتيز - وكدت أقول دون كيشوت - وقد زاد إيمانا بمبادئ الفروسية :بمبادئ المروءة والشجاعة والنجدة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وحب الإنسانية - كل ذلك في عصر كان قد فقد إيمانه بهذه المبادئ . فهي قصة الفشل الذي لقيه سرقنتيز ، وهي قصة عصر الانتقال من حياة الفروسية كما عرفها أهل الشمال والجنوب إلي عصر الحروب القومية كما عرفتها انجلترة وإسبانيا وفرنسا .
ولعلك قد ادركت معي ان سرقنتيز لم يتأثر بشئ من الأدب العربي في مقامه بالجزائر ، بل لعله قد تأثر بمقامه في إيطاليا أكثر ما تأثر . وقد أسلفنا أنه استقر فيها خمس سنين ، وانه تردد بين بلدانها خمس سنين اخري . أي انه قضى شبابه الاول بين العشرين والثلاثين في جو إيطالي . وكانت إيطاليا أسبق بلاد أوربا إلي النهضة : كانت صاحبة اللسان اللاتيني ومقر الكثلكة ، ومهبط الفن والأدب . وقد تأثر سرقنتيز بالآثار الإيطالية التي شهدها . وحينما عاد إلى إسبانيا بعد اسره ألف مسرحيات كتلك التي رآها في إيطاليا .
وقد كان الكاتب المسرحي الأول في إسبانيا خلال تلك السنين لوب دى فيجا . Lope de vega وكان يستأثر بحسن السمعة وذيوع الصيت . فخرج سرقنتيز إلي هذا الميدان ينافس بطله الأول ؛ لكنه لم يبلغ من النجاح ما توقعه ، وكانت حياته المسرحية هي الأخرى قصة من قصص الإخفاق . وقد عاني منها مرارة مثل
تلك التي ذاقها أيام أسره بالجزائر . لقد كتب للمسرح ثم كتب ، وبيقت المسرحيات التي كتبها على الثلاثين ؛ لكنه لم يدرك ذلك الأمل الحلو الذي لعب بخياله ؛ لم يستطع أن يكسب من الكتابة للمسرح مالا يكفيه حاجات العيش ؛ وكان قد تزوج وأصبح رب عائلة ، وكانت له أخت أرمل ، وابنة من خليلة أتت بها ساعة من ساعات الإثم .
وكذلك انكفأ سرقنتيز يحاول الكسب بقلمه بعد أن تحطم سيفه فأدركه العتار ولازمه سوء الطالع . وقضي الأديب المسكين عشرين عاما أخري من سنة ١٥٨٤ إلي سنة ١٦٠٤ وهو يطلب الكفاف من العيش فلا يجد إلى ذلك سبيلا . تقلب بين مكاتب الحكومة يطلب وظيفة ، فارتد خاليا . وقضي في إشبيلية بضع سنين وهو مقتر عليه
في الرزق . وكان موكلا بجمع مال الحكومة فاتهم بالاختلاس وخرج من محاكمته وهو مطرود . واضطرت زوجته وأخته وابنته أن يشتغلن بالإبرة كما تشتغل النساء حتى يجدن ما يسد الرمق . ثم نلتقي به فى سنة ١٦٠٣ وقد انتقل إلي بلد الوليد . ثم ماذا ؟ ثم إنه أخرج " دون كيشوت " في سنة ١٦٠4 .
لقد عاش سرقنتيز شقيا ومات شقيا . فما أحرانا أن نسعد ذكراه . وقد فتحت لنا هذه المحاضرة النفيسة سبل القول في سرقنتيز . ولعلنا نعالج فرصتين أخريين : " الفروسية " ثم " الحب " وآثارهما في قصة " دون كهشوت " ، فإلى اللقاء !
) المنصورة (
