الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 231 الرجوع إلى "الثقافة"

حول قصة دون كيشوت

Share

كتب سرقتيز قصته دون كيشوت " في سنة ١٦٠٤ ، ولم يكد يطبعها حتى أدرك أنه أصاب النجاح الأول في حياة الفشل التي عاشها . وقد خرج من بين يديه هذا الكتاب وهو من أقل كتبه ملاءمة لقواعد الفن ومن أكثرها خطأ وخلطا . لكنه نجح ! فقد قرأه الناس فأعجبوا به إعجابا شديدا ، وترجم إلي أكثر لغات أوربا الغربية ، وقرأه سراة القوم فضحكوا ، وقرأه الملك فيليب الثاني فقهقه . وليس السبب في كل ذلك إلا أن قصة " دون كيشوت " جاءت في وقت كاد الناس يفقدون فيه إيمانهم بالفروسية كنظام اجتماعي وسياسي ، وكانت الشعوب تتطلع فيه إلي حياة قومية تنسيهم عهد الإقطاع وما كان ينطوي عليه من رق ومن إحن ومن أشجان . كذلك كان هؤلاء الناس قد ضاقوا ذرعا بقصص الفرسان التي نسجها الكتاب حول شخصيات خيالية ، وأسرفوا كل الإسراف في التندر بها ، وكانت مادة تكسبوا بها ، فأمعنوا في تخيل النوادر والأعاجيب . لذلك خرجت قصة " دون كيشوت " وهي تهزأ بنظام متزابل ، وتسخر بموضوع أدبي كان قد يرم به الجمهرة من الكتاب والقراء ، فلقيت هذا النجاح الذي لم يكن يتوقعه سرقنتيز .

لكن وراء القصة عشرة قرون من حياة الفروسية ، ولعلنا لا نستطيع أن ندرك روحها إلا إذا نحن قدرنا فروسية العصور الوسطى . وينبغي قبل كل ذلك أن نفرق بين اثنتين : بين الفروسية كنظام اجتماعي وسياسي ، وبين الفروسية كموضوع من موضوعات الأدب . ينبغي أن نفرق بين فارس الإقطاع الذي كان يحيا حياة الواقع يلتمس الرزق في كنف سيد من سادة الإقطاع ، وبين

فارس القصص الذي أصبح شخصية خيالية ، يتغناها الشعراء ، وينسج الرواة حولها القصص ، ويشخصها المسرحيون في مسرحياتهم فقد يلتقي الاثنان في شخصية واحدة ؛ شخصية أمير أو ملك أو إمبراطور مثل شارلمان لكن البون كان شاسعا بين فارس الحياة الواقعة وبين فارس الشعر والخيال . وإذن فلنعالج الفروسية في أوربا كنظام سياسي واجتماعي ، ولنبحث ادب الفروسية ونشأتها في القرون العشرة التي تلت القرن السادس بعد الميلاد ، ولنتأثر الصلات بين الفروسية الأولى والفروسية الثانية

أقبلت أوربا علي العصور الوسطى ، وقد قام فيها نظام الإقطاع . وكان هذا النظام يقوم على طبقات مرتبطة بعضها ببعض . قسمت الأرض بين كثير من الأمراء . وكاد يستقل كل أمير برقعة الأرض التي ورثها أو أخذها غصبا . وكان صاحب الإقطاع هذا يتصرف في شؤون الأرض والناس كما يريد ، وله عدد عديد من الأتباع وكان بين أتباعه فرسان أقسموا أن يدافعوا عن سيدهم ، وأن يبذلوا في سبيله ما يملكون من نفس ونفيس وقد ظلت أوربا مقسمة بين هؤلاء الأمراء تنشب بينهم المعارك ، وتشتعل بينهم نار الثارات لا يكاد يخمد أوارها ، حتى أتيح لهم أن يلتفوا متحابين تحت راية المسيحية . ذلك أن نشبت الحروب الصليبية بين الغرب وبين الشرق ، فكان على هؤلاء الفرسان أن يشتركوا في هذا الجهاد الديني الذي دعا إليه البابوات والقسيسون . ثم أصبح من بين ما يؤمن به الفارس أن يحج إلي بيت المقدس ، وان يقاتل المسلمين هناك ، فإذا استشهد فذاك ، وإلا فقد رجع إلي بلده أو إقطاعه وهو يحمل فوق هامته غارا من المجد والشرف والكرامة

ولكن لقد كانت الفروسية من الناحية الأخرى مثلا اعلي أمن به المحاربون وغير المحاربين من اهل العصور

الوسطى . وقد كانت مهربا أو مخرجا اتخذه الأشراف من حياة الواقع الثقيلة التي عاشوها في هذه العصور . وقد كان الفقراء من الناس والأغنياء ، منهم على السواء يعيشون في حالة من القلق الدائم : الموت يتخطفهم وهم صغار ، حتى لقد كان يقضي عليهم وما يكادون يبلغون عنفوان الشباب ، والحرب تشتعل لأوهي الأسباب ، والطاعون يحصد الناس حصدا ، والصحة العامة في حالة من الانحطاط لا تقاس بها اليوم صحة البهم والسوائم  فكانت مبادئ الفروسية كمبادئ الدين تنفيسا عن هذه الأشجان التي اعتورت حياة الجماعة . كانت هي النقطة اللامعة وسط ظلام كله ظلام .

ومهما يكن من شئ ، فقد خرجت الفروسية من القرنين التاسع والعاشر وقد أصلت أصولها ، فقد كانت في مبدأ عصر الإقطاع وسيلة عملية اقتضاها نظام الإقطاع : اقتضاها الدفاع عن كل رقعة من الأرض ، واقتضها حياة الكفاح بين هذا الأمير وهذا الأمير . أما في القرنين التاسع والعاشر فقد بدأت تنشأ ، وأصبحت لها مبادئ كان يعنو لها كل من كان فارسا ، ثم نشبت الحروب الصلبية ، فما انقضى القرنان الحادي عشر والثاني عشر حتى ثبتت هذه المبادئ . وقد لخص لنا مؤرخ الفروسية مبادئها في عشرة اصول ذكرها . أما هذه الأصول فهي أن يؤمن الفارس بالدين المسيحي ، وأن يدافع عن الكنيسة . وان يحمي الضعيف والملهوف ، وان يحب وطنه ولا يستسلم لعدو ، وان يكافح الكفرة والمارقين بلا هوادة ولا وهن ؛ والا يخون مولاه  ، وان يفي بالوعد ولا يقول إلا صدقا ، وأن يكون جوادا كريما وان ينصر الحق في كل مكان يحل فيه حتى يزهق  الباطل

تلك مبادئ الفروسية العشرة في ابهي صورها ، لخصها ليون جونبيه leon qautier أكبر من أرخ للفروسية . وبعض هذه المباديء كان يتصل بالدين .

وبعضها الآخر كان يتصل بالخلق ، ولكن لا ريب أن أجلها أثرا كان هو هذه المبادئ الخالدة من حيث حماية الضعيف ، والدفاع عن الوطن ، والوفاء بالوعد ، والصدق والجود والكرم . كانت هي مبادئ المروءة التي ما تزال الإنسانية تنشدها في كل بيئة صغيرة أو كبيرة ، بل هي نفسها المبادئ التي تتبينها في حياة العرب الأولين . وكان أن تحلل الفرسان من ولائهم لأمراء الإقطاع ، فأصبحوا أحرارا يدرجون حيث شاءوا . وبعد أن كانوا يقسمون يمين الولاء لسيد الإقطاع ، أصبحوا يتلقون مبادئ الفروسية عن الكنيسة ، أو من كان يمثل الكنيسة . وكان للفارس الناشئ نظام خاص للتربية . فهو في أول نشأته يعيش في بيت أحد الأشراب بتلقي عنه مبادئ الفروسية ، ثم هو إذا بلع شبابه الأول نصب فارسا . وكان لحفلة التنصيب هذه من القيمة مثل ما يكون اليوم للامتحان الأخير في حياة الطالب في وقتنا الحاضر .

ذلك ملخص أوجزناه لك عن الفروسية كنظام اجتماعي وسياسي وديني . لكن وراء هذا النظام فيضا من القصص والأساطير . نقول إن وراء هذا النظام الاجتماعي قصصا وأساطير تسربلت بالخيال والوهم ، واتخذت أشكالا من الأدب ، بحيث كانت شعرا يغني في أحيان ، وكانت ملاحم في أحيان اخري ، ثم كانت قصصا بكتبها الكاتبون ويقرؤها القارئون ، بل هي خرجت إلي المسرح فكانت من بعض الأدب التمثيلي ، بل ما يزال أدب الفروسية ماثلا إلي اليوم فيما تقرؤه من شعر ونثر

فإذا نحن تحدثنا عن أدب الفروسية فلا بد لنا أن نبدأ بحياة القبائل التي أغارت على غرب أوروبا منذ القرن السادس بعد الميلاد . ففي حياة هذه القبائل وغاراتها تستطيع أن تري مبدأ القصص الخيالية التي انحدرت في تاريخ الأدب الأوربي . ولاشك أن هذه القصص قد كبرت ثم كبرت كلما تقدمت بها السنون ، ولا شك أن النظام

الاجتماعي والسياسي والديني الذي تحدثنا عنه كان يكبر من شأن هذه القصص ويدفع الناس إلي تصديقها والتمتع بها . فحياة القرون الوسطى كانت بيئة صالحة لتنشئة الأساطير التي تحدرت في العشرة القرون التي تلت القرن السادس بعد الميلاد .

أما أولى هذه القصص فهي " قصة الملك أرثر " وفرسان المائدة المستديرة . وقد كان الملك أرثر نفسه يمثل قبائل " البريتون " التى صمدت أمام المغيرين من السكسون . وتصور لنا القصة الملك ارثر في صورة البطل المسيحى الذي خاص غمار اثنتي عشرة معركه أمام المغيرين الوثنيين . وخرجت قبائل البريتون من هذا الصراع وقد نزحت إلي الشمال والغرب وتركت قبائل السكسون في الجنوب والشرق من الجزيرة الكبرى . واستقر البريتون في هضاب ويلز واعتصموا بجبال الشمال . لكنهم لم ينزحوا إلي معاقلهم الجديدة إلا بعد أن صمدوا للمغيرين فحدثت بين هؤلاء ، وأولئك مواقع بدت فيها الشجاعة والمروءة والنجدة والقوة من الجانبين .

ثم استقرت حياة النضال بين القبائل المعتدية والقبائل المتعدي عليها وآذنت حياة الكفاح بسكون ، فإذا قصص الفروسية والحماسة تطفو على كل شئ وإذا هي تصبح أدبا يغنيه الشعراء الجائلون . حينما سكنت الحروب بين القبائل المغيرة والقبائل الأصلية طافت أخبارها فأصبحت شائعة بين العامة والخاصة على السواء . ثم اتخذها بعض الشعراء المتنقلين مادة لشعرهم وغنائهم . وقد كان الملك أرثر كما اسلفنا بطل هذه القصص التي تغناها هؤلاء : كان بطل المسيحيين الذين صدوا الوثنيين وكان بطل البريتين الذين كافحوا قبائل السكسون . ثم تحبلت الأجيال فإذا قصص الملك ارثر وأساطيره تزيد حجما وقيمة ، وإذا هو يخلد في بطون الكتب لأن كل جيل كان يضفي عليه وعلى أعماله خيالا جديدا ، ثم إذا فرسانه الاتنا عشر يمتازون بما يمتاز به

الفرسان في كل حين من حب الكفاح في سبيل المبدأ ومن حدب علي الضعيف وعطف على المظلوم

وإذا أنت حاولت أن تتأثر حياة القبائل البربرية الآخرى التي هبطت أوربا في القرن السادس وما يليه راعك منها قصص من مثل تلك التي سلمت لنا عن الملك أرثر ، ثم إذا أنت بحثت شعر الملاحم رأيت أن منشأه هو حياة الكفاح والرحلة هذه التي عاشتها القبائل الأولى قبل أن تتحد وتصبح أما ، ففي حياة كل أمة عصر من عصور البطولة تختلط فيه القبائل إما متحاربة وإما متحابة . وفي عصور البطولة هذه أدوار من الصراع سرت إلي الأدب فقام عليها شعراء يرسلونها في قصائد طويلة . وليست إلياذة هوميروس نفسها إلا نتيجة الكفاح التي عاشتها القبائل قبل أن تسكن المدائن الإغريقية . فقد نزح                    الدوريون والأخبون إلي شبه جزيرة المورة فنتج من ذلك كفاح شديد هو الذي خلده هوميروس - أو شعراء سميناهم هوميروس - في هذه القصيدة الطويلة التي نسميها الإلياذة . ومثل هذا القول ينطبق في كثير أو قليل علي ملاحم أهل الشمال النورديين ، بل ينطبق على الشاهنامة فيما كتبه الفردوسي وعلى المعلقات وغيرها من قصائد الجاهلية لولا أن المعلقات تخلو من عناصر الملاحم الأخرى ) ١١

ويطول بنا الحديث إذا نحن حاولنا أن نبسط الكلام في القصص والأساطير التي نسجت على غرار " الملك أرثر " فقد أصبحت قصص الملك أرثر وأساطيره نموذجا يحاول الشعراء والكتاب والمغنون أن يحتذوه . وكانت حياة الفروسية كما أسلفنا دافعا لهذه المحاكاة وكانت البيئة صالحة لتقبل كل ما يختلق  من الأعاجيب . لذلك لم ينقص القرن الثامن إلا وكانت اساطير أخري قد تنشأت في أدب الفروسية ، لكنها في هذه المرة عن شارلمان بطل الفرنجة .

والتاريخ يحدثنا أن شارلمان قد اتصل ببعض الثوار العرب سنة ٧٧٧ وانه اقتحم جسكونيا إلي جبال البرانس ليلتقي بالخليفة في سرقسطه . لكنه اضطر ان يعود ليخمد ثورة أخري قام بها السكسون . على أنه في عودته لقي أكبر ماحاق به من كوارث الحرب . فقد تألب عليه أهل جسكونيا والتفوا بمؤخرة جيشه في سهل هنالك . وما زالوا بجنود شارلمان حتى أفنوهم موتا وتقتيلا . وبرز في هذه المحنة " رولان "

وكان يكفي أن يكون هذا مبدأ لأسطورة يحيكها خيال الشعراء الجائلين . وتضخمت القصة حتى بلغ الجيش أضعاف أضعاف ما كان ، وامتدت هذه الحرب القصيرة حتى بلغت من السنين أضعاف ما بلغته في الواقع من الشهور ، وانقلب سكان جسكونيا فأصبحوا عربا ، وانقلب شارلمان نفسه فطعن في السن وأصبح شيخا عنيفا ، ولم يكن في الواقع إلا رجلا بلغ السادسة والثلاثين حين حاول أن يغزو سرقسطه . وتقلبت هذه الأسطورة في الأشكال التي تقلبت فيها أسطورة الملك أرثر ، لكنها كانت أقرب إلي قلوب العامة من الأسطورة الأولى . فمؤرخو الأدب على أن أسطورة الملك أرثر كانت أقرب إلي ادب الخاصة ، أما اغنية رولان وقصص شارلمان فقد كانت أقرب إلي أدب العامة

أما ثالثة الأساطير التي ينبغي أن نذكرها ، فهي أسطورة " أمادبس " لأنها تتصل بعصر سرقنتينز أشد الاتصال . ذلك بأن كتاب الإسبان هم الذين انتحلوا هذه القصة . فقد أخذوا أصلها من البرتغال ثم زادوه في القرنين الرابع عشر والخامس عشر حتى كان أماديس عندهم مثل ما كان الملك ارثر عند أهل الشمال ومثل ما كان شارلمان عند الفرنجة على أن كتاب الإسبان الذين كتبوا عن أماديس لم يعنوا بأن يكتبوا عن أسبانيا إلا قليلا . فإنها قصة لا تخلو من اللون الإسباني بل تنتظر فيها مناظر ويلز وإنجلترة ونورماندي . وقد حاول كتاب الإسبان أن

يحاكوا قصص الملك أرثر في كل ما امتازت به فخرجت " اماديس " وهي تحج بقمقمة النضال والأسنة ، وخرج البطل نفسه وهو نسخة قائمة من الملك أرثر . ولكن لم يخطر لهم أن يصوروا مناظر إسبانيا ، لأن قصة الملك أرثر  كانت قد علقت بخيال الناس وكان الكتاب يريدون أن يرضوا خيال هؤلاء .

الأصل إذن في هذه القصص والأساطير هو القصة الأولى التي بدأت من القرن السادس ، أما القصص الآخر فقد جاءت تبعا لها وقد اجتمعت هذه الأساطير الثلاث التي أوجزنا لك الحديث عنها في إسبانيا في أخريات القرن الخامس عشر وكان لها من الوقع في النفوس ما حببها إلى الشعراء والكتاب . في سنة ١٤٩٢ سقطت غرناطة واتحدت  إسبانيا تحت حكم واحد . وانتهى نظام الإقطاع أو كاد واستشرفت الحياة العامة إلي عصر من المجد القومي . لذلك ظل الناس متشوفين إلي هذا العذب من أدب الفروسية . ومضي قرن من الزمان والكتاب يغذون هذا الخيال النهم . وقد ساعد على ذلك أن الأمراء كانوا قد سلبوا السلطة فانثنوا إلى الأدب يرعونه رعاية سارت به قدما إلي نهاية القرن الخامس عشر . ثم اتت فترة ضاق  فيها الناس بهذا النوع من الأدب وانقلبت الأعاجيب في نظرهم سخافات ، وهنا يظهر سرقنتيز وتنجح قصة " دون كيشوت " .

ولكن أين يكون أثر العرب في كل هذا الذي ذكرت ؟ لاشك إنه كان للعرب في إسبانيا ايام من المجد كانوا فيها هم السادة وكان الإسبانيون على آثارهم سائرين . وكان لابد أن يكون بهم مثل مبادئ الفروسية والمروءة التي ذكرنا ثم لقد أثبت البحث الحديث أن كثيرا من قصص العرب قد دخل هذه الاساطير التي عالجنا بحثها . بل لقد أثبت المؤرخون كذلك أن قصصا طويلة قد حيكت حول شخصيات عربية ولكن لكل ذلك حديثا آخر نرجو أن نزجيه فيما بعد

اشترك في نشرتنا البريدية