نشرت الرسالة في عددها الماضي (رقم ٢٤٤) كلمة بتوقيع قارئ ذكر فيها أنه جاء في مقالي (بين تيمور لنك وبايزيد) (المنشور في عدد ٢٤٢) أن تيمورلنك وضع بايزيد بعد أسره في قفص من حديد كما فعل قيصر مع سابور ملك الفرس، وافترض (قارئ) أن في ذلك خطأ تاريخياً شاء أن يحمل نفسه مؤونة الرد عليه
وعرض الأمر على هذه الصورة بعيدة عن الحقيقة أيما بعد، فلم أقل في مقالي ما زعم (قارئ) أنني قلت به وكل ما هنالك أنني ذكرت في معرض النقل عن ابن عربشاه مؤرخ تيمور ما نصه: (وهنا تعرض أغرب صفحة في تلك المأساة الشهيرة فإن ابن عربشاه مؤرخ تيمور يقول لنا إن الفاتح التتري سجن بايزيد في قفص
من الحديد كما فعل قيصر مع سابور ملك فارس) (عجائب المقدور ص١٣٩) ؛ فهذه كلمات ابن عربشاه بنصها لم أشأ أن أعرض لها بإثبات أو نفي لأنها لم تكن مقصودة لذاتها؛ وهذا ما كان حرياً بكتاب الكلمة أن يذكره، ولكنه أغفل ذكره، وشاء أن ينسب القول إلي لحكمة لم أفهمها
على أني أزيد أيضاً أن ابن عربشاه لم يكن مخطئاً في إشارته، وأن (قارئاً) خلط بين واقعة تاريخية وبين أسطورة، فقصة سابور ملك الفرس مع الإمبراطور فاليريان قيصر الرومان لا الروم (وهذا تفريق تاريخي لابد منه) وانتصار سابور عليه مقربة من حصن (الرها) القديم (سنة ٢٦٠م) وأسره حتى وفاته، أشهر من أن يخطئ في نقلها أو ذكرها أحد؛ وهذا ما لم يقصد ابن عربشاه أن يشير إليه، وإنما قصد الإشارة إلى أسطورة تاريخية مشهورة أخرى ينسب وقوعها إلى ما بعد ذلك بنحو أربعين عاماً، وخلاصتها أن الإمبراطور جاليريوس فاليريوس (وليس فاليريان) حينما انتصر على الفرس في جبال أرمينية (سنة ٢٩٧م) أسر ملكاً أو أميراً من أمراء الفرس يدعى سابور ووضعه في جلد بقرة؛ أو على قول بعضهم في قفص من الحديد؛ وتنسب بعض الروايات هذه الواقعة إلى الإمبراطور مكسميان؛ بيد أنها تعتبر كلها في عرف التاريخ أسطورة لا سند لها (راجع أدوار جيون - الفصل الخامس والستين والهوامش)
وإذا كان (قارئ) ينشد الحقيقة فإنا ننشدها جميعاً بيد أنه يحسن دائماً أن توضع الحقائق موضعها وفي مناسباتها الصحيحة

