اليوم يغشانا الصيف الرابع من أصياف هذه الحرب . وقد ألفنا أن تري نيرانها تزداد اشتعالا ، وجمرها يزداد اضطراما ، حين يتجلي الشتاء ، وتطلع بشائر الصيف . فلم يكن الصيف موسما من مواسم السنة وفصلا من فصولها فحسب ، بل كان دائما ينطوي على فصل هائل من فصول هذه الأساة .
بدأ الصيف الأول - عام ١٩٤٠ - مبكرا ؛ من قبل أن يبدأ الصيف الذي يعرفه الناس . لقد كان أمام الألمان في ذلك الصيف برنامج حافل بجلائل الأعمال ، يشتمل على أمور عظيمة وأخصها الاستيلاء على اسكندناوه وهولنده وبلجيكا ، وشطر كبير من فرنسا ، وعقد الصلح مع بريطانيا بالرضا والتسليم إن أمكن ، وإلا فالقوة
والقهر . وهكذا يتم النصر الكامل لألمانيا قبل أن يحول الحول ، وينعم الشعب الألماني بالسعادة والرفاهية والسيادة ، إن تحقيق هذا البرنامح في عام واحد ، وفي تلك السرعة الهائلة ، وبأقل خسارة ممكنة في الرجال والمال هو وحده الذي يبرر إثارة حرب شعواء من أجل دنزج والحر البولوني . وقد تحقق هذا البرنامج ، إلا جزءا واحدا . وبسبب هذا الجزء قد امتدت الحرب صيفا ثانيا وثالثا ورابعا .
وبدأت ألمانيا . وهي بعد البادئة أبدا - صيفها الثاني مبكرة أيضا . وبجانبها الآن حليفتها إيطاليا . فلم يكد الربيع أن يطل على جنوب أوربا ، ويكسو أشجارها ورقا وزهرا ، حتى انقضت ألمانيا - عام ١٩٤١ - علي
البلقان فاستولت على يوجسلافيا وبلاد اليونان وألبانيا وبسطت نفوذها التام على بلاد المجر ورومانيا وبلغاريا . واستطاعت أن تستولي على سواحل بحر اليونان ، وأن توطد أقدامها في جزره الكثيرة ومنها جزيرة كريت . ولم يأت شهر يونيو حتى كانت دولتا المحور قد أحرزتا هذا النصر العظيم في شبه جزيرة البلقان . كما تقدمت قوائهما في ليبيا حتي بلغت الحدود المصرية .
وقد استطاعت دول الخلفاء أن تحرز انتصارا صغيرا . ولكنه خطير ، في مقابل تلك الانتصارات العظيمة . ذلك أن قواتهم استطاعت أن تجلي جيوش فيشي عن سوريا ولبنان ، وان تستبقى طبرق حصنا متيما يحول دون توغل دول المحور في شرق ليبيا .
ولكن حادثا آخر قد حدث في ذلك الصيف ، وهو من غير شك أجل وأعظم من كل حادث آخر ؛ ذلك أن ألمانيا قررت أن تغير على روسيا وأن تزيد اعداءها بما لا يقل عن مائة وستين مليونا من الأنفس . ولعل هذا هو السبب الذي دعا ألمانيا إلي التبكير في ذلك الصيف ، لكن تجد من الوقت متسعا للاستيلاء علي روسيا . وأن تزيل من الوجود هذا الخطر الذي يتهددها من الشرق .
وفي الصيف الثاني - كما في الأولى - حققت ألمانيا البرنامج المرسوم ؛ ماعدا جزءا واحدا . فإن روسيا لم تتحطم ولم تنهزم ، ولم يكن يد من أن تطول الحرب الروسية عاما ثانيا وثالثا .
وبدأت ألمانيا حربها في الصيف الثالث مبكرة نوعا ما وإن جانبها اليوم حليف جديد هو اليابان . وأمامها عدو جديد هو الولايات المتحدة الأمريكية .
إن ذلك الصيف الثالث في الحرب هو الصيف الماضي عام ١٩٤٢ ، وهو الوقت الذي تذكره نحن سكان مصر في شيء غير قليل من القلق ، في ذلك الصيف زحف الألمان ، حتى بلغوا أبواب مصر ، ثم تقدموا حتى صاروا
على بعد ميل من الإسكندرية ، ومن وادي النيل وكانت إغارات طائراتهم لا تكاد تنقطع . وتهديدهم للقطر المصري والشرق الأوسط مائلا للعيان . ولكن شاءت المقادير أن يقفوا عند أبواب وادي النيل ، ولا يتجاوزوها وأن يتحقق برنامجهم الإفريقي كله إلا جزءا يسيرا .
وفي روسيا وجه الألمان هجومهم مبكرين نحو القوقاز ، وركزوا جهودهم كلها في حاجز ضيق ، لكي يصلوا إلي منابع البترول وإلي الشرق الأوسط من طريق آخر ، فيكون الهجوم الألماني في ذلك الصيف الثالث ، مرسوما على حسب التعبير المشهور علي صورة ينسقي المقراض ، أحد الشقين موجه نحو مصر ، والآخر نحو القوقاز ، لكي يلتقي الشقان في إيران وسهول دجلة والفرات ... وهذا البرنامج الهائل قد تحقق جله ، ولكن لم يتحقق بعضه ، ولا بد لألمانيا أن تواجه صيفا رابعا .
وها نحن أولا، اليوم قد أظلنا الصيف الرابع ، بل لقد انقضى منه شطر غير قليل . ألمانيا لم تبدأه مبكرة ، بل إنها لم تبدأ بعد شيئا ، ومن عادة الاألمان أن يقضوا الشتاء في الاستجمام والاستعداد ، و أن يلتزموا فيه خطة الدفاع ، ريثما تحشد الحجافل ، وتعد العدة ، وترسم الخطة ولا بأس عليهم في أثناء هذا الوقت أن يخسروا بعض ما كسبوه . فإن استعدادهم للصيف التالي كفيل بتعويض ما فقدوا ، واسترداد ما خسروا .
ولكنهم في الشتاء الماضي قد عانوا خسائر لا تعوض وفقدوا أرضا لا يستطيعون استردادها . فقد فقدوا القارة الإفريقية ، وتركوا في الأسر جيشا عظيما بعدته وذخيرته ورجاله وقادته . ومكنوا أعداءهم من السيطرة على سواحل بلاد المغرب ، والانتفاع بطريق البحر الأبيض المتوسط ، بعد أن كان استخدامه محفوفا بالأخطار . وفي روسيا فقد الألمان في الشتاء الماضي القوقاز كله إلا نقطة واحدة ، وفقدوا النصف الشرقي من أوكرانيا . وتراجعوا عن
لتنجراد وعن أماكن أخري في الميدان الروسي العظيم وجلاء المحور عن تونس يجب ألا بعد جزءا من حملة الصيف ، بل هو في الحقيقة خاتمة أعمال الشتاء .
أما الصيف الرابع فلم تبدأ أعماله بعد . وقد انقضت منه أسابيع ولم تبدأ ألمانيا شيئا ، وقد كانت هي البادئة دائما . فهل معنى هذا أن ألمانيا - للمرة الأولى في هذه الحرب - لم تعد هي البادئة ؟ لاشك في أن قوات المحور قد عانت في الشتاء الماضي خسائر لم تعان مثلها من قبل في أي شتاء أو صيف ؛ ولعل في هذا الأمر وحده ما يفسر هذا التأخر في أعمال الصيف
ويتحدث كثير من الألمان اليوم عن " قلعة أوربا " يصفون الأقطار الواسعة الفنية التي تسيطر عليها ألمانيا بأنها بمثابة قلعة حصينة منيعة ، ليس من السهل أن تنال بسوء .
ووصف أوربا الخاضعة لحكم المحور بأنها قلعة ، يفهم منه أيضا معني المحاصرة ، ومعنى الدفاع ؛ فلقد تقطعت الأسباب بين تلك البلاد وبين جميع أنحاء العالم . ففي الشرق تواجه هذه القلعة عدوا عنيدا ، قد ثبت أمامها عامين كاملين في ميدان ضخم واسع يمتد من البحر القطبي إلي البحر الأسود ، وفي الجنوب يحيط بالحصن خندق واسع عظيم ، تتلاطم أمواجه ، من بحر اليونان إلي حدود أسبانيا ؛ ومن الغرب يمتد الحصن من الرأس الشمالي في بلاد تروح إلي شواطئ فرنسا الغربية ؛ وهنالك دول مثل أسبانيا في الغرب وتركيا في الشرق لا تزال متمسكة بالحياد وهي متصلة بتلك القلعة اتصالا مباشرا ، ولكن من ورائها بحار وأقطار تسيطر عليها الدول المتحدة ، فإذا أرادت ألمانيا أن تستورد بواسطة أسبانيا بعض حاجاتها من مواد الحرب ، فإنها ستجد هذا الأمر شاقا عسيرا
ولقد أتي علي أسبانيا حين من الدهر كان الناس يتوقعون منها أن تنضم إلي دول المحور وأن تجاهر بريطانيا
بالعداء . ففي أسبانيا كثير من أنصار المحور ، وحكومتها مدينة لألمانيا وإيطاليا بمساعدتها في الحرب الأهلية ولكن غريزة سليمة قد جعلت أسبانيا تتريث ، ورأت الحرب تتقدم ويطول أمدها . وتزداد ويلاتها ، فآثرت الحياد والسلامة ، ويوشك حيادها اليوم أن يكون تاما ، خصوصا بعد أن انضمت الولايات المتحدة ، وكثير من دول أمريكا اللاتينية إلي صفوف أعداء المحور . ولا ينتظر أن تخرج أسبابيا عن ذلك الحياد .
أما تركيا ، فمن الواضح أن حيادها مشرب بالعطف على الدول المتحدة ، وقد استطاعت أن تجني من هذا الحياد مغانم كثيرة . ولن يخرجها عن هذا الحياد سوي إيمانها التام بأن مثل هذا الخروج سيزيد تلك المغانم ، أو يذود عنها شرور تهددها ، ولا ينجيها منها إلا أن تدخل الحرب مع الدول المتحدة .
ومهما يكن من شيء فإن قلعة أوربا قد ضرب عليها حصار كبير واسع النطاق ، ولا يقلل من خطر هذا الحصار أن تكون هنالك دول محايدة مثل سويسره والسويد وأسبانيا والبرتغال وتركيا .
أما أن هذا الحصن منه لا ينال بسوء . فلا شك في أن اقتحامة ليس بالأمر السهل . وأيسر الوسائل للنيل من هذه القلعة ، ومعاقبة المعتصمين بها . تلك الإغارات العظيمة من الجو ، التي ازدادت عنفا وشدة في هذا الصيف . والتي اشاعت الخراب والتدمير في كثير من المدن الألمانية والإيطالية . وقد عجزت دول المحور أن تقابل هذه الغارات بمثلها . وليس هذا العجز عن تعفف ، وإشفاق على الأرواح البريئة . ولكن الناس رغم هذا يتساءلون : هل يستطيع الهجوم الجوي وحده أن يدك تلك القلعة العظيمة وأن يرغم الدافعين عنها إلي التسليم " من غير قيد ولا شرط " ؟ لقد خاض الكتاب في هذه المسألة ، وذعم كثير منهم أن الهجوم الجوي أسرع الوسائل وأقلها
نفقة لإنهاء الحرب . ولكن هنالك أمرين يجعلان مثل هذا النصر العاجل السهل شيئا غير قريب الوقوع . أولهما أن الأقطار التي في متناول الطائرات ، حتى البعيدة المدي منها ، لا تزال محدودة . فأن الإقليم الوحيد الذي أمكن إلي الأمد إرهاقه بالغارات الجوية هو حوض نهر الرين ، والإقليم الشمالي الغربي من ألمانيا . وكلاهما من أشد أقطار ألمانيا ازدحاما بالسكان في وقت السلم ، وهو أغناها بمعدن الفحم والحديد ، وبالمنشآت الصناعية العديدة . ولكن في ألمانيا وفي الأقطار التي تسيطر عليها جماعات غنية بمعادتها وصناعاتها ولا شك كثيرا من المنشآت قد أقيمت بها حديثا ، لأنها تتمتع بنوع من الأمن النسبي من الغارات الجوية . وأشهر هذه الأقاليم ، الجزء الأوسط من ألمانيا ( سكسونيا ) وسيليزيا العليا ، وبوهيميا ، وكذلك بولنده وبلاد الحجر الشمالية . فإذا كانت روسيا لا تزال تحارب برغم فقد كثير من أقطارها الغنية فقدا تاما فليس بمعقول أن تكف ألمانيا عن الحرب لمجرد تدمير مدن الرور والجهات الشمالية الغربية منها ، على فرض أن الغارات كانت من الكثرة والعنف بحيث دمرت تلك الجهات تدميرا تاما .
الأمر الثاني في تلك الغارات الجوية العنيفة أنها تتطلب عددا هائلا من قاذفات القنابل الضخمة ذات المحركات الأربع ، التي تستطيع أن تقطع ألفين أو أكثر من الأميال . ولدي الدول المتحدة عدد هائل من هذه القاذفات العظيمة ، ولكن جزءا كبيرا منها - لعله يزيد على النصف - لابد من تخصيصه لمحاربة الغواصات ، وحماية قوافل السفن في الذهاب والإياب . ولهذا قد لا يكون من الممكن - على الأقل في هذا الصيف الرابع - أن تتوافر القاذفات بحيث تؤدي وظائفها الثلاث ، وهي : الاشتراك في الحرب في ميادين القتال ، وحماية السفن في البحار ، والغارات الليلية على الموانئ والمنشآت الصناعية .
لو أن الإغارات كانت من العنف والاستمرار ، بحيث أعجزت المانيا عن استخراج الفحم من حوض الرور ، لكان في هذا ما يحمل على الظن بأن تلك الغارات ستكون عاملا مقررا في إنهاء الحرب . ولكن ليس من السهل أن تتصور أن هذا الأمر سيتم في هذا الصيف . ومع التسليم بأن الدول المتحدة ستجني فوائد حربية عظيمة من غاراتها على ألمانيا . فإنها لابد أن تلجأ إلي وسائل أخري للهجوم على تلك القلعة الأوربية هجوما مباشرا . ويحيط بهذه القلعة العظيمة سياج يبلغ عشرات الآلاف من الكيلومترات بعضها يطل على البحر المتوسط وخلجانه وجزره . وبعضها يطل على المحيط الأطلسي وبحاره وجزره . وهنالك الجانب البري لهذه القلعة قد أشرفت عليه جيوش السوفيات وهي تتأهب لحملة الصيف الثالثة ، لقد كانت قوات روسيا البرية تحمل العبء الأكبر في هذه الحرب ، وإليها يرجع كثير من الفضل في أن أتيحت الفرصة لسائر الدول المتحدة للتأهب والاستعداد ، وفي عنق الحلفاء دين لروسيا أن يكافئوها على جلادها وجلدها الطويل ، يفتح ميدان جديد ، وبالإغارة من البحر على القلعة الأوربية بروندق البحري بتلك القلعة واسع عظيم ومن العبث أن يتوهم الإنسان أن دول المحور قد تمكنت من أن تحيطه كله بسياج ضخم ، وحصون مانعة ، إن نجاح الدول المتحدة في هذا الغزو رهين بحسن استعدادها ، وباختبار المكان الملائم ، الذي تستطيع طائراتها فيه أن تعطى جيوش الغزو الحماية الجوية الكافية .

