تفضل زميلى الدكتور عبد اللطيف حمزة فعلق فى العدد السابق من الثقافة - بآراء حول كتاب الفن ومذاهبه فى الشعر العربى . وقد كنت أوثر أن أدع له آراء يكونها كما يريد ، فمن حق كل شخص أن يؤلف لنفسه صورة عما يقرؤه ، وأن يقف منه موقفا سلبيا أو إيجابيا . غير أنى رأيته يستطرد فيهاجم الفكرة الأساسية فى الكتاب ، وهى فكرة وضع مذاهب فنية تفسر صناعة الشعر العربى فى أطواره المختلفة ؛ وقد استعان فى إحكام هذا الهجوم بفكرة الأصالة التى تعم فى رأيه الشعر وأصحابه ونماذجه ، بحيث لا نستطيع أن نقطع بتشابه شاعر مع شاعر ، أو تلمذته له من قريب أو من بعيد ، لأن الشعراء يعيشون فى حياتهم الفنية منبتين ، لا مذهب يجمع بينهم ولا مدرسة .
ليس فى الشعر العربى مذهب ولا مدرسة ، وكل بحث يرمى إلى إثبات ذلك ، مهما اتخذ من مراصد ومقاييس ، فهو بحث باطل ، أو هو على الأقل بحث ينزلق بصاحبه إلى تعميمات وأخطاء فى الأحكام الأدبية ، لأنه يؤصل مذاهب ومدارس على مزاعم وأوهام لا أصل لها ولا فرع فى الفن العربى ، فإن من يتأمل فيه يلاحظ أنه أثر من آثار الجهود الشخصية ، وليس أثرا من آثار التطور الذى يحدث المذاهب والمناهج . ويا لها من دعوى خطيرة تهدم كل تنظيم قام به المحدثون فى دراسة الشعر العربى وبيان أطواره ومذاهبه ؛ بل إنها لتهدم كل ما قام به أسلافنا من تخطيط مذاهب الشعراء وبيان مناهجهم ، لماذا ؟ لأنه ليس هناك مذاهب ولا مناهج فى حقيقة الأمر ، إنما هى أشياء تكلفها النقاد القدماء والمحدثون
من تلقاء أنفسهم !!
وإذن فليحطم النقاد أقلامهم ، ولينبذوا كتبهم وأبحاثهم فى آثار الشعر العربى ، لأنهم لم يلتفتوا إلى قانون الأصالة الساحر الذى يعرضه علينا الدكتور عبد اللطيف عرضا خلابا لا يكاد يبقى فى نفوسنا ولا فى عقولنا بحثا منظما قرأناه أو درسا مؤصلا صنعناه . وهل بقى فى أيدينا شىء من عمل قديم أو حديث فى دراسة الشعر العربى وتفسير أطواره ومذاهبه ؟
إننا لن نستمع بعد اليوم لأحكام أبى الفرج فى عقد المشابهات والمشاكلات بين الشعراء فى أغانيه ، ونحن أيضا لن نستمع بعد اليوم لما يقرر فى كتب النقد العربى عن أصحاب المناهج القديمة والأخرى الحديثة . لن نستمع إلى ما يقرره الآمدى فى كتاب الموازنة بين أبى تمام والبحترى ، ولا إلى ما يقرره الجرجانى فى الوساطة بين المتنبى وخصومه ؛ بل سنندفع - وراء الدكتور عبد اللطيف - فى حال ثورة عنيفة ، فنرفض كل الأبحاث الأدبية الطريفة التى أثارها الجاحظ ، وابن المعتز ، وقدامة ، والباقلانى ، والعسكرى ، وعبد القاهر ، وابن رشيق ، وابن الأثير ، وأمثالهم ، ما داموا يستبيحون لأنفسهم هذه المنطقة الحرام ، منطقة الشعر والفن يخترعون لها تلك المقاييس المنكرة التى تكشفها وتفسرها تفسيرا مبينا .
وا أسفاه ! لن نقرأ بعد اليوم فى كتب تاريخ الشعر العربى التى تعنى بعقد المقارنات بين الشعراء من مثل الأغانى واليتيمة ، وكذلك لن نقرأ فى كتب النقد العربى لأنها كتب تخطىء أخطاء شديدة إذ تشير إلى مذاهب ومناهج لا أساس لها من واقع مادى ، وأيضا نحن لن نقرأ فى الكتب التى تصف صناعة الشعر والتى كان القدماء يسمونها كتب البلاغة ، لأن ذلك كله ينتهى بنا إلى خطأ التعميم فى الأحكام الأدبية !
كلا ! لا تجزعوا أيها الأصدقاء القدماء من نقادنا ، فسنظل نحتفظ بكم وبكتاباتكم ؛ وإن اختصمنا بعد ذلك
مع صديقنا الدكتور عبد اللطيف بسبب الحرص عليكم ، والانتفاع بآرائكم ، وما أذعتموه من أسرار الفن فى الشعر ونواميسه ؛ فإن أنتم أشرتم عابرين إلى مدرسة زهير فى العصر الجاهلى ، أو أشرتم إلى مدرسة البديع فى العصر العباسى ، وجدتم منا من يحرص حرصا شديدا على بحث هاتين المدرستين ونظائرهما ليضع تقاليد هذه المدارس الفنية ، وما شاع فيها من أصول وقوانين .
لن نصغى إذن إلى دعوة الدكتور عبد اللطيف حمزة ، إذ يدعونا إلى احترام قانون الأصالة ، ما دام هذا القانون يحول بيننا وبين الدراسة العلمية المنظمة للفن والفنانين ؛ بل أنا أسارع فأطمئنه إلى أن هذا القانون احترمه النقاد جميعا ، قديما وحديثا ، حين حاولوا أن يضعوا المذاهب الفنية ، وإلا لما استبانوا مذهبا جديدا ، ولا عملا لشاعر فى مذهب قديم .
لا ينكر النقاد قانون الأصالة فى الفن ، بل هم يحتكمون إليه فيما يؤسسون ويؤصلون ، وكل ما فى الأمر أنهم لا يتخذونه كما يتخذه الدكتور الفاضل رمزا لخبىء ، أو مستور ، أو شىء مما وراء الطبيعة فى الفن والفنانين ، إنما هو رمز فى رأيهم لتجديد أصحاب المذاهب وتنمية تلامذتهم لها ، وصعودهم بها إلى الآفاق العليا ؛ ومن أجل ذلك كانوا إن حاولوا تنظيم دراسة فى مذهب يتحدثون عن أساتذته وتلامذته ، وصنيع كل منهم فى داخله ، حتى تتضح المفارق الدقيقة بين الشعراء .
أما إن كان الزميل يريد بالأصالة معناها المطلق من الجهود الشخصية ، كما يقول ، وما يستتبعه ذلك من الحرية الفردية بين الشعراء والفنانين ، فإن الأصالة تصبح مجرد أسطورة لا تحتمل جدلا ولا مناقشة . ولست أظن أن باحثا يستطيع أن يزعم - فى هذا العصر الذى يؤمن بمذهب الجبر والتأثر العميق النافذ بين الفرد والجماعة فى جميع الدراسات - أن شعراء العرب نبتوا نباتا غير منظم ، فليس بينهم صلة ولا واشجة ، ولا فى شعرهم
أثر من بداوة قديمة ، ولا حضارة عباسية حديثة ، إنما هم يعيشون معيشة منعزلة غريبة ، يعيشون متنابذين لا يقبل بعضهم على بعض ، ولا يستفيد بعضهم من بعض ، إذن لما صح أن يكون بينهم فكر مشترك ، ولا أسلوب مشترك ، ولا صورة مشتركة ، ولا موضوع مشترك ، بل ولا تركيب مشترك ، ولا نحو مشترك .
والحق أنه لا يوجد بين نقادنا من ينكر التشابه والتماثل بين الشعراء ، وأنهم كانوا يتتلمذون بعضهم لبعض . تشهد بذلك النصوص القديمة عند الجاحظ وأبى الفرج والآمدى وغيرهم من النقاد القدماء ، وهم لم يقولوا ذلك لمطلق تنظيم الدراسة ، بل قالوه ليعبروا عن الوقائع المادية للشعر العربى . ويأتى المحدثون فيتعقبون ما أشار إليه هؤلاء النقاد من مذاهب ومدارس معتمدين لا على التأمل فقط ، بل على الدرس العلمى المنظم حيث تراهم يأخذون أنفسهم بأصول مقررة ، فهم لا يستطيعون أن يقولوا بقاعدة دون أن يشتقوها من نماذج كثيرة ، فإن هم استخرجوا قاعدة من نموذج معين أو بيت معين كانت قاعدة معينة بهذا النموذج أو هذا البيت لا تقطع بشىء ، إذ القطع فى الأحكام الأدبية يستلزم أن تكون مطردة فى نماذج متنوعة .
ليس الأصل عند من يصطنعون المذاهب الفنية أن يفرضوا قاعدة ويطبقوها ، فذلك إن صح فى قواعد الطبيعة فإنه لا يصح فى قواعد الشعر الملىء بالشذوذ والاستثناء ، ومن أجل ذلك كان النقاد لا يحكمون بشىء دون أن يشتقوه من نص بل من نصوص مختلفة ، إذ ليس مرجع هذه القواعد التى نتخذها فى المذاهب إلى خواطر وفروض ، بل هى ترجع إلى النصوص نفسها ، فهى قواعد مسببة أو معللة ، ولا بد لها من الاطراد فى النماذج والأبيات المختلفة ، مع التسليم بأن القاعدة الفنية قد تتخلف فى بعض النماذج ، ولكن هذا لا يعنى بطلانها إنما يشير إلى صفتها ، وهى صفة تجعلنا ندرس ما قد يحدث من شذوذ أو استثناء لنتبين
علله ومصادره . وعلى هذا النمط يستخرج النقاد - بعد استقراء شاق طويل - القاعدة والقواعد الأدبية ، ثم يشكلون من مجموعة هذه القواعد المذاهب الفنية .
أما تلك الظاهرة التى يعجب منها الدكتور الزميل ، وهى أن أبا العلاء لم يحسن فلسفة الشعر ، بينما أحسن ذلك أبو تمام ، فقبل كل شىء ينبغى أن نحدد ألفاظنا لأن صاحب الكتاب لا يستطيع أن ينتهى إلى هذه النتيجة ، بل إنه لا يجرؤ على القول بها ، إذ كل ما أشار إليه أن أبا تمام استطاع أن يستخدم عقدا من الفلسفة استخداما زاهيا كأدوات من التصنيع والتجميل ، بخلاف أبى العلاء فإنه فلسف الشعر حقا ، ولكن لم نر عنده هذه الظاهرة من استحالة الفلسفة والثقافة إلى ألوان زاهية ، لماذا ؟ لأن أبا العلاء من أصحاب مذهب التصنع ، بينما أبو تمام من أصحاب مذهب التصنيع ، وليس هنا مجال الحديث عن نشوء المذهبين ، وبيان تأثير الحياة الاجتماعية والعقلية فيهما ، فذلك قد فسر فى الكتاب - على ما نظن - تفسيرا واضحا لا يدع مظنة لتعجب ولا لسؤال .
وأخرى ، وهى أن الدكتور الزميل يأخذ علينا أننا جعلنا مذهبى الصنعة والتصنيع يظهران فى طورين متعاقبين ، وقد عجبت من هذه الملاحظة ، لأن الكتاب يجعل هذين المذهبين متعاصرين أثناء العصر العباسى ، إذ كانا يتقابلان طوال القرنين الثانى والثالث ؛ وقد مثل مذهب الصنعة فى القرن الثانى أبو نواس ، ومثله فى القرن الثالث البحترى وابن الرومى . بينما كان يمثل مذهب التصنيع فى القرن الثانى مسلم وفى القرن الثالث أبو تمام وابن المعتز ، وعلى ذلك أديرت فصول القسم الأول من الكتاب .
وأنا بعد أرانى فى حاجة هنا إلى الاعتراف ثانية بما صرحت به فى مقدمة البحث ، من أننى لا أزعم لنفسى أنى كشفت عن جميع جوانب الفن فى الشعر العربى ومذاهبه ومناهجه ، إنما حاولت ذلك ، ودللت عليه ؛ غير منكر ما قد
يكون فى هذا البحث الجديد من أثارة إبهام أو غموض . وإنى لأبعث إلى الزميل الدكتور عبد اللطيف بتحية طيبة ، مستأذنا فى أن أختم هذا الحديث بقول الجاحظ فى مفتتح بيانه : (( اللهم إنا نعوذ بك من فتنة القول ، كما نعوذ بك من فتنة العمل ، ونعوذ بك من التكلف لما لا نحسن ، كما نعوذ بك من العجب بما نحسن )) ... اللهم آمين ... !
