الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 252الرجوع إلى "الثقافة"

حول كتاب الفن ومذاهبه، فى الشعر العربى

Share

الذين يتأملون الفن العربى يعجبون أحيانا من هذه الملاحظة التى لم أعرف بعد كيف أعللها وهى : أن هذا الفن العربى كثيرا ما يبدو أنه أثر من آثار الجهود الشخصية التى يبذلها العباقرة فى كل ضرب من ضروبه ، وأنه ليس أثرا من آثار التطور الذى يخضع له الفن الأوروبى .

والشعر أدخل أنواع الأدب كلها فى دائرة الفن . والملاحظة التى نذكرها الآن أكثر انطباقا عليه من النثر ، لأن النثر أدنى من الشعر إلى العقل . ومن السهل مثلا أن تجد تلميذا للجاحظ أو بديع الزمان أو القاضى الفاضل ، ولكن ليس من السهل أن تجد تلميذا لأبى تمام أو المتنبى أو المعرى .        ولكن هل معنى ذلك أننا نسكت عن تاريخ الشعر العربى ؟ أو هل معنى ذلك أننا نقف عند وصف الجهود التى بذلها رجال الشعر العربى؟ لا - بل الواجب أننا نحاول تنظيم الشعراء فى صفوف بقدر المستطاع . وهذا ما قد فعله القدماء حين جعلوا الشعراء طبقات بحسب الزمان أو لمكان ؛ ثم هذا ما يفعله المحدثون فى الوقت الحاضر حين يجعلون الشعراء مذاهب ومدارس ؛ وذلك بحسب الطرق الفنية التى يصدر عنها الشعراء بزعمهم . وهذا وذاك نوع من التكلف لا غنى عنه لتنظيم الدراسة لا أكثر ولا أقل .

نعم - يجب أن يحاول هذه المحاولة ، ولكن لا ينبغى لنا مطلقا أن تنسينا هذه المحاولة أن الشاعر ، لأنه صاحب فن ، لابد أن تكون له أصالته التى يمتاز بها عن غيره من الشعراء مهما اتقفوا معه فى العلم أو العقل أو البيئة أو المزاج أو غير ذلك من أسباب الاتفاق .

وإذا لم يكن الأمر كذلك ، فكيف نفسر ظاهرة كهذه الظاهرة ، وهى : أن المعرى لم يحسن أن يفلسف الشعر برغم أنه فى نظر الناس فيلسوف ، وأما أبو تمام فقد

وفق فى أن يفلسف الشعر برغم أنه ليس بفيلسوف ؟ لا سبيل إلى تفسير هذه الظاهرة وأمثالها إلا بالاعتماد على فكرة الأصالة الفنية التى تختلف فى كل عبقرى من عباقرة الشعر عن سواه .

هذه بعض الخواطر التى شغلت ذهنى بعد الفراغ من قراءة الرسالة التى أقدمها لقراء ( الثقافة ) الآن ، وهى الرسالة التى تقدم بها زميلى وصديقى الدكتور شوقى ضيف لامتحان الدكتوراه ، وموضوعها ( الفن ومذاهبه فى الشعر العربى ) . وقصدى من إيراد هذه الخواطر ظاهر ، وهو أن أقول أولا إننى لا أوافق على الفكرة الأساسية نفسها للرسالة ، وإن كنت فى الوقت نفسه لا أتردد مطلقا فى الاعتراف بأنها مجهود شاق أشفقت منه على مؤلفه كل الإشفاق . ورأيت أن أثنى عليه بما يستحق .

ولكن لندع الثناء جانبا لنفرغ للنقد الذى أريد بهذا المقال ؛ فلعل أول ما يؤخذ على هذا الكتاب أن مؤلفه وقع فى خطأ التعميم ، وانزلق فيه بدافع من حرصه على اطراد القاعدة ، فالشعر فى نظر المؤلف هنا ( صنعة وتصنيع وتصنع ) ، وهذه الأطوار الأدبية يتبع بعضها بعضا على هذا الترتيب ، وكل طور منها يستغرق فترة ما من فترات التاريخ . ومعنى ذلك أن الشاعر الذى يأتى فى فترة الصنعة لا يمكن إلا أن يكون من شعراء الصنعة . وهذا قول لا يستقيم لنا وليس من السهل أن نعتمد عليه ـ

وقد يؤخذ أيضا على هذا الكتاب أن مؤلفه كثيرا ما يختفى وراء أساتذته ، وآية هذا أن المؤلف كان ينال من قارئه الإعجاب كله فى الوقت الذى يعرض فيه رأيا خاصا لم يتأثر فيه بغيره ، ولكنه لم يكن ليحظى بهذا الإعجاب كله حين يقف رأى الأستاذ حائلا بينه وبين رأيه .

وأوضح ما تكون الأمثلة على هذا فى كلامه عن المتنبى .

ثم إن من يقرأ هذا الكتاب يحس كأن أبا نواس وبشارا والبحترى وأبا تمام قد استنفذوا جهد المؤلف كله ،

وجعلوه يعدو فى بحثه بقوة تثير العجب والدهشة ، حتى إذا وصل به البحث إلى قضية الإقليمية فى الشعر العربى لم تجد عنده هذه القضية على خطورتها بقية من نشاطا ينفقه فى بحثها ، فيكتفى المؤلف بعرضها عرضا سريعا ينتهى فيه إلى نتيجة تفتقر إلى البحث ، وهى : أن الأقاليم العربية كلها كانت تجهل تاريخ الأدب العربى الذى ظهر بالشام والعراق ، وأنها لذلك لم نبتدع بعد شيئا تتميز به .

ولكن لا يحسبن القارىء أن هذه المآخذ كلها تغض من قيمة رسالة كهذه الرسالة التى تنقدها ، فقليل جدا من المؤلفين من لا يتورطون عادة فى مثل هذه المآخذ التى أذكرها . والرسالة بعد هذا كله تمتاز بأشياء : -

فمن الحق أولا أن يقال إنه ربما كان هذا الكتاب أول بحث حديث شرح لنا طبيعة الشعر العربى ، ووصل فيه المؤلف إلى نتاج لها قيمتها . وإن أعجب فعجبى - كما يقول الناس - لهذا الجهد الشاق الذى بذله المؤلف فى دراسة أبى تمام بنوع خاص ، حتى لكان الكلام عنه هو فى كتابه - كما يقول نقاد الأدب الإنجليزى .

وأخرى من حسنات هذا الكتاب أن مؤلفه ربط فيه بين مظاهر الفن الشعرى ومظاهر الحياتين العقلية والاجتماعية ربطا حسنا . ولعل أروع ما ظهر أثر ذلك فى كلامه عن الشعر الإسلامى فى دور التصنع .

ثم إن المؤلف الشاب انتفع انتفاعا قيما (بالإغانى) من كتب الأدب العربى . بل إن انتفاعه هذا يعتبر حسنة من حسنات كتابه لا ينبغى أن نغفل عنها .

وأما أسلوب الكتاب فله جاذبية من نوع خاص ، إذ يعتمد فى جملته على التكرار بقصد الإيضاح ، لأن صاحبه مدرس ، كما يعتمد أحيانا على التشبيه والخيال - لأن صاحبه أديب كما أنه مدرس . بل إن فكرة الألوان والأصباغ التى اصطنعها الدكتور شوقى فى كتابه فكرة لا تصدر إلا عن أديب بطبعه . فضلا عن أنها أفادتنا كثيرا على فهم الشعراء الذين ذكرهم فى هذا البحث القيم .

( وبعد ) فإذ يشكر القراء المؤلف الذى تعب فى وضع

هذا الكتاب ، فإنهم لا شك يشكرون معه الجامعة التى أعانته وشجعته على وضعه . وهم يرجون أن تمضى الجامعة فى إنتاجها قدما ، وأن تعتمد فى هذا الإنتاج أكثر ما تعتمد على الشباب حتى تكون بذلك قد أدت بعض ما يجب عليها نحو البحث العلمى .

اشترك في نشرتنا البريدية