الذين يتأملون الفن العربى يعجبون أحيانا من هذه الملاحظة التى لم أعرف بعد كيف أعللها وهى : أن هذا الفن العربى كثيرا ما يبدو أنه أثر من آثار الجهود الشخصية التى يبذلها العباقرة فى كل ضرب من ضروبه ، وأنه ليس أثرا من آثار التطور الذى يخضع له الفن الأوروبى .
والشعر أدخل أنواع الأدب كلها فى دائرة الفن . والملاحظة التى نذكرها الآن أكثر انطباقا عليه من النثر ، لأن النثر أدنى من الشعر إلى العقل . ومن السهل مثلا أن تجد تلميذا للجاحظ أو بديع الزمان أو القاضى الفاضل ، ولكن ليس من السهل أن تجد تلميذا لأبى تمام أو المتنبى أو المعرى . ولكن هل معنى ذلك أننا نسكت عن تاريخ الشعر العربى ؟ أو هل معنى ذلك أننا نقف عند وصف الجهود التى بذلها رجال الشعر العربى؟ لا - بل الواجب أننا نحاول تنظيم الشعراء فى صفوف بقدر المستطاع . وهذا ما قد فعله القدماء حين جعلوا الشعراء طبقات بحسب الزمان أو لمكان ؛ ثم هذا ما يفعله المحدثون فى الوقت الحاضر حين يجعلون الشعراء مذاهب ومدارس ؛ وذلك بحسب الطرق الفنية التى يصدر عنها الشعراء بزعمهم . وهذا وذاك نوع من التكلف لا غنى عنه لتنظيم الدراسة لا أكثر ولا أقل .
نعم - يجب أن يحاول هذه المحاولة ، ولكن لا ينبغى لنا مطلقا أن تنسينا هذه المحاولة أن الشاعر ، لأنه صاحب فن ، لابد أن تكون له أصالته التى يمتاز بها عن غيره من الشعراء مهما اتقفوا معه فى العلم أو العقل أو البيئة أو المزاج أو غير ذلك من أسباب الاتفاق .
وإذا لم يكن الأمر كذلك ، فكيف نفسر ظاهرة كهذه الظاهرة ، وهى : أن المعرى لم يحسن أن يفلسف الشعر برغم أنه فى نظر الناس فيلسوف ، وأما أبو تمام فقد
وفق فى أن يفلسف الشعر برغم أنه ليس بفيلسوف ؟ لا سبيل إلى تفسير هذه الظاهرة وأمثالها إلا بالاعتماد على فكرة الأصالة الفنية التى تختلف فى كل عبقرى من عباقرة الشعر عن سواه .
هذه بعض الخواطر التى شغلت ذهنى بعد الفراغ من قراءة الرسالة التى أقدمها لقراء ( الثقافة ) الآن ، وهى الرسالة التى تقدم بها زميلى وصديقى الدكتور شوقى ضيف لامتحان الدكتوراه ، وموضوعها ( الفن ومذاهبه فى الشعر العربى ) . وقصدى من إيراد هذه الخواطر ظاهر ، وهو أن أقول أولا إننى لا أوافق على الفكرة الأساسية نفسها للرسالة ، وإن كنت فى الوقت نفسه لا أتردد مطلقا فى الاعتراف بأنها مجهود شاق أشفقت منه على مؤلفه كل الإشفاق . ورأيت أن أثنى عليه بما يستحق .
ولكن لندع الثناء جانبا لنفرغ للنقد الذى أريد بهذا المقال ؛ فلعل أول ما يؤخذ على هذا الكتاب أن مؤلفه وقع فى خطأ التعميم ، وانزلق فيه بدافع من حرصه على اطراد القاعدة ، فالشعر فى نظر المؤلف هنا ( صنعة وتصنيع وتصنع ) ، وهذه الأطوار الأدبية يتبع بعضها بعضا على هذا الترتيب ، وكل طور منها يستغرق فترة ما من فترات التاريخ . ومعنى ذلك أن الشاعر الذى يأتى فى فترة الصنعة لا يمكن إلا أن يكون من شعراء الصنعة . وهذا قول لا يستقيم لنا وليس من السهل أن نعتمد عليه ـ
وقد يؤخذ أيضا على هذا الكتاب أن مؤلفه كثيرا ما يختفى وراء أساتذته ، وآية هذا أن المؤلف كان ينال من قارئه الإعجاب كله فى الوقت الذى يعرض فيه رأيا خاصا لم يتأثر فيه بغيره ، ولكنه لم يكن ليحظى بهذا الإعجاب كله حين يقف رأى الأستاذ حائلا بينه وبين رأيه .
وأوضح ما تكون الأمثلة على هذا فى كلامه عن المتنبى .
ثم إن من يقرأ هذا الكتاب يحس كأن أبا نواس وبشارا والبحترى وأبا تمام قد استنفذوا جهد المؤلف كله ،
وجعلوه يعدو فى بحثه بقوة تثير العجب والدهشة ، حتى إذا وصل به البحث إلى قضية الإقليمية فى الشعر العربى لم تجد عنده هذه القضية على خطورتها بقية من نشاطا ينفقه فى بحثها ، فيكتفى المؤلف بعرضها عرضا سريعا ينتهى فيه إلى نتيجة تفتقر إلى البحث ، وهى : أن الأقاليم العربية كلها كانت تجهل تاريخ الأدب العربى الذى ظهر بالشام والعراق ، وأنها لذلك لم نبتدع بعد شيئا تتميز به .
ولكن لا يحسبن القارىء أن هذه المآخذ كلها تغض من قيمة رسالة كهذه الرسالة التى تنقدها ، فقليل جدا من المؤلفين من لا يتورطون عادة فى مثل هذه المآخذ التى أذكرها . والرسالة بعد هذا كله تمتاز بأشياء : -
فمن الحق أولا أن يقال إنه ربما كان هذا الكتاب أول بحث حديث شرح لنا طبيعة الشعر العربى ، ووصل فيه المؤلف إلى نتاج لها قيمتها . وإن أعجب فعجبى - كما يقول الناس - لهذا الجهد الشاق الذى بذله المؤلف فى دراسة أبى تمام بنوع خاص ، حتى لكان الكلام عنه هو فى كتابه - كما يقول نقاد الأدب الإنجليزى .
وأخرى من حسنات هذا الكتاب أن مؤلفه ربط فيه بين مظاهر الفن الشعرى ومظاهر الحياتين العقلية والاجتماعية ربطا حسنا . ولعل أروع ما ظهر أثر ذلك فى كلامه عن الشعر الإسلامى فى دور التصنع .
ثم إن المؤلف الشاب انتفع انتفاعا قيما (بالإغانى) من كتب الأدب العربى . بل إن انتفاعه هذا يعتبر حسنة من حسنات كتابه لا ينبغى أن نغفل عنها .
وأما أسلوب الكتاب فله جاذبية من نوع خاص ، إذ يعتمد فى جملته على التكرار بقصد الإيضاح ، لأن صاحبه مدرس ، كما يعتمد أحيانا على التشبيه والخيال - لأن صاحبه أديب كما أنه مدرس . بل إن فكرة الألوان والأصباغ التى اصطنعها الدكتور شوقى فى كتابه فكرة لا تصدر إلا عن أديب بطبعه . فضلا عن أنها أفادتنا كثيرا على فهم الشعراء الذين ذكرهم فى هذا البحث القيم .
( وبعد ) فإذ يشكر القراء المؤلف الذى تعب فى وضع
هذا الكتاب ، فإنهم لا شك يشكرون معه الجامعة التى أعانته وشجعته على وضعه . وهم يرجون أن تمضى الجامعة فى إنتاجها قدما ، وأن تعتمد فى هذا الإنتاج أكثر ما تعتمد على الشباب حتى تكون بذلك قد أدت بعض ما يجب عليها نحو البحث العلمى .

