حضرة الأستاذ العلامة السلام عليكم ورحمة الله . وبعد أهشكم علي مجهودكم الكبير ، وارجو " للثقافة " ازرهارا وعمرا طويلا لتقوم نفسها في خدمة الثقافة الشرقية خدمة خالصة .
وبعد ، فقد اطلعت في العدد الأول من مجلتكم الزاهرة على ما كتبه الأستاذ الكبير محمد كرد على حول " كتاب في الحسبة " لابن الاخوة . وقد طبعت هذا الكتاب لجنة تذكار جيب الانكليزية سنة ١٩٣٧ ، بعناية الاستاذ روبن ليوى أحد اساتذة جامعة كمبردج . وبعد ان وصف الأستاذ كرد على الكتاب ، ونقل بعض مقتطفات منه . أخذ علي الأستاذ روبن ليوي عدم تحقيقه مما سبب وقوع اغلاط غير يسيرة ، كان في الامكان تلافيها .
وقد ذكر الأستاذ فيما ذكر بعض ما طبع من الكتب في الحسبة ، وقال إنه اطلع على اربع مخطوطات ، منها " معالم القرية " وهو الكتاب الذي نحن بصدده الآن .
ولما كان بين يدي نسخة خطية لكتاب " الأحكام في الحسبة الشريفة " للأمام ابى الحسن على بن محمد الشهير بالماوردي ، وهي من مخطوطات مكتبتنا الخالدية ببيت المقدس ، وكنت قد اخذت ادرسها ، لفت نظري ما جاء في مقال الاستاذ كرد على من وصف كتاب ابن الأخوة ، فوجدت الوصف ينطبق كل الانطباق على النسخة التي املكها١، فأسرعت واستحصلت على نسخة من كتاب " معالم القرية" المنسوب لأبن الأخوة والمطبوع حديثا ،
فازدادت دهشتني وحيرتي : ولما أخذت في مقابلة الكتابين ، وجدت انهما كتاب واحد ، باستثناء الصفحة الأولى من الكتاب ، والصفحتين الأخيرتين من الفصل السبعين ، أي الأخير . وفيما عدا ذلك فهما ينطبقان كل الإنعباقي في كل كلة بل في كل حرف ، حاشا أغلاط النسخ !
ومن العلوم أن الامام الماوردي توفي سنة ٤٥٠ ه ، في حين توفي ابن الأخوة سنة ٧٢٩ ه , فجال في خاطري عند ذاك ان ابن الاخوة هو منتحل ، ولم يفعل شيئا في الكتاب ، سوي أنه بدل الصفحة الأولى والصفحتين الأخيرتين ، وغير العنوان طبعا ، ثم نسب الكتاب لنفسه وازداد يقيني حينما رأيت ان النسخة التي طبعها الأستاذ ليوي خالية من إسماء النقلة ، ولا تاريخ في أولها أو آخرها(١) .
ومع أن النسخة الخالدية ليس فيها ثبت بأسماء النقلة ايضا ، وليس لها تاريخ ، إلا انه دون في الصفحة الاولى منها انها من كتب عبد القادر على نحل عبد القاهر الكيلاني في سنة ٨٧٦ . وإذن فان نسختنا كانت في عالم الوجود في منتصف القرن التاسع علي أقل تقدير
لكن معالم التهمة في الإنتحال كادت تتحقق ، بل ازدادت شبهاتي بعد مقابلتي الكتابين بفصل " الحسبة "
في كتاب الأحكام السلطانية للماوردي . ذلك أن ابن الأخوة في الفصل الأول من الباب الأول يقول ، بعد أن يعرف الحسبة وشروط المحتسب ؛ "قال الإمام الماوردي اعلم أن الحسبة واسطة بين أحكام القضاء والظالم.." الخ وهذا ينطبق على ما جاء في فصل الحسبة في كتاب " الأحكام السلطانية " (انظر صفحة ٢٠٩ مطبعة السعادة سنة ١٣٢٧) . ومع أن الفروض في المؤلف ان يقف بعد جملة أو جملتين ، أو عند نهاية الفصل على الأكثر ، إلا أنه لم يفعل ذلك ، بل نقل الفصل برمته ، وانتقل إلي فصول أخري ، بل أبواب ؛ وكلها تنطبق أو تكاد على ما جاء في " الأحكام السلطانية" وأنا أستدل من هذا طبعا أن ابن الأخوة ليس أمينا في النقل ، وإلا لوجب أن يذكر الإمام الماوردي مرة ثانية وثالثة الخ عند نقله عنه في مبتدأ الفصول والأبواب .
أضف إلي هذا جميعه ما جاء في كتاب ابن الأخوة في الباب الأول قبل ذكره الماوردي ، فانه ينطبق ايضا علي فصل الحسبة في الأحكام السلطانية ، ومن ثم حرفا بحرف على النسخة الخالدية التي بين أيدينا . ومع هذا فقد اعتبر ابن الأخوة أن الكلام له ، وهو ليس له :
وأنا أقول إن المؤلف هو الإمام الماوردي ، وإنه هو صاحب الكتاب ، وإن ابن الأخوة قد انتحل هذا السفر النفيس لنفسه ، بدليل ما سبق ذكره ، واضيف إلي هذا أن الأستاذ روبن ليوي نفسه يقول في مقدمة كتابه المطبوع إنه وجد تشابها كبيرا في فصول كثيرة بين كتاب
ابن الأخوة ( ٧٢٩ ه) ، وسهاية الرتبة في طلب الححسبة لابن البسام ( لم يذكر تاريخه ) ، ومهاية الرتبة في طلب الحسبة للشينزري ( سنة ٥٨٩) ، ثم يتساءل : هل اعتمدت هذه الكتب الثلاثة على مصدر واحد ؟ ام ان " معالم القرية " قد بني علي أحدها وهو امر على حسب رأيه لا يمكن البت فيه . وأنا أقول إن هذه الكتب ، أو ابن الأخوة على الأقل ، قد اعتمد كل الاعتماد على الماوردي .
هذا والأمام الماوردي مؤلف مشهور ، وهو من أوائل من طرق هذا البحث ، فلا مجال للتساؤل بعد ان ظهرت مخطوطتنا التي لم يقف عليها الأستاذان كرد على وليوي ، على حين ان ابن الأخوة يكاد يكون مجهولا .
بقى نقطة واحدة ، وهي ان النسخة التي بين ايدينا جاءت فيها بعض أقوال مختصرة ، وأسماء لائمة عاشوا بعد الماوردي ، مثال ذلك الغزالي والأصفهاني والرافعي ، فإذا جاز لنا ان نفترض ان هذه أضيفت على نسخة الماوردي الأصلية ، وهذا ممكن معقول ، تحقق لدينا ان مؤلف الكتاب هو الماوردي وليس ابن الأخوة ، ويكون الثاني إذا قد انتحل الأسم وادعي ما ليس عنده ، ويكون الكتاب صورة حية للقرن الخامس وما قبله ، لا الثامن . وفوق كل ذي علم عليم
فهل للأستاذ الكبير كرد على أن يجلو لنا هذا الغموض ، ويحل لنا هذه المعضلة ، ويرجع الحق إلي نصابه ؟
وإنا لرده لمنتظرون ، ولفضله لشا كرون .
(بيت المقدس)

