الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 296الرجوع إلى "الرسالة"

حول كتاب (مصطفى كامل)، مصطفى كامل ، والسيادة العثمانية

Share

فى عدد الرسالة الصادر فى ٢٠ فبراير كلمة للأستاذ العقاد عن  كتاب (مصطفى كامل) لعبد الرحمن بك الرافعى، لا يسع قارئها إلا أن يرى فيما جاء بها، حواراً طبيعياً بين مؤرخ (سعد زغلول) ومؤرخ (مصطفى كامل). وقد أوسع الأستاذ العقاد مجال المناقشة من الجانبين، إذ قال فى آخر كلمته أن ليس للقارئ أن يطلب الحق كله من كتاب واحد لا سيما فى تاريخ تختلف فيه الميول والآراء.  وهذه دعوة ضمنية إلى طرح الموضوع على بساط البحث كيما يستنير  أبناء الجيل الحاضر ممن تأثروا بحركة سعد زغلول دون حركة مصطفى كامل.

والمهم فى هذه الكلمة أن الأستاذ العقاد يأخذ على عبد الرحمن بك  أنه ظل غير متحيز فى سلسلة كتبه عن الحركة القومية منذ الحملة  الفرنسية إلى أن وصل إلى مصطفى كامل فتحيز له ضد خصومه.

ولأجل أن نبحث هذه الملاحظة لا بد لنا من الرجوع إلى  السياق التاريخى لمنطق الوطنية المصرية منذ الحملة الفرنسية، لنتبين  ما إذا كان هناك عدم تناسق فى حلقاتها؛ وعندئذ نرى الحكمة الحقيقية فيما قاله عبد الرحمن بك فى مقدمته: من أنه كان فى أول  الأمر يريد ترجمة سيرة مصطفى كامل، فأدى به البحث إلى أن  يمهد لها بتحقيق تاريخ الحركة القومية منذ الحملة الفرنسية التى تعد  بداية محاولة دول أوربا الاستيلاء على مصر بأساليب واحدة؛  إذ أن حركة مصطفى كامل لا يمكن اعتبارها من جانب المؤرخ الحقيقى إلا حلقة من حلقات سلسلة جهود المصريين للوقوف فى وجه الفاتح الأوربى؛ كما أن تشابه الموقف فى هذه الحلقات  كان من شأنه أن أملى على المجاهدين فى سبيل الاستقلال الحقيقى خطة واحدة. وما الشعور الوطنى إلا غريزة الدفاع عن النفس،  وهى غريزة طبيعية فطرية إذا كانت سليمة صادقة فرضت على النفوس  منطقاً سليماً على اختلاف درجة تعمق الآخذين بها فى مبلغ فهمهم إياها عن طريق العقل.

فالسلسلة التاريخية التى بدأت منذ قرن ونصف قرن تقريباً  إنما هى عدة فصول فى رواية واحدة يطلع عليها القارئ فى سلسلة الحركة القومية بقلم رجل يجمع إلى صفاته كمؤرخ صفة أخرى وهى  صفة المؤمن بتلك الحركة، وهذه مزية ضرورية لمؤرخ أى فكرة؛  إذ أن عبد الرحمن بك رجل يؤهله طول بلائه فيها لأن يفهمها بروحه ومزاجه فضلاً عن فهمه إياها كمؤرخ وكرجل يدرك المرامى  السياسية عن طريق إلمامه بالقانون.

احتل نابليون مصر، وكانت تابعة لتركيا، وكانت إنجلترا  منافسة له تسعى لإخراجه منها. وكانت حجتها فى ذلك أن فى هذا  الاحتلال اعتداء على حقوق الدولة العثمانية التى لم يكن فى حالة حرب ضدها بل كان متعهداً بسلامتها بمقتضى المعاهدات. فأخذت  تحرض تركيا على التمسك بحقوقها، وتحرض المصريين على التمسك بعلاقتهم بها ما دام الاحتلال الفرنسى قائماً. وكان نابليون يسعى جهده لحمل تركيا على الرضا عن احتلاله لمصر نظير مزايا عظيمة فى البلقان، كما سعى بوسائل شتى لحمل الزعماء المصريين على قبول الانفصال عن تركيا فبذل في سبيل ذلك جهوداً عظيمة، وأدى للشعب خدمات جليلة، ولكنه لم يفلح مع تركيا ولا مع مصر،  ولذلك تم للمصريين ما أرادوا من عدم تمكن النير الأجنبى  من أن يقوم على رضاهم بسند شرعى. ولو أنهم خدعوا بما أغراهم به  نابليون باسم الانفصال عن تركيا لخلا الجو أمام احتلاله وهو الإهدار  الحقيقى للاستقلال ولكانت مصر إلى الآن مستعمرة فرنسية...

أثبت التاريخ بعد ذلك أن مصر لم تكن بهذا السلاح السلبى تقصد التبعية لتركيا بدليل أنها ما كادت تتخلص من الاحتلال  الفرنسى حتى أخذت تعالج مشكلة استقلالها مع تركيا وجهاً لوجه، فوضعت محمد على على رأسها وحارت تحت قيادته المتبوع الأعظم  وهزمت جيوشه؛ وذلك بفضل استقلالها الداخلى الذى مكنها  من أسباب القوة القومية، وهذا لعدم توفر الركن الأساسى للتبعية الفعلية لتركيا وهو وجود جيش احتلال تركى فى مصر.

لم يقف الجيش المصرى الظافر على تركيا إلا تدخل دول  أوربا التى لا تأخذ الواحدة منهن على المصريين تمسكهم بتركيا إلا عندما يكون هذا التمسك مقصوداً به التخلص منها. أما إذا كان  مقصوداً به التخلص من دولة منافسة لها فإنه يصبح عندئذ أمراً  منطقياً تمليه الوطنية الحقة ولا تعصب فيه للدين ولا للخلافة ولم يقف الاستقلال الذي عملت له مصر فى ميدان القتال

عند الحد الذى رسمته معاهدة سنة ١٨٤٠ إلا تدخل تلك الدول خشية فتح باب المشكلة الشرقية بما تقتضيه من التنافس على توزيع أسلاب الدولة العثمانية

وفى سنة ١٨٨٢ احتلت إنجلترا مصر احتلالاً مؤقتاً بموافقة صاحبى الشأن فى معاهدة سنة ١٨٤٠ وهما سلطان تركيا وخديو  مصر فعاد نفس الموقف الذى كان قائماً أيام الاحتلال الفرنسى.  وبعد أن انتهت الحالة المؤقتة التى أدت إلى ذلك الاحتلال أصبحت فرنسا تطالب إنجلترا بالجلاء بنفس الحجة التى كانت هذه تتذرع بها أيام نابليون فسعت إنجلترا سعى هذا الأخير لإزالة العقبة القانونية التى تجعل احتلالها غير مشروع فأوفدت درامندو ولف  إلى الآستانة للاتفاق على تبرير الاحتلال الدائم وهو الحماية ففشلت،  وكان بعض فشلها راجعاً إلى سعى فرنسا التى حاربتها بنفس الحجة التى حوربت بها قبلاً وظلت تحاربها بها إلى أن اتفقت معها إنجلترا على إطلاق يدها فى مراكش

لجأت إنجلترا أيضاً إلى مثل ما لجأ إليه نابليون من حمل الشعب المصرى على المطالبة بالانفصال عن تركيا قبل أن ينجلى الجيش  الإنجليزى عن مصر وقدمت فى سبيل ذلك للشعب المصرى خدمات اقتصادية وقامت له بإصلاحات إدارية كثمن لإلهائه عن الاستقلال فنجحت مع بعض الأعيان الذين كانوا يسمونهم أصحاب المصالح  الحقيقية فراحوا يقولون إن الاستقلال هو الانفصال عن تركيا قبل الجلاء. وكانت الغاية التى قصد إليها الإنجليز أن تزول  من طريقهم إلى الحماية الحقيقية تلك العقبة التى جعلت مركزهم  غير صحيح. ثم شفع هؤلاء المصريون خطتهم بالمناداة بالاتفاق مع إنجلترا كما تنكروا لسلطة الخديو الممثل الشرعى للسيادة المصرية  المقررة فى معاهدة سنة ١٨٤٠ حتى تنهدم المعاهدة المذكورة من ركنيها الخارجى والداخلى، هذين الركنين اللذين هدمهما الاحتلال عندئذ قام مصطفى كامل فنهض نهضة استقلالية تامة لاشك  فى اتجاهها ومراميها، وقال مراراً إن مصر لا تريد إبدال متبوع  بمتبوع، ولكنه احتاط عند تحديد المطالب السياسية فجعل هدفه  الأول جلاء الاحتلال ووضع أمامه معاهدة سنة ١٨٤٠ سنداً  قانونياً سياسياً ضد الاعتداء الحقيقى على تلك المعاهدة

إن القول بأن استفادة مصطفى كامل بالعوامل الخارجة عن  الجهود المصرية كان مناداة بالتبعية لهذه العوامل إنما هو قول بعيد  عن الحقيقة التى لمسها معاصروه قبل أن يسلموا له بما اعترف به

الأستاذ العقاد إذ قال عنه إنه زعيم الوطنية المصرية فى ذلك العصر

استفاد مصطفى من خلاف فرنسا مع إنجلترا فظن بعض الناس أنه صنيعة فرنسا. فلما تنحت فرنسا عن قضية مصر استمر فى جهاده بل ضاعف قواه. واستفاد من خلاف ألمانيا وحلفائها وأيد الخديو، حتى إذا خرج كرومر وتغير الحال أثبت مصطفى كامل  أن انتصاره لسمو عباس حلمى باشا لم يكن إلا انتصاراً للسيادة  المصرية لا لشخص الخديو وضاعف الهمة حتى زالت حجة المكابرين الذين قالوا بأنه صنيعة. وكذا كان شأنه مع تركيا شأن  المستفيد من مصلحة مشتركة فى موقف معين. وما قوله فى شأن الخلافة إلا شأن فرنسا وإيطاليا مثلاً عند اتفاق مصالحهما بأن  هناك رابطة لاتينية

ولما تولى الحركة فريد بك ازدادت خطة الوطنية وضوحاً  لمناسبة الظروف التى استجدت فقامت الحرب العالمية وهو فى تركيا  فأفهم رجالها وهم على وشك الهجوم على مصر أن عدم مطالبة المصريين برفع السيادة التركية إنما كان لوجود الاحتلال الإنجليزى اعترفت إنجلترا بأن تكييف مصطفى كامل للاستقلال كان تكييفاً صحيحاً كما اعترفت للمجاهدين ضد نابليون عندما كانت تريد إخراجه من مصر. ويكفى أن يطلع الإنسان على إعلان الحماية  ليرى هذا الاعتراف إذ جاء فيه: (بما أن تركيا فى حالة حرب  مع إنجلترا فتزول من الآن السيادة التركية وتصبح مصر تحت الحماية البريطانية)

ولما انتهت الحرب العظمى لم يتمسك رجال مصطفى وفريد بالسيادة العثمانية، فهذا غير معقول، وإنما عملوا على ألا يتم تنازل تركيا عن سيادتها إلا لمصر لا لإنجلترا كما عملوا على احتفاظ مصر بما لها من الحقوق فى معاهدة سنة ١٨٤٠. ولذلك سافروا  إلى أنقرة وإلى لوزان ولم يسع (الوفد المصرى) إلا أن يبعث معهم بعض رجاله ويشترك معهم فى هذا المسعى.

أما ما حصل بعد ذلك فيكفى أن تكييف مصطفى كامل قد سجل له التاريخ نتيجة واضحة وهى أن معاهدة سنة ١٩٣٦ استنفدت برامج  جميع الأحزاب ما عدا برنامج الآخذين بمبدئه.

اشترك في نشرتنا البريدية