كتب الأستاذ (عباس حسان خضر) في عدد الرسالة
الماضي كلمة مشكورة عن كتابي الأخير: (كتب وشخصيات)
وطبيعي أن يكون له ولغيره من القراء والنقاد وجهة نظر في بعض المسائل تخالف وجهة نظري، ولا سيما في كتاب نقد يتناول عدداً كبيراً من الشخصيات الأدبية تختلف حولهم الآراء.
ولكني أحسب أنه من حقي كذلك أن أوضح وجهة نظري للقراء في مواضع الخلاف:
١ - قال: إنني قررت في كتابي أن الأدب العربي (يغلب عليه طابع المعاني العامة المتبلورة، والقضايا الذهنية الكلية، ويطالع القارئ بنتيجة التجربة النفسية لا بطريقتها التي تشغل الحس وتستثير الخيال، وهو فقير في الصور والظلال. . الخ) ثم قال: (والأستاذ سيد يطلق هذه القذائف في وجه الأدب العربي، ثم يخلو إلى قطع مختارة من الآداب الغربية والهندية والفارسية معظمها من كتاب (عرائس وشياطين) للأستاذ العقاد فيعكف على ما فيها من الميزات التي جرد منها الأدب العربي، ويأتي من الشعر العربي بما يراه مجرداً من اللحم والدم. . . وهذا صنيع عجيب لأن القطع غير العربية التي أتى بها مختارة، والأستاذ سيد لم يطلع على كثير غيرها في آدابها. . . الخ) وكان فيما قاله! (وقد أجاد في تطبيق أسس النقد العام على الأمثلة التي اختارها، لولا (شنشنة) ما كنا نود أن يكون (أخزمها) فقد حرص في كل فصل من الفصول الأولى عند ذكر ميزات وقيم الفنون على أن يجرد أو ينقص نصيب الأدب العربي منها)
فأحب أن أقول للأستاذ: إنه ليس بيني وبين الأدب العربي عداوة تحملني على أن (أحرص) على تجريده من المزايا. فثقافتي عربية ودائرة بحوثي على وجه عام هي الآداب العربية. ولكنني (ناقد) يجمع الخصائص ويقدر القيم ويضع القواعد. فإذا لاحظت من مجموع دراستي فقر الشعر العربي في الصور والظلال بقدر احتشاده بالمعاني والأفكار - كما قلت - فإن محبتي للأدب العربي لا يجوز أن تقف بي عند تقرير هذه الظاهرة بإخلاص.
أما مدى دراستي للشعر العربي وهي التي تخول لي إصدار
هذا الحكم، فتلك مسألة بيني وبين ضميري الأدبي، وأنا مستريح من هذه الناحية. ولعل مما يطمئن الأستاذ أن لي بحثاً كاملا عن (الصور والظلال) في الشعر العربي رجعت فيه إلى كل ما يملك فرد أن يرجع إليه من مصادر الشعر العربي، وهذا البحث لم ينشر بعد ولكنه بين يدي. والإحصاء الدقيق النسبي يقرر هذه القاعدة التي قررتها عن الشعر العربي بدون حاجة إلى الموازنة بين هذا الشعر والشعر العالمي الذي قد تنقضي مصادره على نحو واسع.
وأحب مرة أخرى أن أقول للأستاذ أنني في الموازنة التي قمت بها لم يكن كل اعتمادي ولا جله على مجموعة (عرائس وشياطين) ففي المكتبة العربية الآن مجموعة من الشعر العالمي - ليست مختارات فحسب - تكفي لبيان الاتجاه العام في التعبير. وبينها وبين الشعر العربي فوارق أصيلة في طريقة تناول الموضوع والسير فيه، وفي طريقة التعبير.
وإذا كانت للشعر العربي القديم ظروف تاريخية وعقلية خاصة جعلته يختار طريقه، ويكون تقاليده، فإن من واجب النقد في العصر الحديث أن يكشف عن الطرائق الأخرى لينتفع بها من يريدون التجديد الداخلي العميق لكيان الشعر في العصر الحديث.
على أنني حرصت على الاختيار من الشعر الفارسي والهندي والمصري القديم، ومن (الكتاب المقدس) ،ومن (القرآن الكريم) لبيان خصائص التصوير والتظليل التي تقاس في الشعر العربي، وهي مصادر كاملة في المكتبة العربية لا مختارات.
ولو رجع الأستاذ إلى نقد: (ابن قتيبة) ، وأبي هلال العسكري للأبيات:
ولما قضينا من منى كل حاجة
ومسح بالأركان من هو ماسح
أو للبيتين:
إن الأولى ذهبوا بلبك غادروا
وشلا بعينك ما يزال معينا
لعلم أن النقد العربي القديم لا يقيم وزنا للصور والظلال ولا يعدها قيمة فنية من قيم الشعر ..... وهذا وحده يكفي.
٢ - قال: (ولم يكن المؤلف منصفا كل الإنصاف في الموازنة بين شوقي وعزيز أباظة في الرواية الشعرية. ومرد ذلك فيما ألمح إلى ما استقر عنده من هوان أمر شوقي في الشعر، وقد
بدا تحامله على شوقي في نقد الأبيات الآتية من مجنون ليلى:
لم إذن يا هند من قيس ومما قيل تبرا
أنعم (مناز) مساء سعدت سعد مساء
أوغل الليل فليقم. بل رويدا واسمعي (ليلَ. . .)
(يأخذ عليه في البيت الأول تسكين ميم (لم) وتسهيل الهمزة في (تبرا) وفي الباقي ترخيم منازل وليلى، ويعد هذه ضرورات يعيبها عليه، مع العلم بأن تسكين ميم لم، وتسهيل الهمزة كثير جداً في الشعر ولا غبار عليه، أما ترخيم المنادى فليس من الضرورات. . . وهذا وذاك وذلك أمور مستساغة بل كثيراً ما تستعذب وتستملح).
وهنا أجدني آسفا لأن الأستاذ لم يعرض وجهة نظري كاملة. فلم تكن تلك الأشياء التعبيرية هي التي أخذتها على شوقي في الصميم، إنما كان الذي أخذته هو الضعف في رسم الشخصيات والخوالج النفسية الإنسانية في أبطال الرواية، والتفكك الفني في سياقها، والخطأ في رسم نفسية (المجنون) وعواطفه...الخ وقد برهنت على هذا بالأمثلة التي أستطيع نقلها هنا. أما هذه الضرورات فقد لاحظت كثرتها كثرة شديدة، تخرج عما يستعذب ويستملح)، مما لا يلجأ إليه إلا صغار النظامين الذين تعوزهم المرانة. . . وقد استغربت هذا من شوقي فقلت:
(ومن العجيب أن تخون شوقي في روايته الشعرية أقوى خصائصه التي بهرت أهل زمانه، وهي قوة الأداء، ووضوح التنغيم) فهذا عيب إذن خاص بالروايات لا بشوقي الشاعر، كما بينت هناك في وضوح. وقد ذكرته على الهامش ولم يكن هو صميم النقد.
٣ - وقال: (ومما أخطأه الإنصاف فيه نقده لتيمور إذ يصف فنه بالفتور، وبأنه يؤثر اللطف والدعة على الانفعال والحيوية. وهو في هذا يصنع موازين(غير مختومة) ويزن بها.
(فهذا أديب وديع يصدر عن أدبه عن ذات نفسه فيؤثر فيه اللطف والدعة. أليس هذا من(الصدق الذاتي) في الأدب؟ أولا يكون الناتج معجبا إلا إذا صخب فيه الأديب وعربد؟). . .
ومرة أخرى أجدني آسفا لأن الأستاذ لم ينقل حقيقة رأيي
ولم يعرض مواضع نقدي(فأخطأه الإنصاف) فيما يقول: فالذي يقوله الأستاذ هنا بديهية لا تبلغ بي الغفلة ألا ألتفت إليها. وليس كل أديب مكلفا أن يخصب ويعربد. وليست الدعة واللطف بأقل أصالة في الفن من الصخب والعربدة.
ولكن أكان هذا مأخذي على فن تيمور: أرجع إلى كتابي ص١٨٥ فأجدني أقول:
(لقد كان لتيمور الحق أن يتبوأ مكانه الذي ينسبه إليه بعض من يكتبون في النقد هذه الأيام، لو أنه وفق إلى منح الحياة لأبطال أقاصيصه وبث الحياة في تضاعيفها - ولو إلى حد، ولكنه -فيما عدا القليل من هذه الأقاصيص - يخونه التوفيق في إطلاق روح الحياة المتحركة. . .)
(ولطالما خيل إلي - وأنا أجول بين شخوص تيمور - أنني في (متحف الشمع) ، فتماثيل الشمع هي التي تمثل هذه الشخوص أوضح التمثيل. . .)
(ويحاول تيمور أن يرسم نماذج بشرية من خلال شخصيات محلية، وهي محاولة لو أفلحت لأنشأت فنا إنسانيا رفيعا؛ ولكنه فيما يخيل إلي بعيد كل البعد عن (الناس) وعن البيئة. فالناس - حيث كانوا - لا يتصرفون هذه التصرفات مجتمعة. والناس في مصر ليسوا كما يتوهمهم المؤلف لا في طبيعتهم ولا في أحاديثهم، ولا في خلجاتهم النفسية ولا في سمة من السمات المحلية الكثيرة التي تبرز طابعهم. إنهم ليسوا مصريين لأنهم ليسوا آدميين)!
هذه هي المآخذ الأساسية: فقدان الحياة. أما حكاية الصخب والعربدة فقد جاءت في كتابي هكذا:
(إنه لا يخطر لهذه الشخوص - مرة واحدة - أن تنفعل انفعالاً قوياً - كما يقع للآدميين - وحتن تنفعل يبدو التكلف والبعد عن الحقيقة البسيطة. . .)
(والحركة العنيفة ليست مطلبا في ذاته؛ ولكنها علامة من علامات الحياة تصدر من البنية الحية في ميعادها فتدل على الحياة الكامنة فيها).
هكذا قلت. وأحسبني كنت أعرف هذه البديهية الواضحة. إن (تيمور بك) يجد دائماً وفي كل عمل يعمله من يشيد بفضله على الفن، ومن يصعد بفنه إلى السماء.دائماً دائماً يجد من
يقول له هذا. فإذا وجد ناقد يملك أن يتخلص من كل الملابسات ليقول مرة واحدة كلمة حق، فيجب أن يكون لهذا الكلمة مكان في وسط التعاويذ والرقي ومجامر البخور !!!
وإلا فأسباب المودة الآسرة التي تربط تيمور بك بنقاده جميعا كانت كفيلة بأن تنطقني بغير ما نطقت. فأنا أتمتع بها والحمد لله. وليس هناك ما يدعوني ألا أنصف ذلك الرجل الوديع الودود.
وبعد فشكراً للأستاذ عباس حسان خضر على جميع الحالات.

