الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 695 الرجوع إلى "الثقافة"

حول لغة ابن سينا

Share

قرأت المقالة التي كتبها الصديق الفاضل الدكتور عله الحاجري تعليقا على مقالي "لغة ابن سينا " وأنا احترم اختلافه معي في الرأي ، وأرى أن من حقه أن يكون لنفسه ما يشاء من آراء في ابن سينا وغيره ، وأن من أيضا أن أذهب إلي ما أذهب إليه من أفكار موافقا له ولغيره حينا ومخالفا حينا آخر .

وما أعرف خطأ يقع فيه باحث أكبر من الخطأ الذي يقوم على الإيمان بالمشهورات دون عرضها على الفحص والامتحان والرجوع بها إلى مناقشة مقدماتها ونتائجها ، وقد اشتهر ابن سينا وملأت شهرته الحافظين .

وبقى أن يعرضه الباحثون ، لا عرض التقديس ، ولكن عرض العلم وما ينتهي به من أحكام حين تمر فلسفته وأساليبه ولغته في أدواته الدقيقة ؛ ولست أزعم أني أملك من هذه الأدوات ما لا يملكه غيري ، ولا أن لي وحدي حق المقياس بها والمقارنة . فالأبحاث كانت ولا تزال كلا مباحا ، لكل أن يجري فيها آراءه وأفكاره دون أن يبخس حقوق غيره أو ينتقص من قدره .

والمسألة تتلخص في أني قرأت ابن سينا ولم أعجب به ولا بأساليبه ، بل رأيت فيها النواءات وانحرافات شديدة ، أفلا يكون من حقي أن ابدي رأي في حرية وصراحة ، أم يجب أن أنزل حيث ينزل السدنة وأحرق له البخور وأترنم بالأناشيد ؟ وماذا قلت ؟ لقد قلت إن لغة ابن سينا لغة قاصرة ، فيها هجمة واتهام ، وفيها ارتباك وتعثر . ثم أخذت أعلل لذلك فرجعت علة بعض منه إلى من سبقوه في ترجمة الفلسفة اليونانية ، واستشهدت بالجاحظ وما سجل عنهم . فرفعت بذلك عن ابن سينا جزءا من نقص تعبيره وفساده ، ورددته إلى غيره . ثم وقفت عند معجمه وانه كان يتخذ الفارسية في حياته اليومية ، لأبين أن جزءا آخر من هذا النفس والفساد يرجع إلى أن خلفيته العربية لم تكن تامة ولا كاملة .

ومن المحقق أن كل ذلك كان ، وكان أيضا أن أخذ نفسه بالمنطق الشديد في صباغاته ، فخرجت أساليبه في بعض جوانبها اقصر مما ينبغي ، وخرجت في كثير من هذه الجوانب وكانها اهرامات ترصف فيها حجارة للمنطق ، وهي حجارة تفقد كل خفة ورشاقة ؛ ومن هنا قلت " إن أسلوبه بدا متجمدا وبدا في كثير من جوانبه كأنه الصخر الصلد يمكنه منطق يشيع فيه الجنفاف ، فلا نضرة ولا حياة ، وإنما القضايا المنطقية العمياء التي لا تعني إلا باللب ولب اللب " . وأشرت إلى ما يجرى في عباراته من خلل ونشاز ، وقلت إنه تعلم اللغة من المعاجم ، فلم يعرف بالضبط حدود الألفاظ ولا وجوه تصاريف العبارات.

كل ذلك قلته بعد قراءتي له ، وبعد عرضه على ما أملك من حس وذوقي في العربية ، ثم رأيت أن أدعمه بشيء من أخباره يدل عليه ، فاستشهدت بنصوص تشير مباشرة أو من طرف خفي إلى قصور علمه باللغة ، وقصور الأساليب الفلسفية التى كان يقرؤها ، حتى ليقول صراحة " قرأت كتاب ما بعد الطبيعة ، فما كنت أفهم ما فيه ، والتبس على غرض واضعه حتى أعدت قراءته أربعين مرة وصار لي محفوظا وأنا مع ذلك لا أفهمه ولا المقصود به " .

وكتب الدكتور الحاجري يخالفني في بعض ما استنتجت من هذا النص وغيره ، وأنا أرى أن هذا من حقه . ولكن الذي لا أراه من حقه أن يسارع إلى وصف مقالي بأنه عاجل .

وخيل إلى لكثرة ما تحدث عن العجلة أنه وجد ما ينقض آرائي التي كونتها عن لغة ابن سينا وأساليبه ، حتى ظننت أنه وقف على ما يثبت أنه عربي نجدي من سلالة معد ابن عدنان ، أو أنه عاش في بادية من بوادي نجد سنة أو سنين ، وأخذ اللغة من أصحابها مباشرة ، وتملك من سليقتها ما تملكه أفذاذ العصر العباسي من الموالي أمثال أبي نواس وبشار ، بل ما تملكه أفذاذ العرب أمثال زياد والحجاج

( البقية على الصفحة التالية )

ولكني لم أجد من ذلك شيئا ألبتة ، ولا أزال عند كل ما قلته - متأنيا متمهلا مرددا النظر فيه ، من أن لغة ابن سينا غير صافية ولا مروقة ، بل يتخللها الاضطراب والانحراف في غير موضع . ومع ذلك فقد انتهيت في مقالي السالف إلى الدفاع عن ابن سينا - قبل أن يحاول الدكتور الحاجري الدفاع عنه - بمناسبة عيده الألفي ، فقلت ما نصه :

" ونحن لا نشك في أن كل ما قدمناه إنما هو أعشاب ونباتات متسلقة طغت على شجرة الفكر الفلسفي عند ابن سينا "

ولم نرد بجمعه وإحصائه أن نحط من قدره أو نزري على صنيعه ، إنما أردنا أن نصور المادة اللغوية لأسلوبه وسر الالتواء فيها ، وهو التواء ورثه عمن نيضوا أولا بالترجمة والنقل للفلسفة اليونانية ، واستمر عالقا بأساليبه وأساليب من جاءوا بعده . ."

وسلام الله عليك يا أخي وتحته يوم خالفتني في الرأي ويوم توافقني .

اشترك في نشرتنا البريدية