الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

حول مؤتمر الادباء المعرب، الادب والقوميه العربيه

Share

كان الاسبوع الذي قضيناه في القاهرة من ٩-١٥ كانون الاول الماضى من احفل الاسابيع التى اتى عليها العام المنصرم ، مساسا بحركة الفكر عامة والادب خاصة ذلك ان الاتجاهات الادبية في العالم العربى ، على اختلاف مشاربها وانطباعاتها ، قد التقت كلها ، ولمدة اسبوع في قاعة واحدة ، وفي فندق واحد ، وعاش ابطالها ، حياتهم التي يحيونها مع الناس وهم في داب لا يفتر ، وفي نقاش لا ينتهى حتى يبدأ من جديد وكان الموضوع على بساطته ، حافلا بعدة جوانب غامضة ، رغم انقضاء الاسبوع والاسابيع . ذلك ان المشكلات الادبية وتيارات الفكر ، لا يمكن ان يحسم فبها مؤتمر او عدة مؤتمرات ، دون ان تجد سبيلها الى دنيا الحياة والناس ، فتعبر عن مدلولها في يسر ، وتتقى اثر التيارات الاخرى المعاصرة لتتأصل في حياتنا ، كظاهرة حية من ظواهر تطورنا الفكري الحى

واذا كان العرب بعد الحرب العالمية الثانية قد خطوا خطوات فسيحة فى مضمار التقدم ، فشمل هذا التقدم ، اقتصادهم ، من تجارة وصناعة وزراعة ، وكذلك شمل تطوير الشعب العربي ، اذ برز على مسرح السياسة العالمية كشعب طموح مجد ، يسعى لتطوير نفسه ، وحل مشكلات التخلف الناتجة عن غفوة القرون الماضية ، فان العرب في السنين الاخيرة ، قد انطلقوا لبناء صرحهم القومى حتى ان ثورة الشعب العربي في الجزائر ، والمغرب وتونس ، وصد العدوان على مصر العربية ، ومقاومة عمان المجاهدة ، هذه كلها كانت نارا تذكى عزيمة العرب للنضال وتدفعهم للتعاون فيما بين بعضهم بعضا مما بعث فيهم الشعور النبلي بقوميتهم العربية ، جامعة كلمتهم وسبيلهم الوحيد للنضال والخلاص من ذل الاستعمار وقسر الغاصبين

والقومية العربية وهي الكنان الاصيل لحياتنا ومبررات وجودنا القائمة على

خلاصة تجارب القرون الماضية بما فيها من الم وامل ، والرجاء في المستقبل بما يتيحه حافز العوامل اللغوية والاقتصادية والشعور المشترك بان العرب من المحيط الى الخليج يشكلون امة واحدة وشعبا واحدا تحت راية القومية العربية ، هذه المواقف الفكرية حيال القومية العربية تجد لها صورا عديدة في كل يوم من حياة الشعب العربي في مختلف امصاره واقطاره فى الوقوف ضد الاستعمار من الخارج وتصفية قواعده والغاء امتيازاته والوقوف معه على قدم المساواة ، ورفع مستوى الشعب اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا ليكون حاله فى الدفاع ضد الاستعمار والغزو اكثر منعة وابعث على الطمانينة .

فهذه القومية العربية التى ترتفع رايتها شيئا فشيئا ، وهذه الحياة الجديدة التي تجد اسباب بعثها في السعى الملح نحو محاربة الاستعمار والاقطاع والرجعية والتأخر لخلق انسان عربى جديد يحيا حياة جديدة ويشعر بتجربة العصر الحديث التى يحياها البشر في مختلف بقاع المعمورة هذه القومية وهذه الحياة الجديدة ، " ما هو موقف الادب العربى في هذه الفترة من تاريخه منهما ؟ "

كانت المواضيع التى بحثت في المؤتمر : الشعر والقومية العربية ، النثر والقومية العربية ، النقد والقومية العربية ، وحماية الاديب والقومية العربية ، تشكل الاجابه المجملة على هذا السؤال الذي طرحناه آنفا . ولكنها فى الحقيقة لم تكن اجابة واضحا كافية ، ويرجع سبب ذلك الى عدة عوامل منها ان المؤتمر امضى اكثر وقته في محاولة يائسة للاتفاق على تعريف القومية العربية ، دون اتفاق بالطبع . ولما كان هناك خلاف في الاصل على تعريف الادب والغاية منه ؛ أهو غائى ام مطلق من الغائية ؟ فان المؤتمر ترك الاصل ، وهو الادب ، ولحق بالموضوع المطروح ، وهو القومية فشاء كثر من الحاضرين ان يتفلسفوا فى موضوع القومية فلم ينتهوا بنتيجة فلسفتهم الى حل . وأضحى الامر شائكا : أدب غير متفق على تعريف وتحديد وظفته الجمالية او الاجتماعية ، وقومية لم تعرف ولم يتفق على تعريفها بعد وحار الادباء في ( واو ) العلاقة بين الادب ( و ) القومية العربية ! اهى ( و ا و ) تبعية بحيث نسخر الادب في خدمة القومية ام نطلقه من عقال هذا التوجيه ، ليضحى الموضوع : علاقة الادب بالقومية

العربية وتنظيم وتوضيح هذه العلاقة دون ان تمس حرية الاديب وترهق طاقته الفنية بالواجبات الثقال .

ان الموضوع لا يحتاج الى هذه الاطالة في التعريفات : وما ينتج عن هذه التعريفات من خلافات ؛ كان بعض المؤتمرين يحاولون التوفيق فيما بينها ، بتعاريف جديدة كانت تزيد المشكلة تعقدا وغموضا . ذلك ان الادب على اطلاقه ، في الشعر والنقد والنثر مدعو لان يعبر عن الحياة الجديدة التى اخذ يحياها العرب في ديارهم ، هذه الحياة التي تمس وجود كل عربي ، بتوكيد ذاته واطلاقه من انعزاليته ، ودفعه الي الصف الأول فى طواعية واختيار منبعثين من داخله . وكذلك التعبير عن حياة المجتمع العربي وتصوير تجاربه التى يخوضها لنفض غبار التاخر والجمود عنه ، وخلق مجتمع فاضل يدعو الى الخير والجمال والحرص على نشدان الحقيقة في ظل عدالة شاملة ورفاه متين الاسس والبنيان

ولقد غاب عن اكثر المؤتمرين ان الاديب في حاجة الي بيئة يستمد منها عناصر موضوعه ليعبر عن هذا الموضوع بالشعر او القصة او المسرحية مثلا . وان هذا الموضوع والذات ابعد ما يكون عن الافكار المجردة . اذ . إذا يفيدنا التعريف الذي خرج به المؤتمر للقومية العربية وكذلك ماذا تفيد التوصيات في الشعر والنثر والنقد اذا لم تكن هذه التوصيات انعكاسا لمحتويات اجتماعية يحياها الناس ، ثم يعانون من حياتهم هذه ما يعانون حتى اذا جاء الاديب استطاع ان يعبر عن هذه المعاناة ويصور تلك الاحاسليس والانفعالات التى تصدر عن قلوب الناس ونفوسهم

واذا كان الصحفى يتلقف الحادثة فيصورها كما جاءت بان يصفها كما حدثت فعلا فان الاديب لا يكتفى بذلك التجسيد الخام للحادثة ان صح التعبير ولكنه يضع الحادثة فى قالب فني ومن زاويته الخاصة كاديب ليعبر لنا من خلال تجربته الخاصة به عن احساسه وانفعال بهذه الحادثة وبقالب فنى يمس منا الشعور والوجدان فالاديب بطئ الاحساس بالحادثة الخام وكذلك بطيء الانفعال بها ولكنه عندما يحس وينفعل يضحي هذا الاحساس بالحياة والانفعال بما يجري فيها ، بطيء النفاذ وقد يكون تعبيره خالدا اذا كان الاديب من طراز خالد بين الادباء . ولكن بعض

المؤتمرين ارادوا للادباء ان يحلوا محل الصحفيين دون ان يبحثوا للصحفين عن عمل آخر ومن دون ان يضمنوا نجاح الادباء ، في الحقل الصحفى

ان المؤتمر رغم ذاك كله قد اسفر عن نجاحات حققها . ويكفيه انه اظهر مسؤولية الفكر عامة والادب خاصة حيال هذه الحياة الجديدة التى يحياها المواطن العربي والشعب العربي ، وضرورة التعبير عن هذه الحياة الجديدة ، والتمهيد لا شراقة فجر لا ظلمة بعده . وتبين لجمهرة الادباء المشتركين فى المؤتمر ان الادب معاناة وخلق وفن وابتكار ، في ثوب من البساطة والسهولة لا تصدران الا عن قلم متمكن وفكر نير ، وبصيرة واعية ، بعيدا عن صخب المهرجين وطمع الكبار ذوى النفوس الصغيرة والأقزام الذين يرتدون ثياب العمالقة ، والساعين خلف المال والجاه والسلطان في خسة ونذالة لا تحدهما حدود

ان القومية العربية في ذاتها لا تبعث ادبا . ومن العبث ان نرصد مد الادب العربي وجزره ضمن مجالاتها . ولكننا نؤمن ان الادب العربى في استجابته للتعبير عن حياة الشعب العربي الجديدة وتوكيده لتجربة الانسان العربي النضالية ، انما يوطد صرح قوميتنا العربية ويقيمها على اسس متينة من ماضينا الزاهر ، وحاضرنا الحي وغدنا البسام .

صاحب : دار الكتب الشرقية شارع باب منارة - تونس

اشترك في نشرتنا البريدية