الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 381الرجوع إلى "الثقافة"

حول مؤتمر المهندسين :, فى سبيل العلم ، كلمة صريحة لرئيس المؤتمر

Share

كتبنا في هذه المجلة مرارا عن نهضة رجال العلوم في مختلف نواحيها ، وتيقظهم لحقيقة موقفهم وتصميمهم على أن يتولوا بأنفسهم وضع السياسة العلمية ، ويساهموا في توجيه المجتمع نحو الحياة المنتجة التي تمــــــكنه من استغلال كنوز الأرض لخير الإنسان وسعادته ، لا لبؤسه ونكبته والقضاء عليه.

وأشرنا إلي ما صدر في أواخر هذه الحرب وبعدها من كتب عديدة توضح موقف العلماء في العصر الماضي وترسم الطريق لهم في العصر الحديث . فقد كان هؤلاء العلماء فيما مضي منصرفين إلى بحوثهم وابتكاراتهم واستغلال نتائج

هذه البحوث والابتكارات في اختراعات جديدة أساسها الانتفاع بها جميعا وبتطبيقاتها العملية في الحياة الفعلية . وقد كان من نتائج هذا الانصراف أن ظل رجال العلم في عزلة عن عالم السياسة وتقلباته وتطورات الحكم ، قائمين بالإنتاج وحده تاركين لغيرهم الاستغلال والانتفاع بنتائجه.

ولم يكن في ذلك بأس حين كانت الجهود منصرفة إلي تسخير هذا الإنتاج وذلك الابتكار في تطبيقات عملية لخير الإنسان وراحته ومتعته ، وحين كانت تلك التطبيقات محدودة المدى . ولكن الامر تطور في العصر الحديث حيث بدأ رجال السياسة يستغلون نتائج العلم في إقامة معاول

لهدم الإنسانية وآلات لتعذيب بني البشر ، كما بدأ رجال الأعمال يجمعون الثروة الطائلة من وراء ما يخترعه العلماء الذين لا يظفرون من الاختراعات ومن تلك الثروة إلا بنصيب ضئيل تافه لا يكاد يفي بحاجاتهم الشخصية الضرورية .

ومن أجل هذا أخذ بعض العلماء يهيب بإخوانه أن يفكروا في موقفهم ويهبوا من سباتهم ويخرجوا من عزلتهم ويطالبوا بحقهم المشروع في ان يكونوا العامل الأول في توجيه سياسة البحث والاختراع والتطبيق العملي للإبتكارات في سبيل سعادة الإنسان وحدها وفي سبيل تحسين المجتمع ورقيه وتخفيف ويلات الإنسانية ؛ وبالجملة توجيه السياسة المحلية والسياسة الدولية الوجهة الصحيحة السليمة التي تهدف للخير العام لا للشر ، وللبناء لا للهدم ، وللمتعة والسعادة لا للبؤس والشقاء

كما أخذوا يطالبون بحقهم المشروع في أن يتمتعوا بقسط معقول وعادل هما تدره تلك النتائج العلمية والتطبيقات العملية من أرباح وما تجمعه من ثروات ، بدلا من ان يكون ذلك من نصيب أفراد قلائل من أصحاب رءوس الأموال الذين يتفننون في استدرار أموال الناس ، وفي زيادة كسبهم وإنماء ثروتهم على حساب المستهلك بغير ما رحمة ولا شفقة ولا عدالة ، بينما العالم المسكين الذي انار السبيل والمهندس البائس الذي صمم الأجهزة المستخدمة في تلك التطبيقات ، كلاهما لا يجد ما يسد اوده وما يمكنه من أن يعيش عيشة هادئة ناعمة مستقرة سعيدة ، لا يحمل فيها هما ولا يشغله فيها من متاعب الحياة شاغل ، حتى ينصرف بكلياته إلى زيادة الثروة العلمية وتحسين التطبيقات العملية باستمرار .

تحدثنا عن كل ذلك وأوردنا للقراء خلاصة لبعض ما قرأنا من تلك الكتب التي ظهرت في السنوات الأخيرة تعالج علاقة العلماء بالجتمع وعلاقتهم بالحكم وعلاقتهم

بالسياسة الاقتصادية والتوجيهات المالية . واشرنا إلى ضرورة انتفاع مصر من هذه الحركة المباركة على اكمل وجه ومسايرتها لهذا الاتجاه الجديد الصائب .

واليوم تغتبط أشد الاغتباط ونثني اعظم الثناء ونؤمل اكبر الأمل ، إذ نجد عالما من علمائنا وعظيما من عظمائنا بل ووزيرا من وزرائنا يقف في جمع حاشد يفتتح مؤتمرا خطيرا في حضرة مندوب جلالة الملك المعظم فيلقيها صيحة مدوية ، وينادي بها كلمة صريحة قوية ، ويعلنها حقيقة لا سبيل إلى إنكارها ، فيقول في شجاعة وصراحة : " أحسب الوقت قد حان لنري الامم أن من الخير لها ان تسلم للفنيين قيادها وتدعهم يسيطرون بعلمهم على مقدراتها ، ويسددون بعملهم خطواتها . ومن الخطل في الرأي والخطر على مستقبل المدنية أن تعيش الأمم في عصر التخصص محكومة بالهواة أو المحترفين من السياسين " .

فهل رأيت انتصارا للعلم والهندسة أكبر من هذا ؟ وزير يتبوأ منصبا رسميا في الدولة ينادي أمام مندوب جلالة الملك في قاعة الاحتفالات الكبرى بجامعة فؤاد الأول الخاصة بالألوف من المستمعين في خطبة افتتاح مؤتمر الهندسة الثاني ، ينادي بأن يتسلم رجال العلم القيادة ويساهموا مساهمة فعالة في توجيه سياسة البلاد ، ويشتر كوا اشتراكا قويا في الحكم ؛ وذلك حفظا المدنية وحرصا على خير الإنسانية وتحقيقا للأهداف العالية الاجتماعية ووضعا للأمور في نصابها الصحيح ، ومسايرة للنهضة العلمية الحقة في بلاد العالم كلها .

إنني أعد هذا انتصارا كبيرا ، لا لرجال العلم والهندسة وحدهم ، ولكن لمصر كلها ، وأعده فألا عظيما وبشيرا بعهد ذهبي جديد يوشك أن يطلع فجره ، وتدل الدلائل كلها على انه سيكون عهد يمن وبركة وخير عظيم لهذه البلاد . فليس

انفع لها ولا اضمن لتوجيـــــه سياستها في الاتجاه الصحيح من ان يتولى كل مرفق من مرافق الحياة فيها رجل علمي مختص ، وان يتبوأ بطبيعة الحال كل وزارة من الوزارات رجل من رجال العلم والفن الخبير بشؤونها القادر على حسن توجيهها .

فالبلاد قادمة على مرحلة من أدق مراحل نهضتها وعلى عهد إصلاح وتجديد في جميع مرافقها ، فكل ما فيها محتاج إلى تعمير وإنشاء وتجديد وإصلاح ، وكل هذا محتاج إلي تفكير ناضج سليم وإحاطة علمية شاملة وخطط قوية صالحة ، وتنفيذ عملي على أسس متينة ؛ وبالجملة تفتقر الأمة في الوقت الحاضر للعمل الصامت الهادىء ، المرتكز على دعائم فنية ، لا للكلام الطويل العريض الخلاب البراق فحسب ؛ فكفى هذه الأمة سنين طويلة قضتها في الكلام ، فقد حان الوقت الذي يجب ان تعطي فيه الفرصة لمن يتقنون العمل وإن لم تسعفهم براعة الكلام .

" لقد درج رجال العلم والهندسة ( كما قال معالي عبد القوي أحمد باشا في هذا الخطاب الرائع الفريد ) على ان يعملوا لحساب غيرهم ، فيحققوا في الحرب وسائل الغلبة والنصر للقائد ، وينشئوا ويعمروا ويعبدوا الطريق لنجاح السياسي في وقت السلام ، بما تنتجه قرائحهم وتهديهم إليه عبقريتهم ، وبما تقيمه سواعدهم وتنشئه مقدرتهم الهندسية وبراعتهم الفنية . وكثيرا ما أساء هؤلاء السياسيون استغلال ذلك كله وأفاد هؤلاء المنتفعون إفادة شخصية بدلا من أن تستفيد البلاد وينهض المجتمع

فالوقت قد آن بغير شك لأن يتسلم العلماء والمهندسون راية القيادة ويجربوا حظهم في التوجيه ، وتعطى البلاد فرصة الانتفاع برجال الحقائق ، وبالخطط المرسومة على أساس من الوقائع والارقام والعلم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وبتنفيذ تلك الخطط على أيدي رجال العمل الصامتين ، تؤيدهم وتعضدهم وترشدهم قيادة تفهمهم

وتقدرهم وتقوي علي تبين أخطائهم وتقدر على تصحيحها وعلى حسن توجيههم وإرشادهم .

والأمر هنا لا يتعلق بمصر وحدها ، بل إنه ينصرف إلي العالم العربي كله الذي صمم في نهضته الجديدة ووضعه الحالي على ان يتكاتف ويعمل في إخاء وتساند وتعاون . ولذلك راقتنا كلمة معالي الوزير في هذا الشأن ، فجعلناها ختام هذا المقال : " ولعل أدوم صور الإخاء بين أبناء العروبة وأبقاها على الأيام ما كان في سبيل العلم ، وكل حركة تستند إلي حقائق العلوم إنما هي حركة مباركة في عصر يسعي بحق عصر العلم " .

والله الموفق الهادي لما فيه خير هذه البلاد العربية ومصلحتها المشتركة .

اشترك في نشرتنا البريدية