لقد سبق لنا أن نشرنا عن ابن الهيثم مقالا في " المقتطف " وآخر في أحد أعداد " الرسالة " الممتاز واتينا على بعض مآثره في كتاب " نواح مجيدة من الثقافة الإسلامية " واذعنا عنه حديثين في محطة فلسطين اللاسلكية ، ودعونا الحكومات والهيئات العلمية في الاخطار العربية إلى ضرورة الاهتمام بالثقافة العربية وبعثها والعمل على نفض غبار الأهمال عن تراث علماء العرب وماثرهم ، وإزالة الغموض المحيط بأثارهم . وقد جاء في مقالنا المنشور في عدد " الرسالة الممتاز الصادر في ٥ اربل سنة ١٩٣٧ ما يلي : " . . ويؤلمني أن أقول إنه لو كان ابن الهيثم من ابناء امة اوروبية لرايت كيف يكون التقدير ، وكيف يذاع اسمه وتنشر سيرته على الناس ، وتدخل في برامج التعليم ليأخذ منها الأجيال إلهاما وحافزا تدفعهم إلي الاقتداء به والسير على طريقته
" أليس في عدم معرفة ناشئتنا وشبابنا شيئا عنه إجحاف وعيب فاضح ؟
" أليس إهمال منا أن نعرف عن بطليموس ، وكيلر وباكون ، أكثر مما نعرف عن ابن الهيثم ؟
" الا يدل هذا على نقص معيب في برامجنا الثقافية القومية . .
" ولا يظن القارئ أن ابن الهيثم وحيد في هذا الأجحاف والاهمال ، فليس حظ اكثر علماء العرب ونوابغهم وعباقرتهم بأحسن من حظه ؛ فها هي ذي حياتهم
ومآثرهم لا تزال محاطة بغيوم الغموض وعدم الاعتناء ، وهي في اشد الحاجة إلي أناس يتعهدون بإزالة الغيوم وإظهار المآثر علي حقيقتها للناس . ولاشك ان في إظهارها إنصافا لهم وخدمة للحقيقة ، كما ان عرضها على الناشئة من العوامل التي توجد فيهم الاعتراز بالقومية والأعتقاد بالقابلية ، وشعورا يدفعهم إلي السير على نهج الأجداد في رفع مستوي المدنية . ولا يخفي ما في هذا كله من قوي يدفع بالامة إلى حيث المجد والسؤدد ، قوي تمهيد السبل لتقوم ( الأمة ) بواجبها نحو نفسها ونحو الإنسانية ، فتساهم في بناء الحضارة وإعلاء شأنها . . "
ثم اتينا على بعض اعترافات الأقدمين وعلماء الأفرنج المحدثين في ابن الهيثم ، مما يدل على فضله وعلمه وأثره الكبير في تقدم العلوم الرياضية والطبيعية . فلقد عرف الأقدمون من علماء العرب فضله ، وقدروا نبوغه وعلمه ، فقال ابن إبى اصيبعة : " . . وكان ابن الهيثم فاضل النفس قوي الذكاء متفننا في العلوم لم يماثله احد من اهل زمانه في العلم الرياضي ولا يقرب منه ، وكان دائم الاشتغال كثير التصنيف وافر التزهد . . " وقال ابن القفطي : " إنه صاحب تصانيف وتآليف في الهندسة ، كان عالما بهذا الشأن متقنا متانيا فيه ، قيما بغوامضه ومعانيه مشاركا في علوم الأوائل ، أخذ عنه الناس واستفادوا . "
وكذلك عرف الأفرنج قيمة ابن الهيثم فأنصفوه بعض الإنصاف ، واعترفوا بتفوقه وخصب قريحته ، فنجد دائرة
المعارف البريطانية تقول : " . . إن ابن الهيثم كان أول مكتشف ظهر بعد بطليموس في علم البصريات . . وجاء في كتاب تراث الإسلام : " إن علم البصريات وصل إلي أعلي درجة من التقدم بفضل ابن الهيثم . " واعترف العالم الأفرنسى ( لوتيرفياردو ) بأن كيلر أخذ معلوماته في الضوء ولاسيما ما يتعلق بأنكسار الضوء في الجو من كتب ابن الهيثم . ويقول سارطون : " . . إن ابن الهيثم اعظم عالم ظهر عند العرب في علم الطبيعة ، بل اعظم علماء الطبيعة في القرون الوسطى ، ومن علماء البصريات القليلين المشهورين في العالم كله . . "
ولعل الأستاذ مصطفي نظيف بك أول عربي في هذا العصر انضف ابن الهيثم بعض الانصاف ووقف على التراث الضخم الذي خلفه فى الطبيعة ، ولاسيما فيما يتعلق ببحوث الضوء قال الأستاذ نظيف في مقدمة كتابه النفيس الفريد ( البصريات ) ما يلي : " والذي جعلني أبدأ بعلم الضوء دون فروع علم الطبيعة الطبيعة الأخرى إن علما ازدهر في عصر التمدن الإسلامي وكان من أعظم مؤسسيه شأنا ورفعة وأثرا الحسن بن الهيثم الذي كانت مؤلفاته ومباحثه المرجع المعتمد عند أهل أوربا حتى القرن السادس عشر الميلاد " فلقد بقيت كتبه منهلا عاما نهل منه أكثر علماء القرون الوسطي كروجر باكن وليوناردوفنسي وبروتيلو وغيرهم . وكتبه هذه وما تحويه من بحوث مبتكرة في الضوء هي التي جعلت ماكس مايرهوف يقول صراحة : " إن عظمة الابتكار الإسلامي تتجلي في علم البصريات . وبعد ذلك اوردنا ماثره في الضوء وأثرها في تقدمه ، وأوضحنا بعض النظريات والآراء التي استحدثها فيه
ومن المبهج أن نجد بعض الهيات والمعاهد العلمية اخذت تعترف بما لعلماء العرب ونوابغهم من فضل على
الحضارة ، فراحت تعمل علي تخليد اسمائهم وإحياء ذكراهم ، ولقد قرر مجلس كلية الهندسة في جامعة فؤاد الأول بالقاهرة في اجتماعه المنعقد في ١٨ مارس سنة ١٩٣٩ " إنشاء محاضرات يكون من تقليد قسم الطبيعة بالكلية تنظيم إلقائها باستمرار ، تتناول دراسات تمت بصلة إلي الناحية العلمية من عصر الحضارة الاسلامية او من عصر من عصور التاريخ المصري القديم أو الحديث ، تسمي إحياء لذكري ابن الهيثم وتخليدا لاسمه ( محاضرات ابن الهيثم التذكارية ) . .
وكانت أولى المحاضرات للأستاذ مصطفي نظيف بك عن ( الحسن بن الهيثم والناحية العلمية منه ، وأثره المطبوع في علم الضوء ) طبعت في كراس صغير طبعة أنيقة ولخصته مجلة " الثقافة "، وقد تفضل الأستاذ فأهداني هذا الكراس ، فوجدت أن فيه تحليلا رائعا للطريقة التي كان يسير عليها ابن الهيثم ، وعرضا موفقا لسيرته الحافلة بالمأثر الخالدة ، وقد طبعها الأستاذ بطابع الإخلاص للحق والحقيقة ، وأبان بعضا من بحوث الضوء التي أثارها ابن الهيثم والتي تكفي لتجعل له مقاما ممتازا في مقدمة علماء الطبيعة في جميع عصور التاريخ . . " وأشار الأستاذ أيضا إلي أن هناك آراء لابن الهيثم سبق فيها الأجيال ، وانه أعاد بحوث من تقدموه من جديد ، ونظر فيها نظرا جديدا لم يسبقه إليه أحد ، وانه وضع لبعض مسائل تتعلق بالضوء حلولا واضحة ، مطابقة للواقع المعلوم في زمانه . وقد جاءت " حلوله متنافسة منسجمة ، ينظمها نظام طبيعي سليم ، فتألف من ذلك وحدة وضعت فيها الأمور في أوضاعها الصحيحة وصارت النواة التي تكثف ونما حولها علم الضوء . . " ثم يقول الأستاذ نظيف بك : إن ابن الهيثم هو رائد علم الضوء في القرن الحادي عشر للميلاد ، كما أن نيوتن زائد علم الميكانيكا في القرن السابع عشر للميلاد .
وهذه المحاضرة النفيسة لن تكون الأخيرة فسيعقبها محاضرات اخري من ذوي الاختصاص من مختلف نواحي الحضارة الإسلامية وأثرها في المدنية .
ولا أظن أن أحدا يخالفني القول بأن قرار مجلس كلية الهندسة من أجل الأعمال التي تقوم بها جامعة فؤاد الأول ، وهو خطوة نحو بعث الثقافة العربية ومحاولة لاحياء ذكري علماء العرب الذين خدموا الإنسانية ، وأضافوا إلي ثروتها العلمية إضافات هامة لولاها لما تقدمت الحضارة تقدمها المشهود . ولاشك في أن هذه المحاولة وتلك الخطوة ستقابلان من العرب في سائر الأقطار بالشكر والرضي والتقدير ، وستدفعان بعض المعاهد العلمية في البلدان العربية إلى السير على طريق الكلية واقتفاء آثارها . ويدعونا الأنصاف إلى القول أن هناك خطوات ومحاولات سابقة من جانب الهيئات العلمية والقائمين بأمر الحكومات العربية من شانها إحياء تراث العرب وإظهار ماثرهم وما قدموه من جليل الخدمات إلي المدنية . فلقد أقيم مهرجانات عديدة في مصر والمغرب وسوريا ، إحياء لذكري شاعري العرب ( المتنبي ) وقد كانت هذه المهرجانات موفقة ورائعة نبيلة المقاصد سامية الغايات ، كشفت عن بعض النواحي في حياة المتنبي وأثره في الأدب والشعر . وكذلك أقامت كلية الآداب ( أسبوع الجاحظ ) تكلم فيه عدد من فحول الأدب وأئمة البيان .
ولا ننكر أننا نلمح في هذه السنين حركة جديدة نحو احياء الكتب القديمة وإظهارها إلي الناس ، وسعيا جديا لطبعها وتسهيل اقتنائها ؛ فقد نشر الأستاذ النابغة الدكتور مشرفة بك عميد كلية العلوم والاستاذ الدكتور محمد مرسى أحمد كتاب " الجبر والمقابلة " لمحمدبن موسي الخوارزمي ، كما اخرجت الحكومة المصرية بالاشتراك مع بعض الهيئات كثيرا من المخطوطات القيمة والكتب القديمة في الأدب والعلم وتوفقت في عرضها عرضا حديثا وجعلتها سهلة التناول أما العراق وسوريا ففيها هيئات وجماعات علمية
وأدبية تعمل عن طريق الصحافة وطبع الكتب علي إبراز خصائص الحضارة الإسلامية وإظهار مزاياها واثارها ! وقد قامت جمعية المتمدن الاسلامى في دمشق باصدار عدد من الكتب في التراث العربي والأسلامي في شتي نواحيه ، كما أخذت الحكومة السورية تعمل على إقامة مهرجان كبير إحياء لذكري المعزي بمناسبة مرور ألف عام على وفاته ، وقد انتهت من وضع تصميم لبناء ضريح الشاعر الفيلسوف في مسقط رأسه ( المعرة ) من ولاية حلب
ولسنا بحاجة إلي القول إن هذه النهضة سواء اكانت في مصر او العراق أو سوريا ، لا تزال في أولى مراحلها ، لم يقطع فيها العرب بعد شيئا جديرا بالأعتبار ولكن ما نراه من البدء في الاهتمام بالتراث العربي لما يؤكد لنا بأن العرب اصبحوا يدركون أن بعث الثقافة وإحياء القديم وربطه بالحاضر ، من أقوي الدعائم التي عليها يشيدون استقلالهم يببنون كيانهم ، ومن أهم العوامل التي تحفظ لهم خصائصهم ومميزاتهم وبذلك يستطيعون ان يتتبعوا وان يبدعوا مباين العلم والأدب والفن وأن يحققوا لأمنهم مجدا وعزا وسؤددا .

