كانت الأرواح التي تزهق علي أثر غرق السفن في البحار كثيرة بلغ عددها في إنجلترا ١٣٠٠ عام ١٩١٢ لكن العلم قد وصل في الثلاثين سنة الأخيرة إلي اكتشافات انقصت إلي حد كبير احتمال ارتطام السفن في المحيطات وغرقها . ويكفي ان نشير هنا إلي الابتكارات والتحسينات التي ادخلت على اللاسلكي وغيره من وسائل الإشارات وجعلت في إمكان المستغيثين وطلاب الغوث أن يدلوا على مواضع السفن التي تنقلهم ، اولئك الذين يبعدون عنهم أميالا عديدة . ثم نشير إلي الطائرة الحديثسة التي مكنتها سرعتها العظيمة من ارتياد مساحات واسعة شاسعة في زمن قليل نسبيا . وقد نتج عن ذلك كله أن اصبحت أخطار البحار في اوقات السلم الطبيعية قليلة جدا بالنسبة لما كانت عليه منذ ثلاثين أو أربعين سنة حين كانت النجاة مرهونة إلي حد كبير بتصادف مرور سفينة بالقرب من المنكوبين ورؤيتها إياهم .
لكن قل أن يدرك الناس ماذا فعل العلم وماذا يفعل الأن في سبيل تحسين تصميم قوارب النجاة وفي سبيل تخفيف متاعب من يركبون فيها حتى تصل إليهم المعونة أو يغيثهم من يلبون نداءهم
ولننظر الآن في الحاجيات الرئيسية للانسان : إنها الهواء للتنفس والماء للشرب والطعمام للاكل والدفء والملبس والمأوي للحماية من العوامل الطبيعية ، واهم هذه جميعا الهواء والماء ، فمن المعروف جيدا ان في استطاعة الإنسان ان يعيش عدة أسابيع بغير طعام ، لكن ليس في
استطاعته أن يعيش أكثر من أيام قليلة بغير الماء .
ولا يدرك معنى العطش الحقيقي إلا أولئك الذين قاسوه بالفعل في ظروف عز عليهم فيها الماء وجدوا في البحث عنه جد المستيئس ، ولك ان تسأل عن هذا جندي الصحراء الذي تصادف أن انحرف عن وحدته وضل الطريق ، أو البحار الذي ضربت سفيتته بالطربيد وقضى أسابيع فوق قطعة خشب تلعب بها الرياح والأمواج
وقد لقيت بطبيعة الحال مشاكل إنقاذ الأرواح في البحر عناية عظيمة في خلال سنوات الحرب الأخيرة ، وكان من نتائجها ان ادخلت تحسينات على جانب عظيم من الأهمية في وسائل الإنقاذ ودرست بصفة خاصة مسألة مياه الشرب وخير الطرق لتوفيرها ، وتعاونت على هذه الدراسة فرق من العلماء الباحثين التابعين لمدة مصالح حكومية ، ومنشآت أهلية ؛ ومن أهم هذه المشاكل البحث عن خير الطرق لاستخلاص ماء صالح للشرب من مياه البحور المالحة
وأول ما يتحتم على المشتغل بحل هذه المسألة أن يعرفه هو كمية الماء التي يحتاجها الشخص في اليوم الواحد ، وعدد الأيام التي يراد توفير الماء له فيها . ويقال إنه إذا كان الطقس معتدلا كان متوسط كمية الماء التي يحتاجها جسم الإنسان البالغ على وجه التقريب هي في 2 1/2باينت ) ١ ( في اليوم لكن المعروف أن مقادير أصغر من هذه بكثير تكفى للابقاء على الحياة عدة اسابيع فإذا فرضنا ان الإنسان يحتاج إلى باينت واحد في اليوم لمدة أربعة أسابيع ) وهو تقدير مناسب ( كان الماء اللازم وجوده في قارب النجاة الذي يحمل اربعين شخصا هو ١٤٠ جالونا . وليس من المستطاع عمليا في الوقت الحاضر ان يقتطع في قارب نجاة مزدحم فراغ بكفي لخزن ١٤٠ جالونا من الماء ، وذلك
بالنسبة لكثرة المعدات الأخرى الضرورية .
وكان المتبع قبل الحرب أن يمون كل قارب من قوارب النجاة بعشرة جالونات من مياه الشرب مخزن فيه . لكن يلاحظ ان السفن في اوقات السلام تتبع خطوط سير معروفة مطروقة ، ومن ثم يصلها الغوث عادة في خلال ساعات أو أيام قليلة . أما في زمن الحرب فقد تتأخر الإغاثة أكثر من ذلك لأن السفن نسير في طرق متعرجة غير معروفة ولا مطروقة لتضليل عدوها . ولذا جرت العادة أن يمد قارب النجاة في الحرب بما يقرب من الثلاثين جالونا من الماء المخزون فيه ، وهذا يعادل توفير نحو ربع جالون يوميا لكل فرد في القارب لمدة أربعة أسابيع ، وقد اقتضي هذا التحسين مهارة فائقة في التنظيم الداخلي للقارب ، وبخاصة بالنسبة للفراغ المعد لمخزن الأشياء المحمولة .
وفي الجو الممطر يمكن أن يزداد مدد الماء الصالح للشرب بجمع ماء المطر ، وقد صمم لهذا الغرض قماش يجمع المطر ، إذا طوي للحزم والخزن فلا يزيد طوله عن القدم إلا قليلا ولا يتجاوز عرضه بضع بوصات اما إذا بسط فان مسطحه الذي يجمع ماء المطر يبلغ نحو ست يردات مربعة ، وعند ما يكون المطر غزيرا يصل ما يجمع به في ساعات قليلة إلي نحو ٢٥ جالونا . لكن المطر ليس بالأمر المستديم الذي بعتمد عليه ، فلا بد من وسيلة اخري لتدبير الماء اللازم .
ولعلك تتساءل : كيف يعز ماء الشرب على الذين يحيط بهم من كل جانب ملايين من الجالونات من الماء ؟ والجواب على هذا : ان ماء البحر لسوء الخط غير صالح للشرب لكثرة ما به من ملح ذائب بجعل شربه في الواقع خطرا ما لم يشرب الإنسان معه كذلك قدرا اكبر منه بكثير من الماء التي لاحتوي أملاحا أو تحتوي منها مقادير لا تذكر .
وقد جرت بحوث متواصلة لمدة سنوات عديدة على ايدي هيئات دولية في مياه البحار وفي كمية الأملاح التي تحتويها وفي طبيعة تلك الاملاح ، وتبين من هذه البحوث
أن مياه البحر تحتوي مزيجا من الأملاح أربعة أخماسه هي بينها ملح الطعام المستخدم في الطهى ، ويبلغ مقدار ما في مياه البحر من الأملاح وجه عام ما بين ٣ و ٤ في المائة ، وهذه النسبة نحو أربعة امثال نسبة الملح في جسم الإنسان . ومن هذا يتضح الضرر الذي ينجم عن شرب مياه البحر وحدها . ويلاحظ ان معظم الناس لا يستسيغون الماء الذي يحتوي عشر ما يحتو به ماء البحر من ملح ويجدون في طعمه غضاضة كثيرة .
فنحن إذا محتاجون وقت وقوع الخطر في البحر إلي طريقة سهلة لإزالة الملح من بعض ماء البحر حتي يصبح صالحا للشرب . وهناك عدة طرق لإجراء هذه العملية معظمها صعب ، وأقربها وأوضحها عملية التقطير أي غلى ماء البحر وتكثيف البخار . ومن المعلوم أيضا أن ماء البحر إذا برد إلي درجة التجمد كان الجمد ) أو الثلج ( المتكون أول الأمر لا يحتوي من الملح إلا قليلا جدا ، لأن معظمه يظل ذائبا في المياه التي لا تتجمد . وهناك طرق أخري . فباضافة كيماويات خاصة مثلا يمكن فصل الأملاح على صورة أجسام صلبة تخلص منها بالترشيح ، وهذه طريقة معقدة وغير مضمونة إذا لم تجر بغاية الدقة والعناية . ومنذ عشر سنين اكتشف بعض الكيماويين ان أنواعا من الراتينج التركيبي ) ( synthwaresinوهي نوع من المواد المعروفة بالعوالك ( في قدرتها استلاب الأملاح من ماء البحر ، وذلك بأن يمرر ماء البحر هذا من خلال قطع مجروشة من احد أنواع الراتينج ثم من خلال نوع آخر منها ، وفعل هذه الراتينجات مشابه لفعل المادة المستخدمة في المنازل عادة لتحويل الماء من عسر إلي يسر . لكن من سوء الحظ أن حجم ماء الشرب المستخلص بهذه الطريقة لا يكاد يزيد على حجم الرانينح المستخدم في الحصول عليه .
ومن أحدث البحوث نستنتج أن الطريقتين المنتظر أن تصادفا نجاحا في تحقيق غرضنا هما التقطير والمعالجة
الكيماوية بطريقة شبيهة بالتي تستخدم فيها الراتينجات . وقد استقر الرأي بعد القيام بتجارب عديدة على ان التقطير هو خير ما يصلح من هذه الطرق لقوارب النجاة
وتصميم مقطر صغير لقوارب النجاة ليس من السهولة بالقدر الذي قد يبدو ، لأنه لابد من استيفاء عدة شروط هامة . فالحيز الذي يشغل المقطر والوقود المستخدم فيه يجب أن يكون أقل بكثير من الماء المقطر المستخرج بتشغيل المقطر بضع ساعات في اليوم لمدة اسبوعين مثلا ، وإلا كان من الأفضل خزن الماء كالعادة ، ثم إن البساطة والسهولة في تشغيل المقطر شرط اساسي ، كما يجب ألا يكون هناك نظام آلى معقد فيه أدنى احتمال للعطل وقت الحاجة الملحة .
وأخيرا يجب ان يكون تصميم هذا الجهاز بحيث يسمح بصنع اعداد كبيرة منه بطرق الإنتاج بالجملة بأقل ما يمكن من العمل الذي يحتاج لمهارة يدوية .
وفي أول الامر وضع تصميم عدة مقطرات تنتج ما بين باينت واحد واربع باينتات من مياه الشرب في الساعة ، وقام بصنع هذه المقطرات عمال فنيون في درجة عالية من المهارة ، واجريت في الوقت نفسه تجارب عديدة تعاون في إجرائها رجال صناعة الزيوت والوقود وغيرهم لاختيار الوقود المناسب والمصباح الصالح لتسخين المقطرات . وفي المرحلة التالية استخدم الجهاز في تقطير المياه في بحر الشمال .
ثم أجريت اختيارات في الورش وفي الهواء الطلق في ظروف مشابهة التي يكون عليها القارب في البحر ، ولتقليد حركات القارب شغلت المقطرات وهي تتأرجح كالبندول ولتقليد الرياح الشديدة سلط على الجهاز تيار من الهواء منبعث من مروحة ، وبعد ذلك اجربت اختبارات فامت بها عدة مجموعات من البحارة تستخدم المقطرات في قوارب النجاة في البحر ، ونتج عن هذا كله إدخال عدة تحسينات . وفي خلال ذلك كله اشتغل العلماء متعاونين مع الشركات التي ينتظر أن تقوم بصنع المقطرات والمصابيح على نطاق واسع .
وهذه هي المرحلة التي يتحول فيها النموذج الدقيق الذي يشتغل عليه القائمون بإجراء البحوث الفنية إلى الشكل الحقيقي الذي يكون فيه سلعة تجارية تؤذي عملها كما ينبغي على الرغم من انتاجها بكميات كبيرة على نطاق واسع .
وقد اختبر بالفعل نوعان من المقطرات يجري صنعهما الآن ولا يزال الثالث قيد الفحص ، وكل من المقطرين ينتج نحو اربعة باينتات من مياه الشرب في الساعة ، وحجم المياه الناتجة من المطر إذا اشتغل عدة ساعات في اليوم لمدة اسبوعين أكثر بكثير من حجم المقطر والوقود . وأحد المقطرين يتم التسخين فيه بمصباح يحرق زيتا ، والاخران يسخنان بحرق الوقود الصلب ) قوالب الفحم او الخشب أو غيرها ( .
ولنتصور أننا في قارب نجاة وتريد أن تشغل المقطر الذي يسخن بالزيت ؛ هذا المقطر على شكل اسطوانة رأسية وفيه مدخنة متوسطة تحتوي الصباح ، ويثبت المفطر اولا في المكان المخصص له في القارب ثم يصب ماء البحر في الخزان الذي في قمته ، هذا الخزان بشبه الدواة التي لاينسكب منها الحبر ، وذلك حتى لا ينسكب ماء البحر حين تتلاعب الأمواج بالقارب ، وإذا ادرنا مسمارا نحو فتح انبوبة تغذي المصباح بالزيت من خزان يحيط بالقطر ثم يضاء المصباح . وكل ما هو مطلوب بعد ذلك هو إضافة ماء البحر من آن لآخر ، فبعد فترة قصيرة من الزمن يفيض ماء الشرب باستمرار من أنبوبة قرب قاع المقطر ويستمر فيضانها بحيث تمدنا بأربعة باينتات في الساعة مادام الصباح مشتعلا .
وفي النية الإستمرار في خزن مياه الشرب في قوارب النجاة بالقدر الذي كان يخزن فيها مضي وان يكون كل من القماش الذي يجمع مياه المطر والمقطر من المعدات الإضافية في قارب النجاة ، وذلك كله في سبيل المحافظة على أرواح المنكوبين في البحار

