الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 345الرجوع إلى "الثقافة"

حول مشاهد الصيف، المتناقضات

Share

تغيبت عن القاهرة نحو عشرة ايام فقط شاهدت في خلالها مناظر متباينة إلى حد لم أره في أي جزء آخر من أجزاء العالم ، حقا انه لاشك في وجود فروق بين المناطق المتباعدة من قطر واحد ، لكنها في العادة فروق يسيرة ولها ما يبررها ، فمن الطبيعي ان ينتظر الإنسان ان يحس باختلاف بين طبائع اهل الصعيد وأهل الوجه البحري في عاداتهم ولغتهم وميولهم وبعض تفاصيل زيهم . لكن الاختلاف الذي أشير إليه غير هذا .

بدأت من القاهرة وهي ، كما يعرفها كل من رآها ، تحوي أحياء تبدو عليها اثار النعمة والرخاء والسطوة ، واحياء تنم عن البؤس والفقر والضعف . هي بلد زاخر بالسكان من المصريين والأجانب فيهم الغني والفقير والتاجر والصانع والآجير يعيشون كل على شاكلته ، لكن وجودهم في بلد واحد من شأنه ان يحدث شيئا من التقريب يمنع على اقل تقدير ذلك التفاوت الهائل الذي يبغت الإنسان ويصدمه

وحين يكون الإنسان في المدينة يختار الامكنة التي يرتادها والدائرة التي يجتمع بأهلها والوسط الذي يلائمه ويسره الاندماج فيه . فإذا ما انتقل إلي الريف تحددت في الحال دائرة اختياره . فامكنة الأجتماع محدودة والجماعات قليلة معروفة والوسط واحد لا يتغير . قوم قد ضاقت دائرة تفكيرهم وانحصرت الموضوعات التي يتناولها حديثهم ، ثم هم لا يتحدثون في صراحة واعتقاد ، وإنما يتخابثون أحيانا، ويتملقون اخرى وينافقون في بعض المواقف ويكذبون في البعض الآخر . وقل على أي حال ان يصدروا في اقوالهم وافعالهم عن وحي القلب ونداء الضمير

فإذا تأمل الإنسان فيما حوله في الريف راقته الطبيعة

ومباهجها ، وإبداع الخالق الذي يتجلي في أشعة الشمس وتدفق مياه النهر ونمو الزرع وهبوب الرياح ومتاع الأمسية وما يحليها من جمال سماوي يتجلي في ضوء القمر في لياليه وزها النجوم في الليالي الحالكة . ومن تغريد الطيور وغناء الآدميين بتلك الأصوات العذبة الصافية التي تنبعث في الهواء الطلق بغير تكلف أو تصنع أو تدللل .

وكان المنتظر أن تكون هذه المباهج والمحاسن مبعث سرور واغتباط ومرح دائم ، لكن الواقع غير هذا مع الأسف الشديد ؛ وذلك لأن يد الإنسان حين تتدخل في الطبيعة في ريفنا المصري لا تزيده حسنا على حسنه ولا تضيف إلي مزاياه مزايا اخري ، بل على العكس تفسد الحياة فيه بما تخلق من عيوب ومما تستحدثه من مساويء ومما تسببه من متاعب وبلايا ومضايقات .

فلننظر أولا إلي الزراعة وكد الإنسان فيها ، فهذه هي الناحية التي طالما سمعنا ثناء عليه فيما يخصها وإشادة بصبره ومثابرته وفي الحق انه يعمل ويعمل كثيرا في الغيط الذي ممتلكه او يؤجره بقيمة معتدلة مربحة . لكن عمله يتناول في الكثير الغالب الأعمال العادية الرتيبة أما النواحي التي تحتاج لتفكير وذكاء وشئ من حسن التصرف فلا نجد له فيها أثرا خيرا يذكر ، بل يغلب عليها مع الأسف أثر الشر .

فالذباب والبعوض ومعظم الافات الزراعية يرجع الكثير من اسباب تفشيها ونمائها إلي جهله وإهماله و كسله . فانك لا تستطيع ان تقنعه بأن الماء الراكد مضر وأن عليه من أجل ذلك ان يبذل جهده في منع تجمع الماء في مكان ما وركوده فيه . كما أنك تفشل في حمله على جمع القاذورات في مكان بعيد عن السكني وتغطية ما لا بد من وجوده منها في المسكن أوفي مكان قريب منه ، كذلك بحت أصوات الناصحين عبثا في المناداة بضرورة الحرص على سلامة مياه الترع مما يلوثها ، ومع ذلك فلم يمتنع القروي عن التبرز على شاطئها ورمي الحيوانات الميتة في وسطها ، مع علمه بأنه سيشرب هو وغيره من هذا الماء الملوث الضار بل الفتاك

أرأيت إذا كيف يحيل سكان القري والريف هذا الهواء النقي إلي هواء متحمل بالميكروبات والجراثيم والروائح الكريهة ؟ وقس على ذلك سلوكهم فيما يتصل بعملهم ، فانهم يجرون فيه على عادتهم المألوفة ، ولا يفكرون في أي تحسين فيها ، بل ولا يقومون بكل ما يجب عليهم من عناية ورعاية ، ولا يسمعون لناصح ولا يأتمرون بأمر صاحب الملك او موظف الحكومة المنوط به أمر المراقبة والتفتيش وضبط المخالفين .

هذا ما ينغص علي الإنسان الحياة في الريف علاوة على المظاهر الأخرى للفقر والمرض والجهل . اما على من تقع المسئولية في ذلك وعن أي طريق يصح أن يخلص الريف من هذه المساويء فسنجعله موضوع حديث آخر . والآن فلننتقل من هذا الجو الهاديء المستكين الذي يسود الريف إلى ذلك الجو الصاخب المرح الذي يعم المصايف .

سافرت من الريف إلي بورسعيد ثم إلي الإسكندرية ، فكان انتقالا مفاجئا يبهر ويثير التفكير والعجب ، أهؤلاء المصطافون إخوة أولئك الذين خلفتهم ورائي في الريف ؟ هل هذا النشاط والسرور والاستمتاع لقوم هم بنو عم الاخرين ؟ حقا ان العلم والمال  والمدنية وأثارها كل هذه تقلب الإنسان وحياته من حال إلى نقيضها ويجعل منه إنسانا اخر لا يمت إلى حاله قبلها بصلة تذكر

الطبيعة هنا لها صورة من نوع جديد . فهواء البحر وجماله وشمسه وجوه تخالف نظائرها في الريف وهي ممتعة كذلك إلى أقصى حد . ومع ذلك فانا نسائل انفسنا : هل هؤلاء الذين تراهم على شاطيء البحر في المصايف قد عاونوا الطبيعة وسايروها واستغلوا جمالها وأدوا حقوقها واستمتعوا بها كما ينبغي ؟ الواقع أنه إن كان لنا ما نأخذه على أهل الريف قلنا أيضا ما نلوم عليه هؤلاء المصطافين ، فأنا نراهم يقصدون أولا وقبل كل شئ إلي مجرد التظاهر ، وبعد ذلك يقصدون اللذة الشخصية وإلا فكيف نفسر ظاهرتين متفشيتين : الأولى دأب هؤلاء على المسير بلباس الحمام

في شئ من الزهو والخيلاء والتدلل وعلى صورة تلفت النظر بدلا عن أن يشغلوا أنفسهم بشئ من الرياضة البدنية الحقيقية النافعة يعقبها الحمام الجدي ثم إفساح الطريق لغيرهم حتى لا تزدحم بهم الأماكن هذا الازدحام الخانق المروع الذي يسبب للرأس دوارا ويفسد على الأغلبية لذتها ويحول دون استمتاعها متاعا بريئا .

والظاهرة الثانية أن الكبار شبانا وشيبا مشغولون بملذاتهم الخاصة وأحاديثهم الغرامية وتدبيراتهم التي تتصل بهذا او ذاك ، مشغولون بذلك كلية عن طائفة من البشر على جانب عظيم من الأهمية كان يجب ان تسخر المصايف كلها من أجلها ، الاوهي طائفة الاطفال ؛ فهؤلاء متروكون في الأغلبية الساحقة لعناية الخادمات والحاضنات وحدهن ، وما أكثر ما تهمل أفراد هذه الطبقة واجباتهن سعيا منهن أيضا وراء ملذاتهن الخاصة ومتعهن الشخصية :

جلست أرقب جماعة من ذوي اليسار أربع ساعات كاملة رأيت فيها من أفراد الجماعة تصرفات عجيبة من هذه الناحية ، فانهم جميعا تركوا أولادهم للخادمات إلا من أبي ذلك وأصر على مصاحبة الوالدين ظنا منه انه سيكون احسن حالا وأكثر استمتاعا من الفريق الأول ، ولكنه مع الأسف كان أسوأ حالا وأقل استمتاعا ، نعم إن الخادمات أعرضن عمن معهن من الأطفال ، لكن هؤلاء شرعوا يسلون أنفسهم بألعاب وإن خلت من العناية وجلبت بعض الضرر إلا أنها ولا شك أفادتهم بعض الفائدة . أما الآخرون الذين صحبوا والديهم فقد اجلسوا على كراسي أمام المناضد ولم يلتفت لهم أحد وظلوا جامدين طوال الأربع الساعات التي قضيتها أراقب هذه الجماعة ، حتى الطعام لم يقدم لهم منه شئ إلي ما بعد الساعة الثانية بعد الظهر وقد يتبادر إلى الذهن أن الكبار كانوا أيضا جالسين لكن الواقع انهم كانوا يجلسون تارة وينزلون إلى البحر ) اخري ويتبخترون رجالا وسيدات أمام ذلك الجمع الزاخر المزدحم في القهوة احيانا ويتفرقون جماعات ، متباعدة احيانا اخري ، وتستغرق كل فئة منهم في

أحاديث ذات شجون كما يبدو . كل هذا يجري ولم يخطر ببال واحد ولا واحدة من هؤلاء العشرة الاشخاص ان يلتفت إلى طفل من الأطفال يسأله حاجته او يدعوه للاشتراك في لعبه أو يأخذه إلي البحر . لم يحدث شئ من هذا ، كأنما أراد هؤلاء الكبار ان يعطوا الصغار درسا في الملل حتى لا يصروا بعده علي صحبة الكبار ويقنعوا بصحبة الخدم على مضض وعلي ما فيها من سوء وضعة ، لكنها على أي حال كانت تتيح لهم شيئا من الحرية في الجري واللعب بدلا من السكون المفروض عليهم

خطر لي كل ذلك وأنا أتنقل في هذه الفترة القليلة بين الريف والمصيف ، فاثرت ان اسجله كبعض خواطر الصيف التي تستحق التسجيل لما فيها من عبرة .

أحمد عبد السلام الكرداني

اشترك في نشرتنا البريدية