الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 307الرجوع إلى "الرسالة"

حول مشكلة العاطلين في أمريكا - عن ذي لسنر الإنجليزية

Share

يظن الكثيرون أن أمريكا أمة غنية لا يعرف الفقر إلى أهلها  سبيلاً. ويعتقد الكثيرون أن مستوى المعيشة في هذه البلاد  يمتاز عن غيره في سائر بلاد العالم؛ ولكن قل أن يعرف هؤلاء  أن في هذه الأمة التي يبلغ عدد سكانها مائة وثلاثين مليوناً من  الانفس، عدداً غير قليل من أبنائها يعانون أشد أنواع الفاقة والفقر.

وأستطيع أن أقول إن نسبة هؤلاء البائسين الذين يعيشون  في فقر مدقع في بلاد أمريكا أكثر منها في بريطانيا العظمى.  إذ أن عدد العمال العاطلين في أمريكا يزيد كثيراً على عددهم  في بريطانيا. وإذا كان هؤلاء العمال لا يعرف عددهم بالضبط إلى  الآن، فهم لا يقلون على أي حال عن عشرة ملايين من سكان  تلك البلاد. ولا شك أن للنظام الإداري والاجتماعي في أمريكا

أثراً كبيراً في هذا البؤس الذي يشمل عدداً غير قليل من الأهلين،  وعلى الأخص نظام المدن والولايات الثماني والأربعين، فإن هذا  النظام المحلي في أمريكا لا يزال على جانب عظيم من الجمود.

وقد كان الرئيس روزفلت أول من فكر جدياً في إصلاح هذه  الحال. ولا غرابة فهذا الرجل معروف بمشروعاته العظيمة وخططهم  الناجحة في إصلاح تلك البلاد. وقد انتخب رئيساً للولايات  المتحدة سنة ١٩٣٣ في أشد الأوقات وأحرجها بالنسبة لحالة البلاد  التجارية. فقلب وجوه النظر لإصلاح هذه الحال، وقد كان أهم  المشروعات التي وضعها في هذا الصدد، هو مشروع   (مساعدة  الضرورة)  الذي شمل اتحاد البلاد، وانتفع به ملايين من العمال  العاطلين لمدة سنتين.

وقد كلف الحكومة هذا المشروع ١٥٠ مليون من  الجنيهات، وهو مبلغ ليس بالكثير لإحياء أمة. ولم يكتف  روزفلت بهذه التجربة التي استفاد بها عدد كبير من السكان،  فأوقف قانون الضرورة وأحل محله نظاماً دائماً للعمال العاطلين.  وقد بذل في هذا الشأن أعظم مجهود رآه العالم في مثل هذه  الأحوال. . . فأعلن أن حكومة الولايات المتحدة لا تتحمل  كل هذه الحاجة، ولا تستطيع أن تقوم بأود كل بائس أو مسكين،  ولكنها ستأخذ بيد العمال القادرين الذين لا يجدون لهم عملاً،  لا بإمدادهم بالمال ولكن بإيجاد عمل دائم لهم

إن نظام إعانة العمال العاطلين في إنجلترا لم يرق روزفلت،  فأعلن أن أمريكا لا توافق على نظام الإعانات المالية بحال من  الاحوال، لاعتقاده أن إعطاء المال بدون عمل مفسدة للأخلاق. وإذا كان لابد من المعونة فهي تعطى في حالات المرض،  ويمد بها العجائز والأمهات ذوات الأطفال.

وقد أبدى روزفلت شجاعة عظيمة في تنفيذ هذا الرأي،  فاستدعى صديقه مستر هاري هوبكن وهو رجل ذكي قضى حياته  في ممارسة الأعمال، وعينه وزيراً وكلفه بإيجاد سلسلة من الأعمال  العامة في البلاد، لتشغيل العمال العاطلين من ألسكا إلى بنما،  ولم يقيده بقيود كثيرة، ولم يشترط عليه شروطاً ثقيلة، ولكنه حتم  عليه أن يجعل سائر الأعمال التي يقوم بها هؤلاء العمال نافعة للدولة.

وقد قام مستر هوبكن بهذا العمل بكفاية وجدارة وأوجد  في الحال أعمالاً دائمة لثلاثة ملايين من العمال العاطلين. ونستطيع  أن نؤكد أن هذه الأعمال على جانب كبير من الفائدة للبلاد.

ومن أهم هذه الأعمال وأكثرها طرافة تسخير الكتبة  الذين لا عمل لهم في عمل مراجع لجميع الأعمال الفنية في أمريكا،  وتسخير النساء في عمل ملابس للعمال العاطلين، وإنشاء مسارح  للممثلين والفنانين العاطلين. هذا عدا الأعمال الزراعية والمنشآت  والمؤسسات التي تتطلبها البلاد. وقد أنفقت الحكومة الأمريكية  مبالغ طائلة في تنفيذ هذا المشروع، وهي وإن كانت لا ترى أن  إيجاد أعمال لهؤلاء يكلفها أموالاً أكثر من التي تتكلفها لو اكتفت  بإعطاء المعونة المالية لهم إلا أنها تعتقد أن في عملها هذا محافظة  على كرامتهم ورعاية لأخلاقهم.

اشترك في نشرتنا البريدية