الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 680الرجوع إلى "الرسالة"

حول معرض الكتاب العربي:

Share

كتب صديق الأستاذ وديع فلسطين في (الرسالة)  الغراء  كلمة عن (معرض الكتاب العربي)  الذي أقامته وزارة المعارف  بدار الجمعية الزراعية الملكية؛ وقد تعجبت كثيرا حينما وجدت  الأستاذ يقول في أثناء حديثه:

(ورأيت كتابا آخر عنوانه (وفيات الأعيان)   فضحكت  كذلك، لان مؤلفه لم يجد ما يكتب عنه إلا أن يسرد تواريخ  وفيات الأعيان! كان الدنيا وما فيها لا تهمه، وكان الإصلاح

الاجتماعي لا حاجة لنا إليه، وكان الكتّاب فرغوا من الكتابة  في جميع الموضوعات، ولم يبق سوى الكتابة عن وفيات  الأعيان!)

أهذا كلام يقال؟. وهل يدل ذلك الحكم على أن الأستاذ  فلسطين قد طالع شيئا في كتاب الوفيات أو عرف قيمته في  المكتبة العربية؟. . .

أن كتاب  (وفيات الأعيان) أيها الصديق من أمهات  المراجع التاريخية التي لا يستغني عنها مؤلف أو أديب ، وهو لم  يقتصر كما فهمت خطا على ذكر وفيات المشهورين من الناس،  بل أوجز الحديث عن حياتهم وأعمالهم وصفاتهم وولادتهم  ووفاتهم، واسم الكتاب كاملا هو:   (وفيات الأعيان، وأنباء  أبناء الزمان) ، وقد ألفه صاحبه شمس الدين أبو العباس أحمد  ابن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن خلكان الشافعي، وانتهى  من ترتيبه بالقاهرة المحروسة سنة أربع وخمسين وستمائة هجرية.  أي منذ أكثر من سبعة قرون، وقد شرح ابن خلكان في  مقدمة كتابه جانبا من غرضه فيه فقال:

(ولم اقصر هذا المختصر على طائفة مخصوصة مثل العلماء  أو الملوك أو الأمراء أو الوزراء أو الشعراء، بل كل من له شهرة  بين الناس، ويقع السؤال عن ذكرته، وأتيت من أحواله بما  وقفت عليه من الإيجاز، كيلا يطول الكتاب، واثبت وفاته  ومولده إن قدرت عليه، ورفعت نسبه على ما ظفرت به، وقيدت   من الألفاظ ما لا يؤمن تصحيفه، وذكرت من محاسن كل  شخص ما يليق به من مكرمة أو نادرة أو شعر أو رسالة، ليتفكه  به متأمله، ولا يراه مقصورا على أسلوب واحد فيمله، والدواعي  إنما تنبعث لتصفح الكتاب إذا كان مفننا).

وتعبير ابن خلكان بان كتابه (مختصر) فيه تواضع  العلماء القدامى، وإلا فكتابه ليس مختصرا، بل هو موسوعة  كبيرة لو طبعت على ورق حديث لبلغت آلاف الصفحات،  وقد وصف أحد الأدباء كتاب الوفيات فقال إنه (روضة يانعة  الأزهار، متدفقة الجداول والأنهار، بل كنز بالفرائد حافل،  ولبدائع المحاسن شامل كافل ، لما حواه من تراجم أكابر الفضلاء،  وتضمنه من فكاهات الأدباء والشعراء، مع ترتيب عجيب،  وأسلوب فائق غريب، وضم الشوارد، واقتناص الأوابد،  وضبط غريب مبانيه، وتهذيب مقصده ومعانيه) .

وحياة ابن خلكان بعد هذا أيها الصديق لا تدل على انه كان  تافها أو ضعيف المنة، فله من عمله وأدبه ومؤلفاته وفقهه ما يرفعه  إلى مصاف العظماء من الرجال، وله فوق هذا شعر في غاية الرقة  والجمال. فهو القائل في الغزل:

أنا والله هالك                  آيس من سلامتي

أو أرى القامة التي            قد أقامت قيامتي!

وهو القائل أيضا:

تمثلتمو لي والديار بعيدة                   فخيّل لي أن الفؤاد لكم مغنى

وناجاكموا قلبي على البعد والنوى        فأوحشتمو لفظاً، وآنستمو معنى!

لقد ظلمت (وفيات الأعيان)  يا وديع وظلمت صاحب  الوفيات. ورحم الله ابن خلكان إذ يقول في آخر خطبته التي  قدم بها الوفيات : (حرسنا الله تعالى من التردي في مهاوي  الغواية، وجعل لنا من العرفان بأقدارنا أمنع وقاية!) .

هذا وقد لاحظت أن المعرض قد خلا من الكتب التي  صدرت في الأقطار الشقيقة، وهذا صحيح، فقد زرت المعرض  كما زرته، ولاحظت أنا فوق ما لاحظته أنت. أن المعرض قد  خلا من قسم للكتب الأزهرية، مع أن الجامعات والمعاهد العليا  ودور الطباعة والنشر قد مثلت في هذا المعرض؛ وكم كنت  أتمنى أن يطلع الناس في هذا المعرض على نماذج من الكتب  الأزهرية القديمة والحديثة، ويرون كيف تطور التأليف الأزهري  علي  مر العصور، وكم كنت أتمنى أن يشاهد الناس كتب  الباجوري والشرقاوي والأشموني والسيوطي والصبان والدرديري  وغيرهم، وكم كنت أتمنى أن يرى الناس في هذا المعرض  مؤلفات أو مطبوعات المراغي ومصطفى عبد الرزاق والصعيدي  وعرفة ومحي الدين وعوني وعبد القادر ويوسف موسى وغلاب  وماضي وقرقر وبدير والخضر وغيرهم!!. . .

ليت شعري! كيف فات الأزهر هذا وعلى رأسه اليوم  الأستاذ الأكبر الشيخ مصطفى عبد الرزاق خريج السوربون  وصاحب المؤلفات العديدة؟. . . لئن فات الأزهر هذا اليوم نرجو  مخلصين ألا يفوتهم يوم يحتفلون بالعيد الألفي للأزهر. ولكن  متى يكون هذا الاحتفال؟.

اشترك في نشرتنا البريدية