الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 514 الرجوع إلى "الرسالة"

حول معركة الآزور

Share

عندما قرأت نقد الأستاذ محمد التونسي لما نشرته من ترجمة  قصيدة معركة الآزور لآلفريد تنيسون، أحسست برغبة يسيرة  في ولوج باب مثل هذا النقاش اللغوي الذي ما أراه ينتهي. . .  والذي أخشى أن أقول إنه أقرب إلى اللجاج والمماحكة منه إلى  البحث اللغوي الصحيح.

على أني أكتفي هنا بمناقشة الفقرة الأولى من كلامه فقط؛  ليصحَّ عنده أن هذا النقد الذي أورده أوهن من أن يثبت لدى  النقاش عند التمحيص، فأقول: قلتُ في ترجمة المطلع: ; At Flores In the Azores Sir R.chard Grenville lay: كان السير رتشارد جرانفيل مرفئاً بسفينته إلى جدةٍ من  جدد شاطئ الفلورز. . . وقال الأستاذ: بينما كان السير رتشارد  جرانفيل عند فلورز.

فكأنه يستكثر عليَّ قولي: مرفئاً بسفينة إلى جدة. . . وأنا  أسأله بدوري: أين ترجمة الفعل lay فيما كتب؟

إن الذي يستكثره عليَّ هو ترجمة هذا الذي نسيه،  مع شيء من التوضيح لمعناه.

وقلتُ: عندما أقبل زورق ذو مجاديف يهوى من  بعيد كأنه الطائر يزف بجناحيه. . . فقال الأستاذ: إذ

أقبل من بعيد زورق حربي يخفق خفقان الطائر. والخلاف  في صفة الزورق هل هو حربي أو ذو مجاديف؟ وإذا رجعنا  إلى معنى كلمة pinnace في المعاجم الإنجليزية وجدناه هكذا،  وبنفس الترتيب: مركب صغير له مجاديف وأشرعة - زورق  ذو ثمانية مجاديف (غالباً)  - زورق حربي.

لكن لا يظن الأستاذ أنه ساواني هنا في فهم المعنى؛ فإن  في اختياري المعنى الذي فيه ذكر المجاديف دون غيره، التفات  إلى قصد الشاعر من تشبيه الزورق بالطائر! إذ أي شبهٍ يرمي  إليه إن لم يكن يقصد هذه الحركة التي تحدثها المجاديف، مما يشبه  حركة أجنحة الطائر عند طيرانه؟

وقلت: وارتفع صوت من داخله يقول: السفن الحربية. . . الخ  فحذف الأستاذ الجملة الفعلية برمتها (وارتفع صوت. . . الخ)  وهي كلام ليس له ذكر في أصل القصيدة؛ ولكني أعجب للأستاذ  كيف يشوه الأساليب العربية بمثل هذه السهولة. . .

إن مقول القول لا بد أن يُسبق في كل كلام منثور  بالإشارة إلى القائل. ولكن قد يُتجاوز عن ذلك في الشعر فقط  نظراً لضروراته المختلفة. ألا ترى إلى الأستاذ الفاضل علي محمود طه كيف  يقول في قصيدته حانة الشعراء (عدد ٥١٢ من الرسالة) :

زنجيةٌ في الفن تحتكم؟     قد ضاع فن الخالدين سُدى! وهذا كلام يقوله على لسان روَّاد الحانه دون أن يرى ضرورة  النص على ذلك. ولكن عندما يجد في الجواب أن الأسلوب  يُسعده على ذكر اسم المتكلم، يذكره فيقول:

فأجابت الحسناء تبتسم: الفن روحاً كان؟ أم جسداً؟ الخ فإذا كان تنيسون قد أعفى نفسه (في هذا الموضع فقط)   من الإشارة إلى القائل نظراً للضرورة الشعرية، فليس ثمة ما يعفي  المترجم الناثر من أن يوضح الكلام فيقول (وارتفع صوت  من داخل الزورق يقول) . وكان بودي أن أناقش سائر النقط التي

أوردها الأستاذ؛ ولكن صفحات الرسالة لا تتسع لمثل هذه  المناقشات اللفظية، فأرجو أن يعاود الأستاذ النظر فيما كتب على  ضوء هذه القاعدة؛ وهي أن المترجم مقيد بالأفكار وبالمعاني، بل  وأكثر من هذا بالروح الشائع في القطعة المترجمة؛ ولكنه  مطلق الإرادة فيما سوى ذلك من الألفاظ والأساليب والتعبيرات،  تلك التي لا تزيد على كونها أوعية خارجية للأفكار والمعاني. (جرجا)

اشترك في نشرتنا البريدية