غالبت نفسى على أن أصمت فغلبنى عهد كان يربطنى بصاحبى الذى مات . والذى بلغ من دقة وصف أستاذنا أن تقاربت صورة صاحبه من صورة صاحبى الراحل لولا غبش خفيف . فلعله أن يكون هو ، ولعله أن يكون قريبا منه ، أو لعل صاحبه لا يكون صاحبى لولا دقة الوصف الذي أصاب اثنين معا .
المسكين القاسى . . . قد أزعم أنه لقب كان يأنف منه صاحبى ، وكان لا يرضاه لنفسه .
فأما صاحبى هذا فجامعى أيضا لم يكن قد تشرف بالفقر ، وإنما هى عصفة من دهر أصابته فلم تبق له غير عزة نفس عنفت فى تجربتها الأيام . وجعل يتلمس طريقه الذى كلما أوغل فيه تغيشت فى عينه صورته وصورة الناس .
وليت ذلك الاسم الرنان الكريم (( خريج الجامعة )) كان غايته فى غير بلد تقدس الشهادات والوساطات وتقبر الكفايات . وللوساطة ضريبتها من نفس أو عرض أومال . وكان يرث عن عائلة تنحدر من أعمق وأكرم بطون
الصعيد ، قسوة وخشونة لا يستطيع أن يجاهد بها نفسه ودهره إلا أصحاب القلوب الراسية لو أنهم استطاعوا . ولم يكن لينا رفيق الكاهل أو جدير بأن يكون من تلك الطبقة المدللة (( الارستقراطية )) . فقد طالما كان يبتغى الوسيلة لعيش كفاف فيه مروءة ، فيأبى عليه الوضع الاجتماعى المخجل حتى هذا الرزق الحلال . .
وإذا هى صفة أخرى من دهر . وإذا هو يزور القبر بعزيز ثم أعزاء ثم يثوب إلى نفسه شيئا بعد شىء فيرى نفسه ضليلا ويرى الناس . .
أهذه هى الحياة ؟ لم ؟ ومن أين ؟ وإلى أين ؟ . . . ثم يصير إلى رأى :
وأقبل على يوما فقال : (( قد علمت ما لم يعلمه غيرك )) قلت : (( أرى الصبر أولى بك ))
قال : (( فانى أوصيك بوصية . . . لا تحزن على شىء زائل )) . وكان هذا آخر عهدى به .
وبعد ، فلو كان الوصف لواحد فذاك . وإلا فلن يضيق صدر أستاذى بذكر ضليلى إلى مسكينه القاسى !
( كلية الآداب )

