الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 589 الرجوع إلى "الرسالة"

حول مقال. . .

Share

كتبت مقالا فى مجلة (الثقافة)  عن الشوامخ سلكت فيه  طريق الناقد المعنى بتبيان الحقائق، وعرض المآخذ، فى أسلوب  علمى يورد الحجة، وينأى عن التجريح

أوردت ملاحظاتى على أبواب الكتاب، وبينت ما يشيع  فيه من الاضطراب والاستطراد، وما يرد من أقوال عامة، يقع  فيها أكثر الذين يأخذون العلم عن الصحف وحدها، تتناقض  حيناً، ولا تثبت للبحث دائماً

وانتهيت إلى (أن هذه الصفحات المائة تتحدث عن الأدب  العربى من امرئ القيس إلى مطران، وإن المؤلف كان حريصا  على إيراد كل علمه فيها، فران عليها الاضطراب والاستطراد،  وأنها لا تعدو الإيراد المقتضب والنظرات العجلى"

ثم لم أغمط المؤلف حقه فقلت:   (لكنها فى الحق من قبيل  التعبير القريب الهين عن إعجاب قارئ بشاعر اطلع على بعض  شعره، وطائفة من أقوال الناس فيه. ومن هنا فهى حقيقة  بالحمد من مؤلف يعتبر نفسه مؤرخا سياسياً)

لكن الدكتور المؤرخ، هاج وماج على طريقته، ونقم على  حظه العاثر، وتبين نفسه فى موضعها القلق من هذا العالم الظالم  العاتى، وبلغ التشاؤم منه مبلغه، فضاق بالدنيا وبكل ما فيها  من معان ومن فيها من ناس. . .

ومن حسن الحظ أن عقل الإنسان، أو بعض بنى الإنسان،  يجد لصاحبه مخارج من المآزق دائماً، فهدى الدكتور عقله  الكبير إلى أن له أسوة، ويا لها من أسوة! فيما أصاب شوقي،  وما أصاب البحترى وفكتور هوجو من قبله. . . قد تعرضوا  لهجمات النقاد وقد صبروا، وما أجدره أن يصبر، وألا يحمل  نفسه ولا أهله مكروها. ولهذا اطمأن واستراح

هذه خلاصة دقيقة لمقال الدكتور الذى صاغ مادته، وأعتذر  للقراء من إيراد بعض ألفاظه، من (البقر)  و(الحمير)  و(النطح)   و  (الدجل)  و (الجهالة)  و (الشذوذ)  و (الفوضى) ، وما

إليها من مسارح ندع الدكتور الأديب المؤرخ يجول فيها  ويصول، ونمر باللغو كراما

وأبرئ نفسى من مناقشته الحساب فى هذا، فنحن لم نتعلم  هذا اللون من القول، ولم نصطنعه فيما مارسناه من نقد سنين طويلة.  وأختتم حديثى بنقد الكلمة التى اعتبرها المؤلف بيت القصيد  فى كتابه، وأوردها حكما بينى وبينه:

لقد جعل أولها قوله: (وليس لأحد من المتقدمين والمتأخرين  تحليقاته فى أفق الطبيعة الواسع)

سبحانك اللهم وبحمدك! هذا دليل لنا يورده المؤلف ذاته،  ومصداق لما أخذناه عليه من الأحكام العامة القاطعة. التى  لا يستطيع أحد أن يحمل تبعة الدفاع عنها، ولا يثبت أكثرها  فى العلم بله الأدب

هل أتاه حديث الشعر الذى سبق امرأ القيس والشعر الذى  عاصره فى الطبيعة؟! وهل علم المحاولات التى أعقبته، وحديث النهضات المترامية  فى الشام والمشرق والأندلس ومصر بعده بقرون؟! وهل درس حركة   (الرومنتسزم الغربية)  وسيادة شعر  الطبيعة فيها، وقابل بين الخطوط الكبيرة لهذا الشعر الغربى،  والخطوط الكبيرة لشعر امرئ القيس، ثم انتهى إلى ما قرر؟!

إن هذا اللون من الأحكام العامة منكر فى باب البحث  العلمى ثم يقول:   (وله فى لمعان البرق واختلاجه فى السماء آيات  لا هى من الوصف الحسي، ولا هى من الوصف الخيالي، وإنما  هى تصوير فقط)

ما معنى هذا؟ لقد طلبت المعونة من الله والناس على حل  الغاز هذه العبارة، فلم يجب دعائي، ثم نظرت فتبينت الإحالة  على أتمها: الحسى يقابله المعنوى لا الخيالي، فهذا يقابله الحقيقى  أو الواقعي. والوصف الحسى تصوير والوصف المعنوى تصوير،  وإذاً فلا تقوم هذه المقابلة العجيبة بين الوصفين وبين التصوير،  وما نعلم أن تصوير الشيء يخرج عن أن يكون وصفا حسيا  أو معنويا له! ودع عنك الألفاظ البراقة التى استعملها والتى لا تجمل فى

باب الدرس والتحليل إلا إذا كان من ورائها معان مقررة  ودلائل بينة

أما الأبيات التى أوردها، والتى تعتبر أقل شعر امرئ  القيس دلالة فى باب الطبيعة فهى ناطقة بأنها وصف حسى واقعى  اللهم إلا إذا كان البصر بالعين غير حسي، وكان تصوير الحركات  والأمكنة غير واقعى وكان الشاعر حريصا على الواقعية حين  اكتفى بالتشبيه ولم يستعر وهذه هى الأبيات: قال:

أصاح ترى برقاً أريك وميضه ... كلمع اليدين فى حبى مكلل

وقال:

أعنى على برق أراه وميض ... يضيء حبيباً فى شماريخ بيض

ويهدأ تارات سناه وتارة ... ينوء كتعتاب الكسير المهيض

وتخرج منه لامعات كأنها ... أكف تلقى الفوز عند المفيض

وبعد، فإن النقد الذى وجهته إلى الكتاب لا يزال قائما  لم يتناوله المؤلف بالرد، وإنما دعمه بالتجائه إلى الشتائم وبالقطعة  التى أوردها فهل له أن يأخذ بطريق العلم والعقل؟! إنا لمنتظرون!

اشترك في نشرتنا البريدية