كثيرا ما توصف الحرب الحاضرة بأنها حرب مبادئ ونظم : حرب بين النظم الديمقراطية ، وما تنطوي عليه من المبادئ الحرة ، وبين النظم الدكتاتورية ، وما تنطوي عليه من مبادئ الطغيان والنعف . وقد شهرت الدول الدكتاتورية الحرب الحاضرة لتحقيق مطامعها في التوسع الإقليمي والاقتصادي بالقوة والعنف ، وبسطت سلطانها كرها على طائفة من الأمم الحرة - وقامت الجبهة الديمقراطية من جهة اخري تقاوم الغزو الدكتاتورى بكل قوتها ، وتعلن أنها تقاوم الطغيان ، وتجاهد في سبيل المبادئ الحرة التي هي قوام الديمقراطية ومثلها الأعلى .
ونحن نحب أن يكون هذا التصوير صحيحا ، وان تكون المبادئ الإنسانية قبل الغايات السياسية هي محور النضال الحقيقي من ناحية الجبهة الديمقراطية على الأقل وأن تسفر هذه الحرب العالمية المروعة عن النتيجة التي تنشدها جميع الأنفس الكريمة الحرة ، وهي تأييد مبادئ الإخاء والعدالة والحرية بين سائر الأمم والشعوب .
ولقد شعرت الجبهة الديمقراطية منذ بداية الحرب بأنها في حاجة لأن توضح للعالم موقفها ، وأن تبرر خوضها لغمار هذا النضال ، وأن تبين بالأخص الأهداف التي ترمى إليها بخوضه . وما زلنا نذكر الخطب والتصريحات الرنانة التي ادلي بها زعماء فرنسا قبل مصرعها ، وادلى بها بالأخص مستر تشرشل بعد ذلك في خطبه وتصريحاته في مجلس العموم وغيره ، والأحاديث التى كان يلقيها الرئيس روزفلت قبل دخول امريكا في الحرب تبريرا لسياسة امريكا في شد أزر الجبهة الديمقراطية ، ورفع الحظر عن إصدار السلاح إلي انكلترا ، وإصدار قانون الإعارة والتأجير ، وغير ذلك مما كان يفصح عن وقوف أمريكا إلي جانب الجبهة الديمقراطية ، بالرغم من حيادها في ذلك الحين .
وشعرت الجبهة الديمقراطية بأنها بعد ذلك كله في حاجة لأن تقطع على نفسها العهود أمام العالم تؤكد تجردها عن المطامع والأهواء السياسية ، وإخلاصها في العمل لتحقيق المبادئ السامية التي تنضوي تحت لوائها ؛ وظهرت هذه العهود في شكل ميثاق مشترك عقدته الدولتان الديمقراطيتان الكبيرتان ، وهما بريطانيا العظمي المحاربة ، وأمريكا المحايدة يومئذ . وأقرته بعدئذ روسيا السوفيتية ، وقد كانت يومئذ تواجه الغزو النازي في أشد صوره لأسابيع قلائل من بدايته ، وكانت حديثة عهد بهذا التضامن مع الدول الديمقراطية في مقاومة العدو المشترك
ذلك هو ميثاق الأطلنطيق الذي يمكن ان نصفه بأنه دستور الجبهة الديمقراطية في هذه الحرب ، وقد كان عقده ثمرة لأول اجتماع بين زعيمي الديمقراطية مستر تشرشل والرئيس روزفلت ، ولم يمنع عقده كون الولايات المتحدة كانت ما تزال على الحياد يومئذ ؛ ذلك لأنها كانت رغم حيدتها تقف صراحة إلي جانب الجبهة الديمقراطية ، وكان كل شئ ينذر بتأهبها لخوض النضال في الوقت المناسب .
وقد مضي إلي اليوم اكثر من عامين مذ عقد ميثاق الأطلنطيق - إذ كان عقده في ١٤ أغسطس سنة ١٩٤١ - ودخلت الحرب العالمية في مرحلة الفصل ، واخذت بوادر النصر تلوح في جانب الديمقراطية ، وأخذت جميع الأمم الضعيفة والمغلوبة تتطلع إلى فجر السلام يحدوها الأمل في تحقيق عصر السلم والرخاء والعدالة الدولية الذي بشر به ميثاق الأطلنطيق .
والآن لتر ماذا يسجله ميثاق الأطلنطيق من نصوص يحق لنا أن نستند عليها في تعزيز مثل هذه الآمال التي تجيش بها اليوم أمم كثيرة .
فمن الناحية السياسية يسجل الميثاق المبادئ الآتية : أولا - أن بريطانيا وأمريكا لا تسعيان إلي توسيع ممتلكاتهما .
ثانيا - أنهما لا تريدان أي تبدل إقليمي لايتفق مع رغبة الدول صاحبة الشأن
ثالثاً - أنهما تحترمان حتي جميع الشعوب في اختيار شكل الحكومة التى تدير شئونها ، وانهما ترغبان في أن تسترد الأمم التي غلبت على امرها حقوقها وحكوماتها الخاصة .
رابعا - انهما تأملان بعد سحق الاستبداد النازي أن تتوطد دعائم السلم الذي سيمنح جميع الأمم وسائل العيش بسلام في دائرة حدودها ، ويمكن الناس في جميع أنحاء العالم من العيش في مأمن من الشقاء والخوف .
خامسا - أنهما تعتقدان أنه يجب على أمم العالم أن تعدل عن استخدام سلاح القوة لأسباب أدبية ومادية . إذ يستحيل المحافظة على السلام في المستقبل ما دامت الأمم التي تهدد ، أو يمكنها ان تهدد جيرانها بالاعتداء ، تستخدم الأسلحة البرية والبحرية والجوية .
ومن الناحية الاقتصادية ينص الميثاق على حق جميع الأمم في الوصول إلي اتفاقات تجارية مناسبة ، والحصول على حاجتها من المواد الأولية ، وتنظيم التعاون التام بين جميع الأمم لضمان التوسع الاقتصادي والسلامة الاجتماعية , وفتح طرق البحار في وجه جميع الناس دون عائق .
تلك هي نصوص ميثاق الأطلنطيق التي اعلنتها الجبهة الديمقراطية دستورا لها ، والتي ما فتئت تؤيدها بتصريحات وتأييدات مماثلة كلما سنحت فرصة من الفرص ؛ وهي في الواقع نصوص جميلة ، إذا وضعت موضع التنفيذ الفعلى فإنها تفسح مجالا لآمال كبيرة
غير أنه لا بد لنا أن نذكر من جهة أخري أن هذه المبادئ التي وصفت في ديباجة الميثاق بأنها " بعض المبادئ المشتركة لسياسة الدولتين ، قد وضعت في صيغ يحوطها التحفظ ، ونص إلي جانبها على " احترام الالتزامات القائمة ، ثم إن مستر تشرشل من جهة أخري كان صريحا كل الصراحة حينما أعلن في بعض أحاديثه أنه لا ينوى العمل على " تصفية الإمبراطورية البريطانية " فلا بد إذا أن يفهم ميثاق الأطلنطيق في نوع من التحفظ أيضا ؛ واغلب الظن ان حوادث المستقبل والظروف التي ستقترن
نهاية الحرب وعقد السلم هي وحدها التى ستقرر الطريقة العملية التى تنفذ بها نصوص الميثاق .
هذا ومما تجدر ملاحظته أن ميثاق الأطلنطيق قد تأثر في بعض نصوصه بالمبادئ أو الحريات الأربع التي ضمتها الرئيس روزفلت رسالته إلى الكونجرس) البرلمان الأمريكى ( في يوم 6 من يناير سنة ١٩٤١ ، وهي : حرية القول والرأي ، وحرية العبادة ، والتحرر من الخوف ، والتحرر من الفقر . فهذه المقاصد الأربعة التى نادت الديمقراطية الأمريكية بوجوب تحقيقها لكى يكفل السلم والرخاء للعالم ، يمكن أن تعتبر بمثابة الحريات السياسية والاقتصادية التى تضمنها ميثاق الأطلنطيق فيما بعد .
والواقع أن التاريخ هنا يعيد نفسه ؛ فإن ميثاق الأطلنطيق يتضمن بعض النقط الأساسية الشهيرة التي وضعها الرئيس ولسون في يناير سنة ١٩١٨ لتكون دستورا لعقد الصلح في الحرب العالمية الماضية ، ومنها النص على حرية البحار ، وإلغاء الحواجز الجمركية ، وتخفيض السلاح ، وتسوية المسائل الاستعمارية بمراعاة مصالح الشعوب ذات الشأن ، وإنشاء عصبة أمم تشرف على تحقيق الاستقلال السياسي والسيادة الإقليمية لجميع الأمم صغيرها وكبيرها وقد أثارت هذه المبادئ الحرة العادلة التي اعلنها الرئيس ولسون يومئذ في نفوس الشعوب الصغيرة والمغلوبة أعظم الآمال ؛ ونحن نعرف ماذا كان مصير هذه المبادئ وكيف أغفلت معاهدات الصلح الى أملتها الدول الظافرة على الدول المغلوبة كثيراً من أصولها وأهدافها ؛ ونحن نعرف أيضا ماذا كان مصير عصبة الأمم التي كان إنشاؤها أعظم نتائج هذه الدعوة الحرة ، وكيف فشلت العصبة في تحقيق مهمتها الأساسية وهي تحقيق العدالة الدولية بين الأمم ، وحماية الأمم الصغري من عدوان الدول الكبرى .
بيد أننا نعتقد أن الديمقراطية قد أدركت خلال النضال الحالي كثيرا من أخطائها الماضية ، وأنها لا بد معتبرة بها ، حريصة على عدم تكرارها . وقد دفعت الديمقراطية
من جراء أخطائها الماضية أفدح الأثمان ، وكادت تنهار في بداية النضال صريعة هذه الأخطاء ، وهي نفس الأخطاء ، التي تعلن الديمقراطية اليوم أنها تعمل لإصلاحها ، وذلك بما أخذته على نفسها من عهود في ميثاق الأطلنطيق .
والديمقراطية تعمل اليوم حسبما تسجل على نفسها إيجاد عالم افضل ، تحترم فيه حقوق الأمم الضعيفة في الحياة الكريمة الحرة ، والرخاء الاقتصادي ؛ ومعنى ذلك أنها تسعى إلى تحقيق العدالة الدولية التى فشلت في تحقيقها عصبة الأمم . أما كيف يكون تحقيق هذه العدالة وبأي
الوسائل ، فهذا مما يجب أن يترك إلي الغد عندما تضع الحرب أوزارها ، وإن كان من المعروف أن مسائل الغد تقتل اليوم بحثا في انكلترا وامريكا . وكل ما يستطيع ان يرجوه الآن انصار الحق والحرية ، هو ان تستطيع جماعة الأمم الديمقراطية أن تصيب أهداف السلم الحقيقي هذه المرة ، وأن توفق إلي عقد سلم وطيد دائم تعيش في ظله الأمم الكبرى والصغري ، والقوية والضعيفة ، آمنة مطمئنة إلى حقوقها وحرياتها وكرامتها .

