عرف جولد سمث في أوساط الأدباء وبين القراء ، فتوفر له المال ، وهجر الغرفة الحقيرة التي كان يقطنها ، وشغل حجرة فاخرة في أحسن أحياء المدينة ؛ ولكنه كثيرا ما كان يعود إلي الحياة الوضيعة الأولى كلما اشتدت به الأزمة وضاق به العيش . وفي عام ١٧٦٤ أفلس الرجل ولم يبق في جيبه درهم واحد ، وهددته ربة الدار بإخلاء مسكنه ، فأرسل إلى صديقه جنسن يطلب إليه النجدة ، فبعث إليه جنسن بجنيه واحد ، وبلغه الرسول ان صديقه آت على الأثر ولما جاء جنسن ألفي صاحبه قد اشتري بهذا المال اليسير زجاجة خمر ، فجذبها من يده وعنفه علي سوء فعلته ، وطلب إليه ان يثوب إلى رشده وان يحسن التصرف في ماله ؛ فأجابه جولد سمث أن لديه رواية قد أعدها للطبع والنشر ، فألقي عليها جنسن نظرة وقدرها قدرها ، ثم أسرع بها إلي أحد الناشرين وباعها على التو بستين جنيها وعاد بالمبلغ إلي صديقه . فدفع جولد سمث أجر حجرته ، ودعا صاحبة الدار وصديقه الأديب إلي تناول الخمر على حسابه . . هذه الرواية التي باعها جنسن هي الرواية الخالدة " قسيس ويكفيلد "
ولكن قيل أن تطبع هذه الرواية بلغ جولدسمث أوج الشهرة الأدبية . وذلك انه في ديسمبر من عام ١٧٦٤ نشر قصيدة عنوانها " المسافر " وهي أول أثر ادبي اخرجه مذيلا باسمه . وقد رفعته هذه القصيدة توا إلى مصاف كبار الأدباء الإنجليز ، وشهد له النقاد بالإتقان والجودة
وتختلف القصيدة عن كل ما كتب جولدسمث طوال حياته الأدبية : فالآراء عنده أجمل دائما من الفكرة ، ولكن الفكرة هنا خير من الآراء . " المسافر " قصيدة فلسفية ،
موضوعها أن جوالا إنجليزيا ألقي عصا التسيار على قنة من قنن جبال الألب ، حيث تلتقي ثلاث من ممالك أوروبا العظيمة ؛ ويرسل الرجل الطرف إلى ما حوله من فضاء ،
ويذكر رحلته الطويلة ، ثم يأخذ في وصف مختلف المناظر والأجواء والحكومات والاديان وطبائع الامم التي مر بها ؛ ثم ينتهي إلي أن سعادة الإنسان لا تتوقف كثيرا على النظم السياسية للدول ، وإنما عمادها مزاج الفرد واستعداده العقلي
وقد أعيد طبع هذه القصيدة أربع مرات قبل ان تظهر قصة " قسيس ويكفيلد " . وما ان ظهرت هذه القصة حتى لقيت رواجا كبيرا ؛ وبقيت حتى اليوم من خير ما في الأدب الإنجليزي من قصص . وفي تكوين القصة كثير من العيوب ؛ فكثير من حوادثها لا يحتمل الوقوع ، وفيها إغراب في الخيال لا تجده حتى في قصص الجن والسحرة ، ولا يربط حوادثها رباط من العقل والمنطق . ويقول المؤلف نفسه في مقدمة الكتاب :
" في هذا الكتاب مئات من الأخطاء ، ولدي مئات من الأدلة أستطيع أن أسوقها لبيان ما في هذه الاخطاء من جمال ، ولكن ليست لي حاجة إلي ذلك ؛ فالكتاب قد يكون ممتعا رغم كثرة ما فيه من اخطاء ، وقد يكون مملا دون أن تجد فيه مغمزا واحدا وبطل هذه الرواية يجمع في شخصه ثلاثا من أعظم ما يتميز به الإنسان من صفات
فهو قسيس ، وفلاح ، ورب اسرة ، وسمته معلما غيره ، متواضعا ، قليل الثراء ، عظيما في المحن . ولكن هل تسر هذه الشخصية احدا في عصرنا هذا الذي يطمح إلي جمع المال وإلى تعقيد العيش ؟ إن أولئك الذين يغرمون بالحياة الرفيعة قد يزدرون السذاجة التي تتجلي في المدفأة الريفية التي يأوي إليها هذا الرجل . وأولئك الذين يخلطون بين الفكاهة البريئة وبذاءة اللسان ، قد لا يجدون في حديث هذا الرجل البرئ ما ينم عن فطنة وذكاء . وأولئك الذين تعلموا السخرية بالدين ، سوف يضحكون من رجل يستمد عزاءه في بلواه من عقيدته الراسخة في الحياة الاخرة " .
وفي الفصول الأولى من هذه القصة حلاوة الشعر الريفي ، كما أن فيها حيوية الملاهي .
وقد شجع نجاح جولد سمث ككاتب روائي أن يعالج المسرحية . فكتب رواية " الرجل الطيب ولم يبلغ جولدسمث بمسرحياته حد الإجادة ، غير انها درت عليه ربحا وافرا .
وفي عام ١٧٧٠ اخرج جولد سمث قصيدته الشهيرة " القرية المهجورة " وقد قصد بها تصوير الموات الذي لحق القري بعد الثورة الصناعية في إنجلترا ، وهجرة الناس إلى المدن ولاقت هذه القصيدة من القراء ترحيبا أكثر مما لاقت قصيدته السابقة " المسافر " في هذه القصيدة ينقم الشاعر على الثروة والترف ، ولكنه يقدم - دفاعا عن رأيه - منطقا سقيما لا يقبله العقل السليم
ولكن هل نحكم على القصيدة بما فيها من صحة الفكرة ؟ كلا ! فليس من واجبات الشاعر ان يحسن التعليل والتدليل ، وإنما عليه ان يجيد الوصف ، كما أن عليه ان يفتح عينيه على العالم الذي يعيش فيه ، وان يكون دقيق الملاحظة ، وان يرسم لنا من الحياة صورا صادقة من الواقع ،
والا يعرض علينا صورا مشوهة من الحياة الواقعية لا وجود لها ولا يمكن ان يكون لها وجود . وما اشبهه ان فعل هذا بالمصور الذي يخلط في صورة واحدة بين مناظر الربيع ومناظر الشتاء ، فيجمع في صورة واحدة بين الزهر والجليد . وهل يكفينا دفاعا عن مثل هذه الصورة ان نقول إن المصور اتقن إبراز الالوان في كل جزء على حدة ، فالزهر زهر والجليد جليد ؟ !
في قصيدة " القرية المهجورة مثل هذا الخلط بين الزهر والجليد ، فيها صور مختلفة ليس بينها انسجام أو تناسق . فالشاعر يصور لنا القرية في صورتين : يصورها لنا جميلة سعيدة ، ثم يصورها بعدئذ بائسة قبيحة والقرية الجميلة التى يصورها الشاعر صورة خيالية لبلد لا وجود له ، وما حل بها من خراب مبالغة إلى اقصي الحدود .
ثم عاد جولد سمث إلي الكتابة المسرحية ، فأخرج رواية " أذلت نفسها فتمكنت " ، وهي ملهاة مثيرة للضحك ، وقد نجحت نجاحا كبيرا وراجت ، وأقبل الناس
يرونها ممثلة علي المسرح .
وبينا كان جولدسمث يشتغل بكتابة هذه المسرحية وينظم " القرية المهجورة ، كان يقوم بعمل آخر ليست له قيمة أدبية كبيرة ، ولكن در عليه مالا كثيرا . وذلك أنه أخرج لتلاميذ المدارس كتابا عن " تاريخ روما " وآخر عن : " تاريخ انجلترا " و " تاريخ اليونان " ، و " التاريخ الطبيعي ، ولم يكلف نفسه في تأليف هذه الكتب مشقة البحث ، وإنما اكتفى بالاختيار والاختصار ، والتعبير بلغة واضحة سهلة عما كان في بطون الكتب الأخري التي كان حجمها وجفاف لفظها يجعلانها غير صالحة لاستعمال التلاميذ . وقد أخطأ في هذه الكتب أخطاء فاحشة ، لأنه هو ذاته لم يعرف شيئا على وجه الدقة . فجاء في كتابه " التاريخ الطبيعي " خرافات عن عمالقة يقطنون يتاجونيا ، وقردة تنطق بالحكمة ، وبلابل تستطيع رواية الأحاديث الطويلة . ويقول دكتور جنسن عنه في هذا الصدد : " إن أقصى ما يعرف جولد سمث عن علم الحيوان أن يميز بين الحصان والبقرة ومما يؤيد ضعف معرفته بالعلوم الطبيعية ما ذكر من أن الشمس يستطيل شكلها في الأبراج الشمالية ، وأن الإنسان يحرك فكه الأعلى عند مضغ الطعام . ولكنه - رغم جهله في هذه الناحية - من الكتاب القلائل الذين حاولوا تبسيط العلم وتيسيره على الطلاب . وقد كان بارعا في الاختيار والتلخيص ، فكان الأطفال يستمدون من كتبه متعة كبيرة ؛ وهي - من أجل هذا - تستحق منا شيئا من العناية والدراسة .
وأصبح جولد سمث الآن رجلا ثريا يستطيع أن ينعم بالراحة والترف ، وبات يتمتع بشهرة عريضة ، واخذ نجمه في الصود ، واختلط بأعلى الأوساط العملية والأدبية ،
وعرف خير المحدثين في زمنه عرف جنسن زعيم الأدب في عصره ، وبرك الخطيب المصقع ، وجارك مدير المسارح الكبيرة في لندن ؛ وتطلع إلي أن يباريهم في طلاقة اللسان والحديث ولكن من العجيب أن هذا الرجل الذي كان يتميز أسلوبه حين يكتب بالوضوح والحيوية
والرشاقة ، كان كلامه حين يتحدث فارغا يكاد يكون ضجيجا بغير معنى . وما ابعد الشقة بين ما كان ينشر وما كان يقول . قال عنه جارك : " إذا كتب فهو ملاك ، وإذا تحدث فهو ببغاء ؟ الفكرة الاولى إذا طرأت لجولد سمث مضطرية سخيفة ، فإذا أعطيته فسحة من الوقت اتضحت الفكرة في ذهنه وعبر عنها تعبيرا جميلا . ومن ثم فان جولد سمث إذا كتب سحر قارئيه ، وإذا تحدث صدع سامعيه . وقد أدرك ضعفه في الحديث ، ولكنه لم يملك القدرة على ضبط لسانه ، فلم يمتنع عن الإدلاء بالرأي إذا دعا الداعي ، ولكنه سرعان ما يحس بركاكة القول وتعلو خديه حمرة الخجل .
ومن أجل هذا كان عارفوه وخلطاؤه لا يقدرونه قدرا كبيرا ، يحبونه ولا يحترمونه . كان طيب القلب إلى حد الضعف ، كريما إلي حد البذخ ، متسامحا إلى حد يشجع غيره على النيل منه ، جوادا حتي لم يبق له ما يسد به ، دينه . وكان مغرورا ، مندفعا وراء شهواته ، مستهترا ،
مسرفا ، قصير النظر . وفوق هذا كله كان يأكل قلبه الحسد . غير أنه كان يكتم في قلبه حسده فلا ينال بالدسيسة أو النميمة من منافسيه . كان صريحا صراحة الأطفال ،
لا ينافق ولا يداهن ، ولا يخفي رأيه حتى وإن كان في الرأي إيذاء لسامعيه . إذا احس بالغيرة لا يتظاهر بعدم الا كثراث كما يفعل غيره من الأدباء ولا يطري إطراء خفيفا ينم عن عدم الرضا والقبول ، ولا يستل سيفه الجارح في الظلام يقتل به العدو دون ان يراه ؛ وإنما كان قلبه على لسانه ، يصرح بما في نفسه من غيره . سمع بزول - مؤرخ حياة جنسن - مرة يكيل المدح لهذا الاديب العظيم فقال له : " أرجوك ألا تنعت الرجل بهذه النعوت ، فإنك تحطم قلبي أيما تحطيم " . لم يكن جولد سمث ذلك الاديب الذي إذا لاقي أدبيا غيره أطنب في مدحه والثناء عليه ،
وإذا ما خلا إلي نفسه ارسل فيه النقد اللاذع ينشره في الصحف بغير توقيع . ولم يتخذ يوما من التآمر وتدبير الحيل مكيدة لغيره .
ويعتقد كثير من مؤرخي الأدب أن جولد سمث كان رجلا نابغا قست عليه صروف الدهر ، وقضت عليه ظروف الحياة أن يكافح المشقات والمصاعب حتى تحطم في نهاية الأمر روحه . ولكن ما أبعد هذا القول عن الحق . والصواب . أجل إن الرجل لاقي في حياته كثيرا من اسباب البؤس والشقاء ، ولكن ذلك كان قبل ان يلج باب الأدب . وما أن ظهر اسمه على الصحيفة التي نشرت له قصيدته " المسافر " حتى أخذ المال ينهال عليه انهيالا ،
ويتدفق إلي جيبه كالسيل العرم . ولئن وقع بعد ذلك في المحن فليذق على نفسه الملامة وليبريء منها الظروف .
ولكن جولد سمث لو استحوذ على كنوز سليمان ما كفته ، فقد كان ينفق ضعف ما يربح . يتأنق في اللباس ، ويسرف في الولائم ، ويرمي بالمال عند اقدام الحسان ، وما تقدم إليه فقير إلا أعانه . ولكن هل تبددت كل ثروته في اللباس والولائم ، وفي الصدقات وعند النساء ؟ كلا ! لم يكن ذلك ، وإنما كان جولد سمث منذ حداثته مقامرا جريئا مغامرا دون ان يمهر في اللعب او يتقنه ؟ فاضطر إلي الاستدانة من باعة الكتب والناشرين حتى نضب ماله وأفلس ، ولم يكد يجد ما يسد به الرمق ، فتحطمت قواه ،
وخارت روحه ، وألمت به حمي شديدة . واعتمد على علمه بالطب وتعرض لنفسه بالعلاح ، ولكن ياليت ثقته في طبه كانت كثقة الناس فيه - إذن لأنقذ حياته من براثن المرض ! قال لصديق له يوما : " إنني لا امارس مهنة الطب ، ولا أتكسب بها ، ولكني أصف لأصدقائي العلاج بغير مقابل " . فأجابه الصديق : " بل صفه لأعدائك ! " . ووصف جولد سمث لنفسه الدواء فتضاعف عليه المرض ،
واضطر إلي استدعاء الأطباء الخبراء . ولكن بعد ما استفحل الداء وعز عليه النوم ، وفقد شهية الطعام ، واختل توازن عقله في أيامه الأخيرة .
وفي ٣ ١أبريل من عام ١٧٧٤ فاضت روحه وهو في السادسة والأربعين من عمره ، وبكاه اصدقاءه واحباؤه
بالدمع السخين .

