ألفرجولد سمث oliver Goldsmith كاتب إنجليزي من كتاب القرن الثامن عشر ؛ عالج فنونا مختلفة من الأدب ، فقد كان شاعرا مجيدا ، وروائيا بارعا ، وكاتبا مسرحيا بليغا . وكانت حياته نفسها قصة ممتعة كثيرة الحوادث ، فاقتبس منها الكثير وقصه علينا في روايته الشهيرة "قسيس ويكفيلد "
نشأ جولد سمث في إيرلنده - كما نشأ غيره من الكتاب الإنجليز - من أسرة أصلها ساكسوني عريق ، ومذهبها البروتستنتية . وقد لاقت هذه الاسرة كثيرا من اضطهاد العامة بسبب أصلها الجنسي ومذهبها الديني .
تعلم أبوه في مدرسة قروية ، ولما شب تزوج من ابنة صاحب المدرسة ؟ والتحق بخدمة الكنيسة ومارس الزراعة إلي جانب عمله الديني . ولكنه كان - رغم هذا - فقيرا لا يكفي دخله السنوي للانفاق على زوجه وبنيه
وفي نوفمبر من عام ١٧٢٨ ولد لهذا القس ولد أسماه ) ألفر ( . وكان ميلاده في ) بالاس ( ، وهي قرية منعزلة من أعمال ايرلنده تبعد كثيرا عن لندن - تلك العاصمة
الكبرى التى قضى فيها الفر فيما بعد الشطر الاكبر من حياته . وما تزال هذه القرية إلى يومنا هذا نائية من المدن الكبيرة والطرقات العامة ، حتى إن الزائر لموطن الشاعر الأول لا بد له قبل أن يهبط القرية أن يسير طويلا على قدميه . والقرية تقع وسط سهل مقفر موحش يتحول إلي مستنقع كبير في فصل الأمطار . ويتعسر على الراحل ان يدرك قلب القرية لضيق طرقاتها وانتشار الوحل خلال المباني ، حتى إنه ليكاد يستحيل على العربات أن تتابع سيرها حتى تبلغ مهبط هذا الأديب العظيم .
أسلم الأب ابنه إلى خادمته تعلمه حروف الهجاء . ولما بلغ السابعة من عمره بعث به إلى مدرسة قروية يلقن معلموها الأطفال مبادئ القراءة والكتابة والحساب ، كما يقصون عليهم قصص الجن والعفاريت وخوارق الطبيعة ، ويسمعونهم الأناشيد الوطنية والموسيقي الإيرلندية التي شغفها ألفر طوال حياته
لبث الفرجولد سمث في هذه المدرسة عامين ، ثم تنقل بعد ذلك من مدرسة ثانوية إلى اخرى متثقفا خلال ذلك باللغات القديمة ، ولم يكن في هذه الفترة سعيدا في حياته . وله في أحد مقاصف لندن لهذا العهد صورة يبدو على ملامحه فيها اثر الإعياء ومسحة من الكآبة تكاد تبلغ مبلغ القبح والتشويه ؛ وفي قسمات وجهه اثار بينة من الجدري لا يخطئها الناظر إليه . وكان قصير القامة ليس بين أعضاء جسمه شئ من التناسب أو التناسق . واطفال المدارس - كما نعلم - قساة على زملائهم من ذوي العاهات والعيوب الجسمية ، فأثار جولد سمث سخرية التلاميذ ، كما هزأوا بسذاجته الريفية وزلاته اللفظية التى تلقنها وهو يافع في قريته . كان التلاميذ يتحاشون صحبته في الملعب ، والأساتذة يشددون عليه العقاب في الدرس
ودارت الأيام دورتها ، وارتفع هذا الشاب إلي أوج
الشهرة . وعاد زملاؤه في الدرس بذكرياتهم إلي أيام الطلب ، فتذكروا ان صاحبهم هذا كان كثيرا ما يرد عليهم بنكات تنم عن ذكاء نادر ، كما كان يقرض الشعر في يسر وسهولة دون ان يلتفت إليه احد او يجتذب إليه الأنظار . ويري الباحث المنصف في حياته الأولى ، وفي نظمه الباكر ، بذور تلك العبقرية العظيمة التى تفتحت عن قصة " قسيس ويكفيلد " الشهيرة وقصيدة " القرية المهجورة " العصماء
ولما بلغ الفتي السابعة عشرة التحق بكلية " ترنتى" في دبلن طالبا بها ، يتلقي العلم بغير اجر ، ولا يدفع شيئا عن طعامه أو مسكنه ، وذلك لقاء ادائه بعض الخدمات الوضيعة بالكلية : كتنظيف الحجرات ، وتقديم الطعام لزملائه ، وغسل الأواني وما إلى ذلك . وكان مأواه في غرفة عليا يساكنه فيها آخرون ؛ وقد نقش اسمه بخط يده على إحدي نوافذ الغرفة ، وما تزال آثار هذا النقش بادية حتى اليوم .
ولكن جولد سمث اهمل الدرس وفشل في الامتحانات ، وكان دائما في مؤخرة التلاميذ . يحاول ان يضحك الطلبة بنكاته والاعيبه ، ويدعو رعاع المدينة إلى غرفته للرقص واللهو ، حتى اضطر احد المربين بالكلية ان يقرعه بالعصا عقابا له على سوء مسلكه .
وبينما كان جولد سمث يحيا هذه الحياة الفوضوية في دبلن مات أبوه ولم يورث ابنه غير دراهم معدودات . ولما حصل الطالب على درجته الجامعية انقطع عن الدراسة وهو في الحادية والعشرين من عمره ، ورحل إلى امه وسكن في بيتها . وفكر حينئذ ان يقوم بعمل من الأعمال يكسب منه عيشه . ولكن تعليمه الجامعي لم يؤهله لعمل مفيد ؛ وكأنه لم يفد من الدراسة غير إتقان اللبس واداب المائدة ، وحب الميسر ، والتغني بالأناشيد الإيرلندية ،
وعزف المزمار ، واللعب في الصيف ، ورواية القصص الخيالية إلى جانب المدفأة في الشتاء . وقد حاول مهنا متعددة فشل فيها جميعا : تقدم إلى الكنيسة ليشغل وظيفة دينية ، ولكن رداءه الزاهي وعنايته بهندامه واناقته بعثت الشكوك في رجال الدين فلم يقبلوه بينهم ؛ ثم اشتغل معلما خاصا لأبناء اسرة من أسر الأغنياء ، ولكنه سرعان ما اختلف معهم وفصل من عمله . وفكر بعدئذ في الهجرة إلى أمريكا ، فامتطي جوادا مطهما ، وسار نحو ميناء " كورك " ليبحر منها وبجيبه ثلاثون جنيها ، ولشد ما كانت دهشة امه حينما عاد إليها بعد بضعة أيام على ظهر حصان نحيل ، وليس بجيبه بنس واحد ؛ وزعم لأمه ان السفينة التى اعتزم الرحيل على ظهرها اقلعت قبل موعدها المضروب ، وكان في حفل مع إخوانه فلم يعلم بذلك .
وعزم بعد هذا على دراسة القانون ، وقدم إليه أحد أقاربه الأغنياء خمسين جنيها عونا له على إتمام هذه الدراسة . وما كاد إخوانه المقامرون يعلمون بهذا المبلغ حتى اغروه على المقامرة في مقهي من مقاهي دبلن ، وخسر في ليلة واحدة كل ما كان يملك من مال .
وفكر بعدئذ في دراسة الطب ، وقد تبرع له بعض المحسنين بالتكاليف . فرحل إلى ادنبره وهو في الرابعة والعشرين من عمره ، وانتظم في الدرس عاما ونصف العام تعلم خلالهما شيئا من الكيمياء وشيئا من علم الحياة . ثم رحل إلي ) ليدن ( ليدرس علم الطبيعة كي يتمم دراساته التمهيدية للطب . وترك هذه الجامعة - وهي ثالثة الجامعات التى التحق بها - في سن السابعة والعشرين دون ان يحصل منها على درجة علميه ، وليس لديه سوى شذرات يسيرة من علوم الطب ، ولا يملك غير ردائه الذي يرتديه ومزماره يعزف عليه الأناشيد . وكان له هذا المزمار خير رفيق ، فقد انطلق وحيدا يضرب راجلا في اراضي الفلاندر ،
وسهول فرنسا ، ومرتفعات سويسرا ، ينفخ في مزماره فيتجمع حوله الفلاحون يرقصون ، وينفحونه دريهمات قليلة يشتري بها زادا يسيرا يتبلغ به . وامعن في الرحلة حتى بلغ إيطاليا ، ولكن موسيقاه لم ترق للإيطاليين فاضطر إلى التسول عند أبواب الاديرة والمعابد يلتمس قوت يوم وفراش ليلة . وقد روي لنا جولد سمث قصته هذه خلال روايته " قسيس ويكفيلد " ولكنه لم يلتزم الحق فيما روي ، لأن الصدق لم يكن في يوم من الآيام ديدنه ؛ ولا بد أن يكون القارئ حريصا عندما يقرأ لجولد سمث شيئا يرويه عن حياته أو عن رحلاته . ويقول الكاتب في إحدي قصصه إنه حضر بنفسه حديثا دار بين فلتير وفنتنل في مدينة باريس ، ونحن نعلم بالتحري ان فلتير لم يطأ بقدمه أرض باريس طالما كان جولد سمث يجوس خلال القارة الأوروبية .
وفي عام ١٧٥٦ عاد هذا الشاعر المتجول إلي وطنه لا يعينه في الحياة مال أو صديق . ويزعم أنه كان يحمل شهادة في الطب من ) بادوا ( ، ولكنا - كما قدمنا يجب أن نكون على حذر في كل ما يرويه هذا الكاتب عن نفسه . ومهما يكن من شئ فإنه لم يفد من طبه شيئا ، ولم تدر عليه هذه المهنة درهما واحدا ، بل لعله لم يمسك بيده قط مبضعا ، ولم يلق بنو وطنه لمزماره إذنا مصغية ؟ ولم تكن بالبلاد أديرة ، فاضطر إلي التماس العيش من طريق آخر . اشتغل ممثلا متنقلا ، ولكنه بوجهه المشوه بآثار الجدري وبقامتة القصيرة وشكله القمىء ، لم يلاق على المسرح نجاحا ؛ فاشتغل خادما في مدرسة ، ومساعدا لصاحب مكتبة . بل لقد كان أحيانا يضطر إلي أن يتسول ويمد يده بطلب الإحسان ! واخيرا ظفر بوظيفة في القسم الطبى بشركة الهند الشرقية ، غير أن الشركة سرعان ما فصلته
لأنه لم يؤد لها خدمة واحدة تدل على دراية بالمهنة أو خبرة يسيرة بها .
هذا قليل من كثير مما لاقي جولد سمث أول حياته في سبيل كسب القوت ، وقد ضاقت به سبل العيش إلي اقصي الحدود . حينئذ التجأ الرجل إلى الأدب ، فاستأجر حجرة وضيعة في اعلي منزل حقير سكن بها وسكن إليها بعد رحلات طويلة لم يصادفه فيها التوفيق . وامسك بالقلم وهو في الثلاثين من عمره ، وبدأ حياته الادبية فخلف لنا صحائف رائعة ما زلنا حتى اليوم نقرؤها فنجد فيها لذة ومتعة .
وفي السنوات الست التالية ارسل إلى المطبعة بعض ما دبجت براعته ، من مقالات للمجلات والصحف ، إلي كتب للأطفال ، إلى غير ذلك مما حفظته الأجيال حتى يومنا هذا . وكتب كذلك " بحثا في انتشار التعليم في أوربا " ورسالة في " حياة ناشئ " ، وقد عفى عليها الدهر برغم ان ما وصل إلينا منها يدل على انها مما يستحق الخلود . وكتب تاريخا لإنجلترا ، وهو بحث سطحى فيه كثير من الاخطاء ، كتبه في صيغة خطابات من رجل نبيل إلي ولد ، كما كتب " صورا تخطيطية للمجتمع في لندن " في صورة رسائل من رحالة صيني إلي صديق له في الصين .
وقد نشر هذه الآثار الأدبية أول الأمر بغير توقيع ، ولكن القراء عرفوه من اسلوبه . وعرفه اصحاب المكاتب بالتدريج ، وصار كاتبا شعبيا محببا إلى جمهور كبير من القراء ولم يؤهله تعليمه للبحث الدقيق أو الكتابة الجدية التي تحتاج إلى إدمان الدرس والتمحيص ! لم يعرف جولد سمث شيئا على وجه الدقة ، لان قراءته كانت متناثرة متقطعة ، ولم يكن يمعن في التفكير فيما يقرأ . وشهد جولد سمث كثيرا من الدنيا ، ولكنه لم يحتفظ في ذا كرته
بغير حوادث تافهة وشخصيات ليست لها قيمة تذ كر غير أنها استهوت خياله فصورها بالفن الجميل
لم يع جواد سمث إذن كثيرا من العلم ، ولكن القليل الذي كان يعيه عالجه بطريقة بالغة الاثر في القراء . هو كاتب ، إن لم يكن عظيما فقد كان إلى النفوس حبيبا ، اسلوبه سهل في قوة ، ورواياته شائقة ممتعة ، واوصافه رائعة . وفكاهته بارعة وإن كانت لا تخلو من روح الحزن والأسي . وفي كتابته على الجملة نبل لا تتوقعه من رجل عاش أكثر حياته في الأحياء القذرة من العواصم الكبرى !
وأخذت دائرة قرائه تتسع شيئا فشيئا . وتعرف إلي جنسن عميد الأدب في عصره ، وإلى ربنوللدز زعيم المصورين الإنجليز ، وإلى برك الخطيب المشهور ؛ وتوثقت بين الكاتب وهؤلاء الرجال البارزين اواصر الصداقة . وفي عام ١٧٦٣ اختير عضوا رئيسيا في " النادي الادبي " الذي كان يختلف إليه في لندن جل رجال الفن والادب .
) له صلة

