الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 246الرجوع إلى "الثقافة"

حياة أفلوطين

Share

١- يبدو أن أفلوطين (١) معاصرنا الفيلسوف كان يخجل من كونه ذا جسم ، ولقد تغلغل هذا الشعور في ثنايا نفسه وتعمق أشد العمق ، حتى أنه لم يتيسر لأحد قط سبيل إغرائه بالتحدث عن أسلافه أو والدسيه أو مسقط رأسه .

وكان بيدي أيضا نفورا شديدا من الجلوس إلي رسام أو مثال ، ولما ألح عليه أميليوس في أن يسمح برسم صورة له ، سأله قائلا : " أليس بكاف أن تحمل هذه الصورة التي أودعنا فيها الطبيعة ؟ وهل تظن حقا أنه لزام على أن أواقي على صنع صورة لهذه الصورة لتكون مشهدا مرغوبا فنية تنظر إليه ذرارينا من بعدنا ؟" .

فلما رأي أميليوس إصراره هذا علي الرفض والإباء أحضر صديقه كارتيربوس أمهر الفنانين في عصره - أحضر ، إلي " المؤفرات " كانت مفتوحة على مصراعيها لكل طارق ، وعمل علي أن يتمكن الفنان بطول الشاهدة وكثرة الملاحظة من النقاط ملامح الفيلسوف البارزة ، فلما تجمعت آثار هذه الملاحظات في ذهنه تيسر له اعتمادا على ذاكرته أن يخرج صورة أولي عرضها على أميليوس ، فأندي له هذا بعض المقترحات ليكون الشبه بالفيلسوف أقرب . وبهذا الأسلوب وبدون علم أفلوطين جادت لنا عبقرية كارتيريوس بصورة دقيقة شبيهة بالفيلسوف أتم الشبه .

٢ - وكان أفلوطين يشكو في أغلب الأيام مرضا أصاب أمعاءه ، ومع ذلك فقد كان يرفض استعمال السوائل التي تغسل بها الامعاء قائلا : إن هذا النوع من العلاج لا يليق بشيخ كبير في سنه . وبالمثل كان يأبي تعاطي العقاقير الطبية

التي تحوي مواد مستخلصة من الوخوش الضار الزواحف ، وبخاصة لأنه - كما قال - لم يكن يسنه تناول لحوم الحيوانات التي يتعهدها الناس بالترب يتغذون بها .

وامتنع عن الذهاب إلي الحمام قائما بتدليك جـ كل يزم في النزل ، ولما أهلك الوباء من كان يقوم له التدليك امتنع امتناعا تاما عن هذا العلاج أيضا ، ثم أصـ بعد ذلك بقليل عرض الخناق الخبيث

على أن أعراض هذا المرض لم تكن قد ظهرت عليه أ وجودي معه وملازمتي له ؛ وإنما ساءت حاله واشتدت آلام العلة بعد ما أبحرت إلي صقلية . فلما عدت إلي حدثني بوستوكبس أحد خلصائه ، وكان قد لزمه في سا الأخيرة ، فقال : إن صوته بح في آخر أيامه وفقد نـ الرتين العالي الذي كنا نعهده فيه ، وإن بصره ضعف ، ظهرت الفروح على يديه وقدميه

ورأي أصحابه أن يعتزلوه أثناء مرضه حرصا على شفائـ إذ كان لا يزال مصرا على مخاطبتهم والتحدث إليهم ؛ وعند ريرح روضا وذهب إلي كاميانيا ، وأوي إلي ضيعة هناك كا تملكها وبثوس أحد أصدقائه القدماء ، وكان قد ترقي مـ مدة ما . ومن هذه الضيعة توفرت له أكثر حاجاته وما بقي منها بعد ذلك كان يجلب إليه من مينتووتي حيث تقـ أملاك كاستربكس .

أما عن اللحظات الأخيرة التي قضاها أفلوطين فى هذ الحياة ، فإن رواية بوستوكبس تتلخص فيما يأتي :

كان يوستوكبس مقيما في بيتبولى وحضر متأخرا ؛ فلمـ وصل ابتدره أفلوطين بقوله : " لطالما انتظرتك - إنني أجاهد في تسليم الإلهي في إلي الإلهي في الكل " . وعند ما قال ذلك زحف ثعبان من تحت فراشه واختفي في جحر في الحائط . وفي هذه اللحظة مات أفلوطين

كان هذا في نهاية العام الثاني من حكم كلوديوس . وكان أفلوطين عندئذ ، كما أخبرني يوستوكبس ، في

دسة والستين من عمره . أما أنا فكنت في هذا الحين بلبليايوم ، وكان أميليوس في أباميا في سوريا ، ستربكس في روما ، فلم يكن بجانبه إذن عند وفاته في يوستوكبس .

وعلى هذا فإذا عدنا إلي الوراء ستا وستين عاما ابتداء العام الثاني لحكم كلوديوس ، أمكننا أن تحدد مولد يلين بأنه كان في العام الثالث عشر من حكم سفروس . أنه لم يبح لنا قط بالشهر أو اليوم الذي ولد فيه ، وذلك لم يكن برغب في إقامة حفل في يوم مولده ، أو تقديم يا مع أنه كان يقدم الضحايا والقرابين في يوم مولد كل أفلاطون وسقراط ، ثم يقيم بعد ذلك حقا يخطب فيه ل من يستطيع ذلك من أفراد حلقته

- رغم ما كان بيبديه أفلوطين على وجه العموم من فور نحو التحدث عن أيامه وتاريخ حياته ، فإن هناك ضا من الدقائق والتفصيلات القليلة التي ذكرها لنا في بات حديثه معنا .

وهكذا أخبرنا أنه وهو في الثامنة من عمره ، وقد أخذ الذهاب إلي المدرسة ، كان ما يزال يعلق بمرضعته ويحب يكشف عن ثديها ويرضع منهما ، ولم يمتنع عن ذلك إلا ـد أن قيل له في أحد الأيام : إنك شيطان شاذا أو فربت ضال .

ولما بلغ سن العشرين شغف يحب الفلسفة ، فأرشد إلى عظم الأساتذة شهرة في مدينة الإسكندرية ، ولكنه كان ذهب إليهم ويعود محزونا خائبا . ولما باح يمكنون نفسه إلى أحد أصدقائه أدرك حقيقة هويته ، وأشار عليه بالتوجه إلي أموليوس ؛ ولم يكن قد جربه بعد ، فذهب إليه أفلوطين وأصغى إلي إحدي محاضراته ، ثم صاح بصاحبه : " هذا هو الرجل الذي كنت أنشد " .

ابتداء من هذا اليوم تبع افلوطين أمونيوس على الدوام ، وتقدم بإرشاده تقدما كبيرا في الفلسفة ، حتى تملكته الرغبة الملحة في تعرف أساليب الفرص

ومذهب الهنود . وحدث أن الإمبراطور جورديان كان يتهيأ في ذلك الحين لحملة عسكرية على بلاد الفرس ، فلحق أفلوطين بجيشه وذهب مع الحملة وهو في التسعة والثلاثين من عمره ، لأنه كان قد قضى أحد عشر عاما متتلمذا لأمونيوس . ولما قتل جورديان في ارض العراق لم يستطع أفلوطين الوصول إلي أنطاكيا سالما إلا بشق النفس .

وفي الأربعين من عمره - أي في حكم فيليب - استقر به المقام في مدينة روما

ولقد كان أرينيس وأوريجن وأفلوطين قد تعاهدوا فيما بينهم على ألا يوحوا بشيء من التعاليم التي كشف لهم عنها أمونيوس . فظل أفلوطين وفيا بعهده هذا ، ولم يذكر لأتباعه شيئا قط من فلسفة أمونيوس . ولكن هذا العهد نقض . نفسه أولا أرينيس ثم تبعه في ذلك أوريجن . على أنه من الحق أن تقرر هنا أن أوريحن لم يكتب إلا رسالتين فقط الأولى من " الكائنات الروحية " والثانية عن " الملك الخالق الواحد " ، وقد حورها في حكم جالينوس . أما أفلوطين فقد ظل أمدا طويلا لا يكتب شيئا ، ولكنه أخذ يعتمد في محادثاته على الدراسات التي تلقاها على يدي أستاذه أمونيوس . وعلي هذا النمط قضى عشر سنوات لا يكتب شيئا ، بل يتحدث على الدوام إلي طائفة مختارة من أتباعه ويناقشهم .

وكان يشجع سامعيه على إلغاء الأسئلة ، فأدت به هذه الحرية ، كما قال أميليوس إلي الشئ الكثير من الخروج عن الموضوع ، وإلى الكلام الذي لا طائل نحته ولاغناء فيه .

وانضم أميليوس إلي حلقته في العام الثالث من حكم فيليب ، وهو العام الثالث أيضا على بدء إقامة أفلوطين في روما ، وظل ملازما له إلى العام الأول من حكم كلوديوس أى أنه قضى أربعا وعشرين سنة في هذه الحال . ولما اتصل بأفلوطين كان قد سبق له التمرن مرانا حسنا على يدي ليزمماخوس وفاق زملاءه جميعا بكده ومثابرته وطول عنانه ولأضرب لك مثلا على هذا بأنه نسخ مؤلفات نيومينس

كلها ، وعني بترتيبها ، وكان على وشك أن يتم حفظها برمتها عن ظهر قلب ، كما أنه عن بتدوين ملاحظات ومذكرات على مؤتمرات أفلوطين ، ثم حورها بعد ذلك في نحو من مائة رسالة أهداها إلي هوستيلياس وكان قد تبناه

٤ - أما أنا أنا فقد حضرت من بلاد الإغريق في العام العاشر من حكم جالينوس في صحبة انطونيوس الرودسى ، فوجدت أميليوس قد سلخ ثمانية عشر عاما ملازما لأفلوطين ، ولكن لم يكن قد أقدم بعد على تحرير أي شئ الهم إلا المذكرات التي لم تكن قد بلغت حينئذ المائة عدا . وكان عمر أفلوطين في هذا العام العاشر من حكم جالينوس حوالى تسة وخمسين عاما ، وكنت أنا في الثلاثين عندما قابلته أول مرة .

وفي هذا الحبن كان أفلوطين قد أخذ يكتب في الموضوعات التى تناولها البحث في الؤتمرات . وعندما لقيته في هذا العام العاشر من الحكم ، كان قد أنشأ إحدي وعشرين رسالة . ولم تكن هذه الرسائل مما يسهل تداوله قطعا ، ومع ذلك فقد أتيح لي الحصول عليها . فالواقع ان توزيع الرسائل لم يكن يحدث إلا سرا وعلى كره ، وإلا بعد أن يختبر من يحصل عليها اختبارا عسيرا .

ولم يضع أفلوطين عناوين لهذه الرسائل ، فكان كل امرئ بضع لكل رسالة ما شاء من عنوان . وما أذكره فيما يلى إنما هي العناوين التي ساد استعمالها في النهاية ، ( يتبع )

الإسكندرية

اشترك في نشرتنا البريدية