اقتفي الإسكندري أثر دارا . ولكن دارا كان أسرع . وهرب إلى بلاد الكرد ، فلم يتمكن الإسكندر من أسره . ولما بلغ الاسكندري مدينة أربيل وجد فيها كنوز دارا وكمية هائلة من ذخائر الحرب ، فاستولي عليها كلها . ولما تقمص الولاية والإمارة ، واستئتب له الامر ، لقب نفسه ( ملك آسيا ) ، ثم سار بجيشه إلى أن وصل إلى بابل ، وقيل أن يبلغها مثل بين يديه حاكم القلعة والكهنة وأعيان ووجوه المدينة ، وقدموا له الطاعة وبايعوه ( ملكا على بابل ) وبهذا انسلخت بابل من حكم الفرس ، كما انسلخت مصر من قبل . ولكنسب عطف رعاياه الجدد ، امر الإسكندر بتجديد وتعمير جميع المعابد التي دمرها الفرس ، وعلى الأخص معبد مردوك .
أقام الإسكندر شهرا في بابل ، ثم زحف بجيشه نحو الشرق ، فوصل بعد مسيرة ٢٠ يوما إلى مدينة سوس حاضرة الأخمينيين ( وبالفارسية هخامنشى ) وفيها وجسد الخزانة عامرة بسبائك وافرة من الذهب والفضة قومها المؤرخون بألف وأربعمائة مليون من جنيهات اليوم .
وبعد ما استولى الإسكندر على سوس زحف واستمر زاحفا إلي أن عبر نهر الأراكس(واسمه الآن الكور ) ووالى سيره إلى ان بلغ بإزار جاد ( الان مشهدى مرعاب ) ، وكان كسري الاول ملك الفرس اتخذها مركزا ، وشيد فيها القصور الفخمة . ومنها تابع سيرة إلى ان وصل إلي برسبوليس ) Persépoiis ( واسمها الآن تخت خمشيد على مقربة من شيزار ، ويفصلها نهر الكور Araxe ) ،( وكان ملك الفرس أكزركس Xerxes ( وبالفارسية خشايارت )
قد شيد فيها قصورا فخمة ، ومباني غاية في الآبهة . فلينتقم الإسكندر منه - لانه سبق أن أحرق كثيرا من المدن اليونانية - امر بإحراق مدينة برسبوليس من أولها إلى آخرها جزاء وفاقا ونكالا لما بين يديها وما خلفها ، فأحرقها وتركها فاما صفصفا لا دار فيها ولا ديار ، قاصدا بذلك ان يمحو من الوجود ذكر ملك الفرس أكزركس . وقبل ان يحرقها عمل بقول من قال ( من عز بز ) أي من غاب أخذ السلب . فساب جميع الأموال التي كان جمعها فيها ملوك الفرس ، وكانت قيمتها تبلغ في ذلك الوقت ٠٠٠٠ ١٢ ثالنث talents أي ما يعادل ٩٥٠ مليونا من الفرنكات الذهب ، عبارة عن ٤٠٠ مليون جنيه انجليزى ذهبا ، واستولى ايضا في مدينة بازارجاد Pasargadr على أموال مكنوزة قدرت مبلغ ٢.٠٠٠.٠٠٠ جنيه ذهبا .
وفي ربيع سنة ٣٣٠ زحف الإسكندري بجيشه ، واستولي على آخر حاضرة للفرس هي مدينة أكباتان ، ( ومحلها الآن همذان )
أراد الإسكندري أن يقطع دابر دارا ، فعزم على مطاردته إلى ان يقبض عليه ، إلا ان بسوس Bessus حاكم ولاية باكتريان ( بخاري ) - وهو الذي غصب فيما بعد عرش الفرس وسمي نفسه ارتا كزوكس Artaxerxés ( وبالفارسية أو تخشيرشا . وقد ذكر في الشاهنامة باسم اردشير ) اعتقله وقبل ان يدركه الإسكندري قتله . فلما وصل الإسكندري إلى باكتريان لم يجد أمامه إلا جثة هامدة ، فأمر بدفنه في برسبوليس في مدافن آبائه وأجداده باحتفال عظيم يليق بمقامه ، وكان عمر دارا وقت قتله ٥٠ سنة ، وقد قتل في شهر يوليه سنة ٣٣٠
يقول شاعرنا العربي : " إن الطعام يقوي شهوة النهم " l appetite Vient en mangeant، فلما رأى الاسكندر أن البلاد التي أخضعها يخضع له بلا مقاومة زحف واجتاز
لبرز ، واستولي على البلاد الواقعة على مقرية من بحر قزوين : فاستولي على بخاري وتركستان وافغانستان وبلوخستان ، واسس ثلاث مدن سماها ( اسكندرية ) الأولى وتسمى الآن هرات Herat في مقاطعة خراسان ، والثانية في جنوب هندكوش ( وهي الآن قندهار ) والثالثة في بلاد القوقاز
انتهز الإسكندر فرصة وجوده في البلاد الواقعة على مقربة من بحر قزوين ، وجرد حملة عسكرية علمية لتدرس طبيعة بحر قزوين وتعرف إن كان هذا البحر يتصل بالأوفيانوس أو هو بحر قائم بنفسه في وسط البلاد المحيطة به
علم الإسكندري في اخر صيف سنة ٣٣٠ أن بسوس Bessus نصب نفسه ملكا على آسيا باسم ارثا كزر كسيس Artaxcrxés فوالى الإسكندر مطاردته إلى ان قبض عليه بطليموس أحد قواد الإسكندر (وهو الذي اسس في مصر بعد موت الإسكندر دولة البطالمة ونودي به ملكا على مصر ( فأمر الإسكندر بجدع أنفه وقطع أذنيه ثم أرسله إلي همذان حيث أعدم صلبا .
استمر الإسكندر في زحفه إلى أن وصل إلي سمر قند؟ وبوصوله نهر يا كزارت ( سردارية الان ) بلغ اقصي حدود بلاد الفرس من جهة الشمال الشرقي ، وفيها اسس مدينة جديدة سماها إسكندرية القصوى ( وهي الآن شودشنت )
وهنا حدث حادث كانت له اهمية خاصة في حياة الإسكندر ذلك أن أحد قواد ارنا كزركسيس Artaxetses واسمه الامير او كسيارت Oxyarte - اعتصم بقلعة حصينة اسمها قلعة ارياماز مشيدة في وسط البلاد الواقعة بين بخاري وبلاد أفغانستان . فلما وصل الإسكندر إليها حاصرها ، ثم طلب من الأمير التسليم فأبى وتحداه . فأمر الإسكندر جنده بتسلق جدران القلعة ، ووعد من يفوز منهم بمكافأة مالية كبيرة ، فتسلقوها في جوف الليل . ولما يئس المحاصرون من المقاومة سلموا وكان من بين
الأسري روكسان بنت الأمير أوكسيارت ، وكانت غضة بضة كانها سبيكة فضة ، وكان عينيها كوكبان دريان . ويقال إنها وستانير زوجة دارا كانتا اجمل نساء الفرس . فلما رآها الإسكندر هام بها ، وأصاب حبها شغاف قلبه ، ورغب في الزواج منها ، وقد تمت حفلة زواجه بها في قلعة خوريين choriene ،التى سلمت بعد ما سلمت قلعة ارياماز وكان زواج الاسكندري بروكسان حسب العوائد والتقاليد الإيرانية ؛ ومنها انهم استحضروا رغيفا شطره الإسكندر بسيفه شطرين ( ولا تزال هذه العادة متبعة عند اهالي تركستان حتى اليوم ).
بعد زواج الإسكندر وبعد بلوغه ذروة المجد العسكري ، وبعد ان بسط سلطانه على جميع البلاد الواقعة بين البحر الأبيض وحدود الهند ، دبرت مؤامرة لاغتياله ، وكان من المؤتمرين ليقتلوه فيلوتاس من اعظم قواده ، وأبوه بارمينيون أكبر قواده . حاكمهما الإسكندر أمام مجلس عسكري ، والمجلس حكم عليهما بالإعدام
وقد حدثت حادثة ثالثة فرح لها قلبه من الحزن . ذلك ان الإسكندر كان اقام حفلة في سمرقند دعا إليها سماره وخواصه ، وكان من بينهم صديقه الحميم كليتوس cleitos ( واسكندر مدين له بحياته ، إذ انقذه من الموت في موقعة الجرانيك ، أول موقعة نشبت بينه وبين دارا ) ، وفي اثناء الحفلة ، وكانت الخمور قد لعبت بالرءوس ، والخمر جماع الأثم ، تبادل الإسكندر وكليتوس الكلام بشدة وعنف . فاض صدر الإسكندر من الغيظ ، وظن أن هناك مؤامرة مدبرة لاغتياله ، فثار ثائره وافرط بيدء إلي سيفه ليستله ثم طعن صديقه طعنة اطارت عظامة قضاضا ، ولما تنفس الصبح وأفاق الاسكندر من سكرته ، وعرف ماجنته بداء ، انفجر باكيا ، وغشيه هم وغم ، لأن موت كليتوس كان تلمة في الجيش لا تسد . اعتكف الإسكندر في كن بيته
ثلاثة أيام اضرب فيها عن الاكل والشرب ، واحتجب عن خلانه وسجرائه
لما وصل الإسكندري الهند ، دفعه زهوه وحب الاستطلاع إلي غزو الهند ، وكان قد سمع الشئ الكثير عن غني أمرائها ، فأراد من جهة إخضاعها لسلطانه ، ومن جهة أخري معرفة هذه البلاد النائية ، التي روي له عنها الرواة كل مجيب وغريب ، وقد اتخذ غزو الهند ذريعة لحث البعثة العلمية التي تصاحبه على درس جغرافية هذه البلاد ، ودرس نباتاتها وحيوانها ودياناتها وعاداتها ، وكل ما يهم العلم معرفته عنها . ففي سنة ٣٢٧ قبل الميلاد بارح الإسكندري بلاد باختر Bactrlane ، وبرفقته زوجته الأميرة روكسان ( وقد ولدت له ولدا في السنة التالية ، ولكنه مات وهو صغير ) بعد أن اجتاز وادي كابول دارت بين الإسكندر والهنود معارك عدة ، جرح الإسكندر في إحداها كما جرح بطليموس ، وفي أثناء زحفه استولي على قلعة ماساجا massaga الحصينة ، ثم اجتاز وادي ( بشاور) ، واستولي على سلسلة جبال بيرسار ثم اجتاز نهر أورنوس ornos إلي أن بلغ بلاد البنجاب ، ثم عبر نهر الهندوس في ربيع سنة ٣٢٦ ، والتقي بأمراء الهند على نهر هيداسب . دارت وحي الحركة بأشد ما يكون من الهول ، وفيها انتصر الإسكندر على الهنود انتصارا مبينا ، وسلم الملك بوروس porus ؟ نفسه إلي الإسكندر . ولما سأله الإسكندري كيف يريد أن يعامل ؟ أجابه أريد أن أعامل معاملة الملوك ، فأجابه الإسكندر إلى طلبه وعامله معاملة الملوك ، وكانت هذه المعاملة أساس صداقة متينة بينهما ، وقد أسس الإسكندر فى المنطقة التي حصلت فيها الموقعة مدينتين سمي الأول Nicee ( أي المنصورة ) والثانية بوسيقالي Bucephaile باسم جواده Bucephale المشهور . ولما أراد الإسكندر التوغل في بلاد الهند تذمر الجند ورفضوا المسير وقالوا إن الحرب أضنتهم وإنهم يودون العودة إلي بلادهم ، وكانوا
قد قطعوا في ثماني سنوات ونصف سنة من يوم أن زايلوا وطنهم ووصلوا إلي الهند ١٨.٠٠٠ كيلومتر ، وزادهم تصميم علي رفض السير ان مطرا لا يغضغض استمر يهطل عليهم ٧٠ يوما حتى انهك قواهم المادية والمعنوية . ولتخليد ذكري وصول الإسكندر إلى الهند شيد ١٢ معبدا في شكل أبراج .
عاد الإسكندر أدراجه ، ولما وصل إلي نهر اسيزين Acesine واسمه الآن شتاب ( وهو أحد الروافد الخمسة التي يتألف منها بلاد البنجاب والبنجاب معناها النأهر الخمسة ) وجد عامله هيفستيون Hephestion قد اسس مدينة جديدة سماها ( الإسكندرية ) وكان تأسيسها بناء على أمر الإسكندر ، وفيها استقبل سفراء امير كاشمير الذين حضروا ليهدوا إليه ٣٠ فيلا
كان الإسكندر أن يكشف مصب نهر الهندوس الذي قيل له إنه بصب في المحيط الهندي ، فكلف كراتير cratere أحد مهندسيه بأن يبني له أسطولا كبيرا ؛ فاضطر كراتير أن يسير حملات إلي جبال هملايا لجلب الاخشاب من ادغالها وغاياتها ، وبعد مجهود جبار وعمل شاق وفق لبناء ٨٠٠ سفينة كبيرة وصغيرة موسقة زادا وذخائر ، اختار لها أمهر البحارة من الفينيقيين والمصريين والقبرصيين واليونانيين ، ونصب صديقه نيارك Nearque أميرالا علي هذا الأسطول الضخم . أبحر الأسطول في نوفمبر سنة ٣٢٦ وقيل إبحار الأسطول صعد الإسكندر وباركه باسم ( أبيه آمون ) ، ثم سار الأسطول على الطائر إلييمون . وفي أثناء هذه الرحلة اضطر الإسكندر إلي مقاتلة شعوب هندية كثيرة بعضها أولو بأس شديد ، إلا أن الإسكندر قاتلهم وانتصر عليهم ، واستولي على مدن كثيرة منها مدينة البراهمة ؛ وفي إحدي هذه الوقائع كاد الإسكندر يلقي حتفه ، لأنه أراد أن يبث الحماسة في روح جنده ، فتسلق سلما وصعد علي جدار حصن ثم ألقي بنفسه في
داخل الحصن ؛ فلما رآه الهنود عرفوا من لباسه انه الإسكندر فانهالوا عليه ضربا وطعنا ، فأصابته طعنة في صدره ، نخر على الأرض بلا حراك . فلما راء جنوده قد وقع دبت فيهم روح الحماسة والانتقام ، فنزلوا وهجموا على الهنود واعملوا فيهم السيف والنار إلي ان افنوهم على بكرة ابيهم هم ونساءهم واولادهم ، ثم حملوا الإسكندر واخرجوا الرمح من صدره وعالجوه إلى ان شفي . ومجرد شفائه واصل السير على نهر شناب إلي ان وصل إلي نقطة تلاقي هذا النهر بنهر الهندوس ؛ وفيها امر عامله بأن يبني مدينة جديدة سماها اسكندرية ، وقمت في منتصف الطريق الذي تنتهي إليه هذه الرحلة النهرية .
وفي شهر فبراير سنة ٣٢٥ استأنف الرحلة على نهر الهندوس ، وفي خلالها اضطر لمقاتلة البراهمة ، وانتهز فرصة خضوع بعض الإمارات فغير اسم عاصمتهم وسماها الإسكندرية ، ثم أسس مدنا أخري كثيرة .
وفي يوليه سنة ٣٢٥ وصل الإسكندر إلي مدينة باتالا الواقعة على رأس دلتا نهر الهندوس ( حيدر آباد الآن ) ، وبهذا خضعت له كل البلاد الواقعة على نهر الهندوس من بلاد الكشمير إلي الأوقيانوس الهندي وقد وفق العلماء الذين كانوا معه في هذه الرحلة ، فدرسوا طبيعة الاراضى وكشفوا ما فيها من معادن ذهب وفضة وملح - ونباتات وحيوانات ، كما كشفوا تخطيط هذه البلاد النائية
أراد الإسكندر ان يعرف مجري فرعي نهر الهندوس ، فجرد تجريدة علمية عسكرية شطرها شطرين ، رأس هو شطرا سار بأسطول مؤلف من أسرع السفن في الفرع الغربي ، واستصحب معه ٩٠٠٠ مقاتل ، وبعد مسيرة بضعة أيام لاحظ هبوط مستوي النهر ثم انسحابه نحو البحر ووقوف السفن ، وكانت هذه أول مرة رأي فيها أهل أوربا هذه الظاهرة الطبيعية - ظاهرة جزر البحر وزادت دهشتهم لما عادت المياه وارتفعت - ظاهرة
المد ؛ بعد ذلك استأنفت السفن المسير إلى أن وصلت إلى الأوقيانوس الهندي . طار الإسكندر فرحا لما رأي لأول مرة المحيط الهندي ، فأمر بذبح الذبائح وتقديم القرابين إلى الآلهة ابتهاجا وشكرا علي هذا التوفيق الكبير وبعد ذلك عاد الإسكندر إلى باتالا واجتاز الفرع الغربى إلى أن وصل إلى المحيط مرة أخرى ، ومنه رجع إلى باتالا ( حيدر آباد )
وفي أواخر أغسطس سنة ٣٢٥ قبل الميلاد بدأت رحلة العودة إلي الوطن ، وفي أثناء الرحلة أمر بتأسيس مدينتين سماهما ( الإسكندرية ) إحداهما في داخل البلاد والأخري على شاطئ البحر ، ثم دخل فيافى بلوشتان ، وكانت فلاة جرداء لا ماء فيها ولا زاد ، فقاسي الجند أهوال الحر والظمأ والجوع والعراء ، ومات منهم آلاف ، واضطروا إلي ذبح الخيل والبغال وأكلها . وكان الإسكندر يواسي المرضى والجرحي ويقوي عزائمهم ، وكان يسير معهم على قدميه جنبا لجنب ، فواصلوا السير إلي أن بلغوا مدينة بورا poura - والآن kelta عاصمة بلوتشستان ( وفيها لمواشعتهم واستراحوا ، ثم واصلوا السير إلي أن بلغوا مدينة اسكندرية ( قندهار الآن ) ومنها يعم مدينة بازرجاد ، حيث دخلها في أوائل سنة ٣٢٤ قبل الميلاد ، وقد دهش لما علم أن لصوصا سطوا علي قبر كسري ونهبوا ما فيه وسلبوا جثمانه . بعد ذلك سار حتى وصل إلي مدينة برسبوليس ومنها إلي سوس ؛ وقبل أن يدخل مدينة سوس التقي بالأميرال نيارك ، ومنه علم أن الأسطول طاف الخليج الفارسي ووصل إلي مصب نهر الفرات . وقد فرح الإسكندر فرحا شديدا بوصول أسطوله سالما بعد أن أدى مهمته خير الأداء . ومن فرط فرحه أنعم على نيارك بتاج من الذهب الخالص مكافأة له واعترافا بجليل أعماله . ثم حث جنوده المقدونيين على الزواج من الإيرانيات ، وفي ليلة واحدة زوج ٨٠ من قواده بثمانين أميرة من أميرات الفرس . وكل جندي مقدوني تزوج من فارسية أتحفه بتحقة مالية عظيمة ،
فتهافت الجند على الزواج ، ويقال إن عشرة آلاف جندى تزوجوا من إيرانيات في الفترة التي اقامها الإسكندر وجيشه في سوس .
وفي صيف سنة ٣٢٤ بعد أن أخذ للسفر أهبته زابل الإسكندر مدينة سوس وبلغ همذان حاضرة الاخمينيين ، ومنها انتقل إلي بابل في ربيع سنة ٣٢٣ ، وكان في نيته الطواف حول بلاد العرب والبحر الأحمر ، ثم تجهيز حملة قوية تؤيدها ١٠٠٠ سفينة حربية لغزو قرطاجنة ) تونس ( والبلاد المتاخمة لها وأسبانيا وجزيرة صقلية . ومن أجل هذا أرسل بعثة بحرية علمية أولى وصلت إلي جزائر البحرين في الخليج الفارسي ثم عادت قبل أن تتم رحلتها ، فأرسل الإسكندر بعثة ثانية وصلت إلي جزائر البحرين هي أيضا ثم عادت . ثم أرسل بعثة ثالثة وأمرها بأن تسير إلي أن تصل إلي هيرونبوليس ( السويس الآن ) ، ولكن البعثة لم تصل إلي نصف الطريق . أرسل بعثة رابعة وصلت إلي باب المندب ثم نفد ماؤها فعادت . وليسهل المواصلات بين المشرق والمغرب أسس مدينة على مصب نهر الدجلة سماها ) الإسكندرية ( تكون فرضة بحرية ) لعلها شط العرب الآن ( تصدر منها حاصلاتها إلي بابل وما إليها . ثم أسس مدينة أخري علي ساحل بلاد العرب سماها الاسكندرية أيضا ، رحل إليها كثيرا من الأغريق ومن المتطوعين ومن القوم الرحل . وقد حدث والاسكندر في همذان أن أصيب صديقه الحميم هيفستيون بحمي خبيثة أودت بحياته . فحزن عليه الإسكندري حزنا شديدا ، حتى إنه بقي ثلاثة أيام طريحا بجوار جثمانه لم يتناول فيها الطعام . ثم أمر بنقل جثمانه إلي مدينة بابل . ولتخليد ذكراه أمر باقامة أثر فخم له . ومن عجيب أمر الإسكندر أنه وهو في همذان أرسل بعثة إلي مصر لتزور واحة سيوة وتستلهم أباء ) آمون ( في أمر صديقه هيفسستيون ليلهمه إن كان يصح أن يقدسه ويرفعه إلي درجة الأولياء والقديسين ،
أو يكتفى باعتباره بطلا من الأبطال . سافرت البعثة وعادت وأخبرت الإسكندر أن آمون اجاب بوجوب اعتبار صديقه ) بطلا من الأبطال ( فناط الإسكندر بصديقه كليومين بأن يشيد له في اسكندرية مصر معبدين : معبد في وسط المدينة ومعبدا في جزيرة فاروس ) رأس التين الآن (
بعد ذلك سار الإسكندر إلى بابل ، وفي اثناء سفره التقي بوفود كثيرة حضرت إليه من ليبيا ومن الحبشة ومن قرطاجنة ومن إيطاليا ، ومن سائر البلاد التي غزاها انهدي إليه هدايا وتقدم له شعائر الولاء والاخلاص . ولما عبر نهر الدجلة التفي برسل من الكلدان جاءوا ليحذروه من دخول بابل بدعوي أن معبودهم ماردوك تنبأ بأن دخول الإسكندر مدينة بابل سيكون دبارا عليه لم يبال الإسكندر بنبوءة معبود الكلدان ودخل بابل ، وفيها أقام حفلات كثيرة كان يدعو إليها جنده ووجوه البلد ومياسيرهم ، ويوزع عليها الهدايا واللحوم والخمور . وفيها أيضا وجه همه إلي تجهيز حملة كبيرة لغزو بلاد العرب . وبينما الإسكندر يدير شؤون بابل أصابته حمي الملاريا وكانت كثيرة الانتشار في هذه البقاع ، والحمي يريد الموت ، فأقعدته وصارت وطأة الحمي تشتد يوما بعد يوم ، إلي أن تجلي نهار ١٣ يونيه سنة ٣٢٣ ، وفيه تنازعته غمرات الموت ففاضت روحه ولفظ نفسه الأخير ، فكان آخر يوم له في الدنيا وأول يوم من الاخرة ، والدنيا امد ، والآخرة أبد .
ومن عجيب تاريخ الإسكندر أن حياته كانت كلها توفيقات آتاه الله من كل شئ سببا ، منذ دب إلي ان شب
مات الاسكندر وعمره ٣٣ سنة ، بعد أن تولي الملك ١٣ سنة ، وبعد أن ترك ذكري لا تفني أبدا ، ولا بعد الأبد ، إن كان بعده بعد .
