في سنة ٣٣٦ قبل ميلاد المسيح اغتال احد الاشراف فيليب ملك مقدونيا والد إسكندر الاكبر ، طعنه بخنجر وهو يتهيا لدخول أحد مسارح مدينة أوجبه Aegae يوم الاحتفال بزواج بنته كليوباتره ( أخت الإسكندر ) ، بملك بلاد ابيروس(1). وبموت فيليب وكان عمره ٤٧ سنة انتقل الملك إلى ابنه الإسكندر وكان قد حبا العشرين من عمره .
وقبل أن يستوي الإسكندر على عرش مقدونيا كان أبوه قد عني بتربيته تربية عالية ، واختار له أكبر فلاسفة اليونان : ارسطاطاليس الشهير الذي لا يزال اسمه يدوي في ارجاء المعمورة حتى اليوم على الرغم من مضي ألفي سنة علي وفاته .
كان عمر الاسكندر ١٣ سنة لما تولي أرسطاطاليس تربيته في سنة ٣٤٣ قبل الميلاد . فكر الاستاذ في إبعاد تلميذه عن ملاهي بيللا Bella حاضرة مقدونيا وعن ملاذها ، واختار له مكانا قصيا بلدة مبيزا Mieza فيها لبث بعلمه ويربية ثلاث سنوات كاملة . لقنه الأدب اليوناني ، فحفظ الإسكندر كثيرا من الشعر اليوناني ، ولا سيما الالياذة المشهورة . ولم ينقطع الإسكندر عن الدرس وارسطاطاليس عن التدريس إلا في سنة ٣٤٠ لما انهزم فيليب فتح بيزنطية ( القسطنطينية قديما واستانبول حديثا ) فنصب ابنه الاسكندر قائمقام المملكة مدة غيابه ، وكان عمر لاينيف على ١٦ سنة
وفي مدة ولاية العهد شجر شقاق بين الإسكندر وأبيه مرتين :
المرة الأولى عندما فكر فيليب في الزواج من بنت مقدونية اسمها كليوباتره كانت آية في الجمال ، فظن الإسكندر - وظنت معه أمه أولمبياس Olympias أن فيليب ينوي ان يطلق والدة الإسكندر فغادرا مقدونيا وأقامت الام في وطنها ابيروس وذهب هو إلى البانيا .الا ان أهل الخير سعوا لازالة سوء التفاهم بين الابن وابيه فعاد الإسكندر الى مقدونيا.
والمرة الثانية عندما عرض بيكسوداروس Pixodaros أمير كاري(1) Carie على فيليب عقد معاهدة دفاعية هجومية ، وليوثق اواصر المودة بينهما عرض عليه أن يزوجه من بنته . كره فيليب أن يصاهر تابعا من اتباع الفرس ، واستحسن ان يزوج البنت من ابن له غير شرعي اسمه أرهيداوس Arrbidaios فظن الإسكندر أن والده فضل عليه ابنه غير الشرعي ، وربما أوصى له بالملك من بعده ، واسرع وطلب من امير كاري أن يزوجه هو بنته . فلما اتصل الخبر بفيليب استدعي ابنه وأنبه ، وأفهمه أن فكرة تفضيل ابنه غير الشرعي عليه فكرة خاطئة . فاطمأن الإسكندر وعاد الوفاق بين الابن وأبيه
استوي الاسكندر على عرش مقدونيا ، فبدأ حكمه بقمع الثورة التي شبت في بلاد اليونان بقصد التخلص من نير الحكم المقدوني ، وكان على رأس هذه الثورة ديموستين خطيب اليونان الشهور
وبعدما غزا الإسكندر بلاد اليونان وقمع الفتنة وجه همه إلى غزو تراقيا . فغزاها وواصل زحفه إلى أن وصل إلي مهر الدانوب ، وبعد ذلك اخضع البلاد الجنوبية التي منها الآن بلغاريا وألبانيا
طار صيت الإسكندر ووصل إلي دارا ملك الفرس . فحرض الأغريق على أن يشقوا عصا الطاعة على الإسكندر وأمدهم بالمال الوفير لشراء الاسلحة والذخائر ولاستخدام أكبر عدد ممكن من الجند . ولتحقيق اغراضه رشا
ديموستين بمبلغ 60,000 جنيه ليغري بيهم العداوة والبغضاء . ومن الحيل التي استعملها أنصار دارا لاثارة الفتنة والثورة انهم اشاعوا ان الإسكندر قتل في معركة من المعارك التي خاض غمارها في بلغاريا وفي ألبانيا إلا انه عند ما اتصل بالإسكندر خبر الثورة تميز من الغيظ وطار إلي بلاد اليونان وانتقم من أهالي طيبة بخلاف Thebas - التي تزعمت هذه الثورة - فجذ دابرهم ودمر طيبة من أولها إلي آخرها وتركها خاوية علي عروشها
ولما استتب له الأمر وجه همه إلي محاربة الفرس وكان دارا قد بسط سلطانه على بلاد اسيا الصغري بحذافيرها ، وكان له في البحر الأبيض اسطول قوي جدا يتألف من ٤٠٠ من الجواري في البحر كالاعلام . وتسبب سيطرة دارا على البحار ما كان الإسكندر ولا غير الإسكندر يستطيع مناواته في البحار ؛ ففكر الإسكندر في وسيلة بها يجعل هذا الاسطول الضخم سواه والعدم . فهداه فكره الثاقب إلى الاستيلاء ، على شواطئ بلاد آسيا الصغري وعلى جميع الثعور الواقعة على البحر الأبيض المتوسط ، وكان معظم اهاليها من اليونانيين ، فإذا استولى عليها استحال على أسطول دارا ان يتمون .
جمع اسكندر جيشا يتألف من ٣٠,٠٠٠ من صناديد الشاة و ٥٠٠٠ من أشد الفرسان بأسا ، وسار بهم لمقاتلة دارا ، وقد استصحب معه جمهرة من الفلاسفة ومن العلماء ومن الشعراء ومن المهندسين وصفوة رباني هذه الامة لدرس احوال البلاد التي نوي غزوها ، فكانت حملته عليها طايمان : طابع حربي ( الفتح والغزو ومقاتلة الفرس) ( وطابع علمى ) درس طبيعة البلاد واستكشاف احوالها الزراعية والتجارية والصناعية والعلمية ، كما فعل نابليون من بعده عندما غزا مصر (
كانت سلطنة الفرس ؛ اكبر سلطنة في العالم ، تمتد حدودها من البحر الأبيض إلي الهند ، وكان على عرشها الملك دارا الثالث ، ومع سعة ملكة ووفرة موارده من مال ورحال فان الإسكندر لم يتردد لحظة في مقاتلته تلاحم الجيشان - جيش اسكندر وجيش دارا - ثلاث مرات دارت الدائرة فيها كلها على دارا : الواقعة الأولى كانت في شهر مايو سنة ٣٣٤ قبل مقربة من ضفاف نهر جرانيكوس Le Granique ويصب في بحر مرمرة بين قرة بينا ويوزلر كوي ) وفيها انكسر جيش الفرس انكسارا شنيعا وفر دارا وهو يتأوه ويتأوى . وما كاد خبر انكساره يذاع في البلاد حتى سارعت بلاد آسيا الصغري للاستسلام للاسكندر ومن ضمنها جميع المدن اليونانية التي كانت خاضعة للفرس .
وفي ربيع سنة ٣٣٣ زحف الإسكندر في قلب الأناضول ، فمر بانقرة ثم دخل كليكيا ، واستولي على مضيق حبال طوروس ، ووالى زحفه إلى ان دخل مدينة طرسوس ، ومنها استمر زاحفا إلى ان علم ان دارا جمع جيشا عز مرما في شمال سوريا علي مسيرة يومين من مضيق بيلان وهو المضيق الذي هزم فيه البطل إبراهيم باشا بن محمد على الكبير جيش السلطان محمود الثاني في ٣٠ يوليه سنة ١٨٣٢ التقي الجيشان في نوفمبر سنة ٣٣٣ على مقربة من إيسوس في جهة تعرف الآن باسم ارسلان بوغاز وطو براق
قلمه سي على ضفتي نهر بيناروس ؛ دارت رحي المعركة بأشد ما يكون من الهول رجت لها الأرض رجا وفيها جرح الإسكندر في فخذه . وقد أبدي الإسكندر في هذه الحركة من البسالة والجرأة ما أدهش قواد الجيشين ، ولما هم الإسكندر بالكر على شخص دارا ، وأنس دارا الخطر المحدق به ألقي سلاحه ودروعه وملابسه وولى الأدبار ، فلما رأي الفرس أن ملكهم فر من الميدان ألقوا سلاحهم ولأذوا هم أيضا بالفرار خاستين . وقد غنم الإسكندر كل ما كان في ميدان الفرس من ذخائر ومهمات واسلحة ، وأسر أفراد عائلة دارا - امه وزوجته وثلاثة من أولاده - وقد مثلوا امامه إذلاء داخرين ، وظنوا في بداية الآمر أن دارا قتل ، وارادوا ان يقيموا له مأنما ، إلا ان الإسكندر هدا روعهم وأكد لهم أنه لم يقتل . كان الإسكندر على مسامتهم مقيتا ، إلا انه عاملهم معاملة الملوك حتى إنه لم يتطلع إلي ستاتيرا Statira زوجة دارا ولم يلامسها ، وقد كانت فلقة قمر مهففة لم تر عين مثلها حسنا وجمالا
بعد تشتيت جيش دارا زحف الإسكندر شطر لجنوب ليستولي على جميع ثغور البحر الأبيض ، وفي الوقت نفسه أنقذ قائده الأكبر بارمينيون Parmeaion إلى دمشق ليست على كنوز دارا قبل ان تتسرب او تتبدد . وبالفمل دخل بارمينيون دمشق واستولي على كنوز دارا
خضعت المواني كلها للاسكندر فبدأت رواد وبيلوس ) جبيل الان ( وصيدا بالتسليم ، أما صور فقاومت ، حاصرها الإسكندر في يناير سنة ٣٣٢ ولما طالت مقاومتها هجم عليها وفتحها عنوة بعد حصار وقتال داما سبعة أشهر - من يناير سنة ٣٣٢ إلى أغسطس سنة ٣٣٢ - والحرب غول للنفوس ، فقد قتل الإسكندر من أهلها 8000 وأسر 30000 باعهم أرفاء عملا بسنة الحرب التي كانت متبعة في ذلك الوقت عند قدماء اليونان .
وفي اثناء حصار صور ارسل دارا إلي الإسكندر
وفدا ضم عشرة من ذوي قرابته حملوا إليه كتابا يعرض عليه فيه مليون جنيه وعقد محالفة دفاعية هجومية والتنازل له عن جميع البلاد الواقعة غرب الفرات ، وليضمن له الوفاء عرض ان يزوجه من بنته لنزافه عنده . وليستسيغ الفرس التنازل عن هذه الاراضي الواسعة اذاع دارا ان هذه الاراضى ستكون مهر بنته . عقد الإسكندر مجلسا حربية جمع جمجمة المقدونيين والأغريق . وشاورهم في الامر ؟ ومن طريف ما يروي انه لما جاء دور بارمينيون اجاب : " لو كنت الإسكندر لقبلت ما عرضه دارا " . فاجابه الاسكندر على الفور : " وانا كذلك لو كنت بارمينيون . إني سأقاتله حتى تضع الحرب أوزارها " .
بعدما رفض الإسكندري ما عرضه دارا زحف نحو الجنوب دون ان يلاقي مقاومة تذكر ، إلي ان وصل إلي مدينة غزة ؛ وكانت قلعة حصينة قائدها خصي ذو بأس شديد اسمه باتيس Battis ، فلما طلب منه التسليم رفض حاصرها الإسكندر شهرين ، ثم استولى عليها عنوة ، وفي اثناء هجومه عليها اصابه في كتفه شواظ من نار . وبعد الاستيلاء على غزة استأنف الإسكندري زحفه ، وبعد سبعة أيام وصل إلي الفرما Petuse أول حدود مصر ، وفيها وجد أسطوله ينتظره . فرحت مصر بحضور جيش الإسكندر لأن الفرس كانوا طردوا فرعون مصر تقتنب الثاني وأسرفوا في الظلم والنهب والعبث والتخريب والتعذيب ، وسلبوا ما كان في المعابد من كنوز وتحف واثار ، وقتلوا العجل ابيس الذي كان يجله المصريون ويقدسونه . ولما بلغ الإسكندر منفيس تقدم حاكم مصر وسلم القلعة كما سلمه الحامية والمال الذي كان في الخزانة وقد قدر بمليون وستمائة ألف جنيه .
ومما سهل للاسكندر كسب عطف المصريين انه أمر باحترام المعابد واحترام ديانة المصريين واحترام عقائدهم ، وأمر بتركهم وما يدينون ؛ وليستميلهم قدم القرابين والذبائح لمعبود المصريين ، كما قدم القربان للعجل ابيس ؛
وأمر بتعمير وتجديد معبد طوطميس الثالث بالكرنك ومعبد امينوفيس الثالث بالاقصر . ولما استتب له الأمر في مصر اجلسه الكهنة على العرش في معبد فتاح بمنفيس ، وعملوا له المراسيم الدينية العتادة . ولما بايعه كبير الكهنة فرعونا على مصر ( ملكا على الوجه البحري وملكا على الوجه الفيلي ، ولقبوه بأبن معبودهم رع ومحبوب معبودهم أمون ) خر له الناس سجدا ، لانه يوصف كونه ملكا على مصر وابن رع وحبوب امون حق له من القداسة ما كان الفراعنة مصر لدى السبعة الملايين من المصريين الذين كانوا يسكنون وادي النيل في ذلك الوقت
والذي سهل أيضا للأسكندر كسب عطف المصريين انه كان في مصر جاليات يونانية كثيرة منتشرة في كثير من انحاء القطر المصري ، وفدت عليها في خلال القرن السابع قبل الميلاد، وكان فيها من بلاد اليونان كثير ممن استقدمهم الفراعنة واستخدموهم جنودا . وكان فيها فوق هذا وذاك مدينة يونانية بحتة ، هي نقراطيس بجوار النبيرة وكوم جعيف مركز تية الباورد ) اسسها اليونانيون في عهد بسماتيك الاول فرعون مصر الذي طرد الغزاة وأعلن استقلال مصر . كما كانت توجد جالية يونانية كبيرة أيضا في منفيس عاصمة القطر
وأعظم أثر خلد للأسكندر ذكرا سيبقي أبدا ، إنما هو تاسيس مدينة الاسكندرية . وقد بناها على مقربة من بلدة راكوتبس القديمة ( بين جزيرة فاروس التى فيها فنار الإسكندرية وراس التين الآن وبحيرة مريوط ) ، وقد ندب الإسكندر اكبر مهندسيه واسمه دينوكرات من اهالي جزيرة رودس - لتخطيط المدينة ، وتولى الأسكندر بنفسه تعيين مواقع الشوارع والمعابد والأسواق والملاهي ، ثم حصنها تحصينا قويا ، بدلالة وثيقة رسمية هيروغليفية عثر عليها حديثا ، يرجع عهدها إلى سنة ٣١١ قبل الميلاد ، ذكرت الإسكندرية وسمتها ( قلعة ملك الوجهين الفيلي والبحري ابن رع ومحبوب امون ) إلى ان قيل في
هذه الوثيقة : ( وهذه القلعة كانت على شاطئ بحر الروم ، وكان اسمها قديما راكوتيس ) وكان في نية الإسكندر أن يتخذها عاصمة لملكه وان يجعلها مركزآ للتجارة بين آسيا واوربا وأفريقيا . وقد بلغت عظمة الإسكندرية شأوا كبيرا عندما اتخذها البطالسة عاصمة الديار المصرية ، وبقيت عاصمة الديار إلي ان جاء المعز لدين الله الفاطمي ، واسس مدينة القاهرة من الف سنة ، ونقل إليها مقر الخلافة
ولتخطيط وتجميل مدينة الإسكندرية استقدم الإسكندر من بلاد اليونان كثيرا من المهندسين ومن المعماريين ومن الفنانين ومن مهرة الصناع ، وكل من له بسطة في علم او فن . وبينها كانت الإسكندر يعمل في تأسيس مدينة الإسكندرية ورد له نبأ استيلاء اسطوله على جزر الأرخبيل اليوناني مثل جزيرة تندوس Tenedos وجزيرة لسبوس Leabos وجزيرة خيوس Chios وجزيرة كوس Cos ولما مثل اسري جزيرة تيندوس امامه امv fاعتقالهم وارسلهم إلى أسوان في جزيرة فيله .
استولي الإسكندر على مصر وكان عمره ٢٤ سنة فقط . أراد الإسكندر أن يزور واحة سيوة ليستوحي أمون معبود المصريين ، وليسمه الكهنة ابن أمون . سافر من راكونيس في محاذاة شاطئ البحر الابيض ، وفي أثناء الرحلة التقي بوفود حضرت إليه من برقة ) ليبيا ( قدمت إليه هدايا كثيرة عربونا لولائهم وإخلاصهم ، ودعته لزيارة ليبيا . ولما وصل إلي مدينة باريتونيوم ) مرسي مطروح الآن ، والعرب يسمونها البرطون ، وهو تحريف لاسم باريتونيوم ) اتجه جنوبا نحو واحة سيوه التي تبعد مسيرة ١٢ يوما . كانت الرحلة شاقة جدا ، وزادها مشقة نفاد الماء الذي جلبه الاسكندر على الجمال ، ومصادفة سفر الحملة في الشهور الواقعة في صميم الحر ، ثم هبوب عاصفة هوجاء من ريح سموم اثارت الرمال في وجه الجند لدرجة يئسوا معها من النجاة . وبينما الإسكندر وجنوده
على هذه الحالة من الياس ، وإذا بغرابين يظهران في سماء الصحراء ، فاستبشر الإسكندر خيرا بظهورهما ، وأمر القافلة بالسير في اتجاه الغرابين . ساروا حثيثا إلى ان راوا على بعد اشجار النخيل والزيتون التى كانت بالواحة ، ولما دخلوها وجدوا عيون ماء وفيرة ، كما وجدوا بحيرات عدة . وبمجرد وصول الإسكندر قصد معبد امون الذي كان قائما على ربوة اسمها الان ) بغورمي ( وكان معبد امون سيوه فرعا من معبد امون الكرنك .
راع الكهنة حضور الإسكندر المقدوني إلي واحة سيوه ، وراعهم تجشمه الشاق الهائلة للوصول إليها ولا سيما أنه لم يسبق أن فرعونا من فراعنة مصر حج إلى سيوه ؛ ولما رأي الكهنة الإسكندر وجنده هرولوا إليه واستقبلوه استقبالا رائعا ، وأدخلوه المعبد ، ثم تقدم إليه كبير الكهنة - وكان شيخا فانيا يجيد اللغة اليونانية - وأحضر معه المعبود آمون وحيا الإسكندر باسم ) ابن آمون ( ، ثم أدخله وحده داخل حجرة في المعبد ؛ وفيها استوحي الإسكندر آمون رع ، فأوحى إليه بما أوحي وتقبل الإسكندري وحيه واستبشر ، وذاع خبر الوحي وطبق الآفاق ؛ واعتقد الناس أن الاله آمون أخذ ابنه الإسكندر في رعايته وعنايته ؛ وكتب له النصر في جميع فتوحاته وغزواته . وقد جاء المستقبل مصدقا ومؤيدا لنبوءة أمون ، مما حمل الإسكندر على أن يوصي بدفنه بعد موته في واحة سيوه في حضن أبيه المعبود آمون ؛ وقد كتب الإسكندر إلى امه ) أولمبياس ( كتابا قص عليها فيه رحلته إلى واحة سيوه.
وبعد ان انتهت رحلة واحة سيوه زايلها الإسكندر إلي منفيس من طريق واحة قاره ومنخفض القطارة ، فوصل إليها بعد مسيرة ١٨ يوما ، وفيها وجد وقودا كثيرة وفدت من بلاد اليونان ومن تراقيا لتقدم له هدايا وشعائر الولاء والاخلاص . وقد أرسل إليه نائبه انتيبانير Antipater الذي اقامه مقامه في مقدونيا ٤٠٠ من مشاة
اليونان الصناديد و ٥٠٠ من فرسان تراقية البواسل .
وقد انتهز الإسكندر فرصة وجوده في مصر وأرسل بعثة علمية إلى بلاد السودان لتكشف منابع النيل وتدرس اسباب فيضان النيل وتحاريفه . سافرت البعثة وبحثت وحققت ودققت ، فاهتدت إلى ان سبب فيضان النيل هبوط امطار غزيرة في بلاد الحبشة . وقد سر ارسطاطاليس بنتيجة أبحاث البعثة ، لأن علماء اليونان وغيرهم كانوا يجهلون سر هذه الظاهرة الطبيعية .
أقام الإسكندر في مصر ستة أشهر وقبل أن يغادرها نصب اثنين من المصريين القح على المصالح المدنية في القطر ، ونصب يونانيا اسمه ابولونيس Appolonis حاكما على منطقة الحدود الغربية ) ليبيا ( ويونانيا مصريا من مدينة نفراطيس اسمه كليومين Cleomene على منطقة الحدود الشرقية ) بلاد العرب ( وعين اثنين من الضباط المقدونيين مساعدين للحاكمين المصريين
ولما بارح الإسكندر مصر قصد توا فينيقيا ) فلسطين الآن ( وأقام في صور . علم وهو في صور أن دارا ملك الفرس يجهز جيشا عرمرما في بابل ، قدره بعض المؤرخين عليه جندي من المشاة واربعين الفا من الفرسان مزودين بمائتى مركبة حربية ، واختار لملاقاة الإسكندر سهول اربيل Arbele على الضفة اليسري من الدجلة . زحف الإسكندر بجيشه ومر ببلدة تزيب ثم بمدينة نبنوي ) امام الموصل ( واستمر زاحفا إلى ان التقي بجيش الفرس في جوجاميل ) شمال اربيل ( ، وفي أول مايو سنة ٣٣١ قبل البلاد نشبت المعركة بين الجيشين بأشد ما يكون من العنف والاستبسال ، دكت منها الأرض دكا . ولما رأي دارا ان الإسكندر يتولى قيادة الفيلق الذي صوبه نحوه اوجس في نفسه خيفة وفر من الميدان وترك جنوده اشتاتا ، فبطش بهم الإسكندر تلك البطشة الكبرى التى جعلتهم حصيدا خامدين .
) له بقية (
