الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 646 الرجوع إلى "الثقافة"

حياة "سويفت" :, أسير فى أرض الأقزام

Share

كانت حياة (سويفت) مأساة مارد قيده الأقزام بالأغلال ، وهي إلى جانب ذلك مسلاة ساخر عميق استطاع أن يسخر من أغلاله ، كان عقله بالغ القوة ، وجسمه بالغ الضعف .

فقد أباه وسنه ستة أشهر ، وما بلغ شهره الثاني عشر حتى اختطفته حاضنته ، فهي في خدمة أسرة سويفت بإيرلندا وإذا الأنباء تترامى إليها بأن عمها في انجلترا قد مات وأخلف لها تراثا . . فأبحرت إلى انجلترا دون أن تنذر سيدتها ، وأخذت معها ابن السيدة ، ولم يعد الطفل إلى أمه إلا بعد ثلاث سنين .

فإذا التحق في صباه بكلية ( ترنتي ) بديلن بدا منه نهم إلى المطالعة وانتقاض على النظام المألوف ، ونال البكالوريوس بشق النفس ، ولكن حيل بينه وبين درجة الأستاذية لوقاحته مع مساعد العميد ، كما قالوا .

يبد أنه وفق في أن يعين سكرتيرا لسير وليم تمبل وهو من مشيرى ملك انجلترا المقربين ، وكانت ألسنة الشر تلفظ بأنه الأب الطبيعي لسويفت نفسه ، وأتاح له المنصب راتبا قدره عشرون جنيها في العام ومكانا على مائدة الخدم . وهكذا تضخم جيبه ، واضمحلت كبرياؤه ؛ فعمل هذا السكرتير الألمعي الشاب يقتصر على نسخ أفكار سيده الشيخ غير الألمعي ، وكان في أوقات فراغه يقيد آراءه الشخصية . . في منظومات شعرية غالبا .

وكانت له مسلاه أخرى شائقة ، هي تعليم فتاة صغيرة تدعي (ستيلا) تقيم في منزل سير وليم على أنها من الخدم ، ولكن أصلها وقصتها يكتفهما الغموض والإبهام ، فهي

تعامل كأنها عضو في الأسرة ، ويقول اللاغطون أيضا إنها ابنة طبيعية لسير وليم ، وإن كان للغط فى هذه المرة ما يبرره .

سعد سويفت بتعليم ( ستيلا ) وأعجبت الفتاة الصغيرة أعمق الإعجاب بذلك المدرس الكادح اللاذع اللفظ الوادع البسمة ، ولبثت العلاقة بينهما تسع سنين بين مد وجزر إلى أن عين قسيسا في كنيسة إيرلندا ، وكان يطمح حين عين بالكنيسة أن يرق إلى أسمى المناصب في كنيسة انجلترا ، لا أن يظل فنناً تافها على فرعها الإرلندى .

وهذا الأمل هو ما ينكره عليه رؤساؤه أشد الإنكار ، فهذا القسيس المجنون - كما يدعونه - له عقل ملئ بالمفاجآت . . لا تعلم ما يقذف به . وله قلم يغبو عن تقاليد الكنيسة المعترف بها ، فهو قد كتب تعليقا ساخرا على بعض الطقوس الدينية في أوربا ، وضحك مطارنة انجلترا وسروا بتهكمه على الكنائس الأخرى ، ولكنهم استشاطوا غضبا من غمزه لكنيسته في نفس الرسالة ، فرأوا أن مهارة الرجل خليفة بأن تدعو إلى الحذر منه ، والتخوف من مفاجآته .

كانت مأساة الرجل أن عقله أسمى من إدراك معاصريه ، فقررت العقول الصغيرة أن تأسر العقل الكبير فى منصب مغمور ، فهو لا يجاوز وظيفة أسقف ، وإن نال الدكتوراه في اللاهوت وكسب مودة النفوذ ، وتعشي مع رئيس الوزراء ؛ فإذا طلب أن يرقي - كما هو حقه - أجيب برفض مهذب .

وهو في خلال ذلك يحتفظ بمظهر البشر ، وتمتلئ أيامه بالنكات والمرح ، وإن كان صدره يغلي غضبا ، إنه يدرك

تفوقه على زعماء زمانه ، ولكن عليه أن يمثل معهم دور التابع ، وينظر إليه على أنه النديم المهرج .

كتب نشرات سياسية لهارلي وهو من أكبر ساسة انجلترا ، وحاول هارلي وهو يصالحه أن يدس في يده ورقة من فئة الخمسين جنيها ، فقذف بالورقة في وجه هارلي وانصرف مغضبا ، إنه لم يبغ بما كتب مبلغا من المال . بل المنصب الكبير الذي يستحقه . وهذا ما أباه عليه هارلي وغيره من الكبراء .

كانت زيارته لانجلترا فشلا سياسيا إذا . ولكنها كانت نصرا فكريا لا ريب فيه . فقد صار الفارس المعلم في مشارب لدن ، حيث يجتمع فرسان الفكر للمبارزة يوميا . فضربات الأسقف الشيخ كانت عميقة حادة فاصلة . وهو لا يستعمل البلاسم حين يشاء الإيجاع حقا .

ولم يكن لسويفت في حياته من بلسم غير ستيلا . . تلك الفتاة التي علمها صغيرة ، وهامت به كبيرة . وكانت صادقة الحب هادئة الطباع . . أميل إلى إرضاء الأسقف منها إلى مغاضبته . فهي تراه رجلا غير عادي ، يحتاج في معاملته إلى لباقة غير عادية . فإنا ماتت سيلا تركت فراغا دائما في قلب العميد الشيخ المحزون . ومنذ ذلك الحين تشابه سلوك الخارجي ومرارته الباطنة " إني أمقت الدنيا لأبي أصبحت لا أصلح لها إطلاقا " وسار في يوم ميلاده يقرأ في الكتاب المقدس ، ذلك الفصل الذي يلعن فيه أيوب يوم ميلاده .

وإن زرايته بالإنسان لتزيد كل يوم ، ويزيد كل يوم تحمسه لبني جنسه الإرلنديين . فهو يصليهم نارا بلسانه ويوسعهم بذراعيه عطفا ورثاء . وله في هذا كتيب عنوانه ( اقتراح متواضع لتخفيف وطأة أطفال الفقراء على آبائهم وعلى الوطن ، وللإفاده منهم في المجتمع ) جاء به ما ملخصه :

" أ كد لى أمريكى من أهل الذكر أن الطفل الصحيح البدن يكون لحمه إذا بلغ عامه الأول غاية في اللذة والتغذية ، سواء أكان مسلوقا أو مقددا . فليرب فلاحو إرلندا أطفالا

ليتغذي بهم الملاك الإنجليز . فالطفل يكفي لأن يعمر طبقين كبيرين في مأدبة . وللانجليز الحق الأول في لحم هؤلاء الأبناء بعد أن ابتلعوا معظم الآباء .. ولقد قمت بحساب لما يتكلفه ابن المتسول من رضاع فوجدته شلنين سنويا . ولا أحسب أحدا من السادة يضن بعشرة شلنات ثمنا لجثمان طفل سمين . فهذا يصبح المالك الإنجليزي محبوبا من المستأجر الإرلندي . وتنال الأم ثمانية شلنات ربحا صافيا . . تفي بنفقاتها حتى تضع مولودا جديدا . ويستطيع غلاة المقتصدين أن يسلخوا الجثة . ويكسوا جلدها كساء صناعيا ، فتغدو من أجود قفازات السيدات ، وأجود الأحذية الصيفية للسادة .

قرأ السادة الإنجليز هذه النشرة فاشمأزوا من بربرية الكاتب . ومضوا في طريقهم الحضري المهذب . . يميتون المستأجرين جوعا . . على مهل .

وكتب سويفت ( رحلات جلفر) المعروفة . وهي قصة عملاق يغامر في عالم من الأقزام أدركه الزهو والغرور والخيال . وضحك الجميع من هجومه المرير على غباء الجنس البشري ووحشيته . فقد حسب كل قارئ أنه ليس معنيا بهذا الهجوم . وإنما المعنى به جاره الغبي . فتألم سويفت ألما لم يستشعره من قبل " لقد أردت أن أوجع الناس واستثيرهم ، لا أن أضحكهم وأرفه عنهم ".

رحمتك اللهم ! لقد خلا عقل سويفت من كل شئ . من التفكير والألام والسخرية . . ونسي كل ما مر به . هاهو ذا يرى وجهه في المرآة فيسأل : " من ذلك الرجل المحرم المسكين ؟ " وهذه النواقيس تدق في عيد ميلاده وتوقد المشاعل فيسأل : " من ذلك الرجل الذي أحبه الناس كل هذا الحب ؟ "

نحن في التاسع عشر من شهر أكتوبر عام ١٧٤٥ . سماء صافية فوق سويفت . وعقل عائم في رأسه . ويتجلي الغمام لحظة من الزمن ، فنسمع تمتمة الشيخ المحتضر : "ورباه ! رحمتك بى وعنايتك في رحلتى الأخيرة " .

اشترك في نشرتنا البريدية