من الناس من ينظر إلي الدنيا في ضوء مثل أعلى يتمثله أو في ظل فكرة سامية يحلم بها ، وتلهمه الرؤي الرائعة . والصور البديعة ؟ فيصبح لا يطيق ما يري في الواقع من نقص وعيب ، وبسوؤه ما في الحياة من إثم ومنكر ، وظلم فادح ، وتجبر وطغيان وفساد وفوضي وضعة ومهانة ، ويحز ذلك في نفسه ويؤرق ليلة ، ويقض مضجعه ، ويأخذ عليه مسالك تفكيره ؛ فإذا كان من تجول بنفسه أمثال هذه الأفكار وتضطرب بها أمثال هذه للشاعر رجلا عالي الهمة بعيد الشأو صارم الإرادة استولت عليه رغبة حافزة في مقاومة الضلالات الفاشية ومحاربتها والقضاء عليها ، وتحقيق ما يتراءي له من وجوه الخير والإصلاح ، ومثل هذه الرغبة النبيلة كانت هي الدافع في الماضي إلي تصور الجمهوريات الصالحة العادلة ، والمدن السامية الفاضلة ، وكانت هي باعث الثورات والانقلابات والحركات والاضطرابات التى كثيرا ما باءت بالإخفاق ، وابتلي القائمون بها بأشد ضروب البلاء ؛ ومثل هذه الرغبة في العصر الحديث كانت هي التي تثير رواد المذاهب الاشتراكية ودعاة الفوضوية والسنديكالية وما إلى ذلك من المذاهب السياسية والاجتماعية التي تهدف إلى إبراء المجتمع من أسقامه وتصحيح أخطائه وإزالة عيوبه وترميمه وسد ثغراته .
والكثرة الغالبة من الناس يقبلون اليسير ، ويرضون بالدون . وتشغلهم صغائر الحياة وهمومها الحقيرة عن تأمل الأحوال التي يعيشون فيها ، ومراقبة الاتجاهات السائدة في المجتمع الذي يحتويهم ، ولا تترامي آمالهم إلى أبعد مما يتطلبه حاضرهم الضيق المحدود . والواقع أننا لا نعدو الحق إذا قلنا إن حياتهم تشبه حياة السوائم من وجوه عدة ؟ وبعض هؤلاء الناس قد يحدوهم الطموح الشخصي إلي شق الصفوف ومقارعة الأقران ، واكتساح العقبات القائمة في سبيلهم حتى يصلوا إلى صفوف العلية ، ولكن القليلين من أمثال
هؤلاء من يعمل على إشراك الجماعات في المزايا أو المنافع التي يريدها لنفسه ، وحاول أن يقصرها عليها ، وقلة قليل نادرة من الناس هم الذين يسعون للخير العام والإصلاح الشامل دون أن يفكروا في علاقة ذلك بمصلحتهم الخاصة أو سعادتهم الفردية . وفي العهود الغابرة كثيرا ما أخفق أمثال هؤلاء الأفراد النوادر في إثارة الاهتمام بقضيتهم ، لأن الجهل والفقر كانا أكبر عقبة في سبيلهم ، وإيقاظ الأمل في نفوس الجهلة والفقراء كان من المسائل الشاقة التي تكاد تبعث على اليأس .
أما في العصر الحديث فإن انتشار التعليم على مدى واسع جعل مهمة هؤلاء الأفراد الأقذاذ أجدي وأبعد أثرا ونسبيا أقل خطرا .
وتتشابه الاشتراكية والفوضوية في أنهما يتيحان للعالم الذي يعيش فيه بمثل أعلى وصورة مثلى ، وأمثال هذه الصور السامية كانت من وحي مفكرين مثاليين قضوا حياتهم في عزلة وتفكير وتأمل ، ولكن جماعات العمال الكادحين قبلوا هذه الصور الجميلة ، وتعلقوا بها ، وعملوا على تحقيقها ؛ وقد رزقت الاشتراكية الذيوع والانتشار واكتسبت الكثير من الأنصار والأعوان ، أما الفوضوية فلم تلق انتشارا واسعا إلا حينما أخذت صورة السيندكالية النقابية ...
والاشتراكية والفوضوية في صورتهما الحديثة قد تأثرنا بمجهود رجلين بارزين ممتازين ، وهما كارل ماركس وبا كونين . وقد عاش هذان الرجلان في جهاد متواصل وكفاح مرير ، فماركس من بعض الوجوه يمكن أن يعتبر موجد الاشتراكية الحديثة ، لأنه أفرغها في القالب الذي عرفت به ، وأعطاها الصورة العلمية ، وأيدها بالشواهد المستمدة من التاريخ والفلسفة والأقتصاد وعلم النفس وعلم الاجتماع .
وباكونين هو بحق إمام الفوضوية الحديثة الذي قاد حركتها وأوقد شعلتها ، ولكن باكونين لم يكن ندا لماركس في سعة الاطلاع ، وغزارة المعلومات ، والقدرة على تنظيم الأفكار وتحديدها ، وإجادة التأليف ، وربما كان أقدر زعماء الفوضوية على ذلك هو الأمير كروبتكين الفوضوي المعروف .
وقد ولد ميشيل باكونين في سنة ١٨١٤ من أسرة روسية أرستقراطية ، وكان والده من رجال السلك السياسي ، وكان أبوه حين مولده قد اعتزل الخدمة وأقام في ضيعة له في ناحية تيقر ، وقد أراد أن يهيئ لابنه حياة وطنية محترمة في الجيش القيصري ، ولكن الفتي الناشئ باكونين كان ثائرا مطبوعا ، وقد حمل علم الثورة أول ما حمل في داخل منزل أسرته ، وتحدي سلطة أبيه ، وكانت حياته العائلية الباكرة حافلة بالأحداث الثورية ، وكان يحرض إخوته على الثورة وشق عصا الطاعة ، ولم يكن أبوه من الأباء الطغاة المستبدين . وإنما كان رجلا ذكي الفؤاد مستنيرا سهلا متسامحا مع أولاده ، وقد استهدف مع ذلك كله لحملات هذا الابن المتمرد ، ولم يكن باكونين مع ذلك يجهل الجوانب الصالحة في أخلاق أبيه . فقد كتب إليه من رسالة : " لقد كنت معلمنا ، وقد أيقظت في نفوسنا الشعور بالخير والجمال وحب الطبيعة ، ونبهت في أفئدتنا هذا الحب الذي ما يزال يربط بين قلوبنا إخوة وأخوات برباط وثيق ، ولولاك لكنا قد أصبحنا قوما عاديين تافهين ، وقد أشعلت في قلوبنا شرارة حب الحق المقدسة وألقيت فينا الشعور بالاستقلال للترفع والحرية الشامخة ، وقد فعلت ذلك لأنك تحبنا ولأننا متعلقون بك مؤثرون لك " .
وقد أحسن أبوه تنشئة أولاده بوجه عام ، وكانت طفولتهم سعيدة هادئة ، وألحق باكونين بمدرسة المدفعية بطرسبرج ، وأقبل على دروسه الحربية بحماسة وجلد . وشاهد إخماد الثورة البولندية في سنة ١٨٣٠ ، فأثر في نفسه منظر بولندة الثائرة المرعوبة تأثيرا شديدا قوي في نفسه كراهة الظلم والطغيان . وضاق بعد ذلك بحياة الجندية ، وترك خدمة الحكومة القيصرية ، وأقبل على دراسة الفلسفة وأعجب بفلسفة هجل ، وكانت حينذاك هي الفلسفة السائدة
في الأندية الفكرية والبيئات المثقفة ؛ ثم غادر روسيا وذهب إلي ألمانيا ليدرس فلسفة هجل في منبتها القومي ، وقد ترك روسيا وهو من رعايا القيصر المخلصين ، ولكن سرعان ما وقع تحت تأثير الشبان الهيجليين ، ومال إلى آرائهم الثائرة لأنها صادفت هوي في نفسه ، ثم ساوره الشك في بعض آراء هجل ونظراته ، ولم يستطع قبول قول هجل إن الواقع هو للعقول والعقول هو الواقع ، ثم ترك برلين إلي درسدن واتصل بأرنولد ريج ، وكان ريج يحاول أن يفسر فلسفة هجل تفسيرا يلائم الاتجاهات الحرة ، وكان من المؤمنين بقوة تأثير الأفكار في عالم السياسية والاجتماع ، وفي ذلك الوقت أصبح باكونين من الذين يدينون بالمبادئ الثورية ، ونشر مقالا في المجلة التى كان يصدرها ريج وردت فيه إحدي كلماته المأثورة وهي : " إن الرغبة في الهدم هي في نفس الوقت رغبة خالفة " وقد اتخذ خصومه الناقمون عليه هذه الكلمة وسيلة لتصويره في صورة الرجل التأثر الهدام الذي يريد العنف للعنف ؛ وهو في الواقع لم يكن كذلك ، وإنما كان يري أن بناء الجديد يستلزم قبل ذلك هدم القديم ، ولم يكن با كونين ميالا إلي الشدة والعنف بطبيعته . والثورات العنيفة في رأيه ضرورة غير سارة ، ومن أقواله في ذلك : " الثورات الدامية في الأغلب ضرورة لازمة ، وذلك بفضل الغباء البشري ، ولكنها دائما شر ، بل هي شر منكر وكارثة كبيرة ، وهي ليست كذلك بالقياس الي ضحاياها ، وإنما بالقياس إلي سلامة الغرض الذي قامت من أجله الثورة واستيفائه ".
واستهدف بعد ذلك لمداوة حكومة سكسونيا ، فارتحل إلي سويسرة ، ولقى بها جماعة من الاشتراكيين الألمان . ونقلت عليه وطأة الحكومة السويسرية ، وطالبت الحكومة الروسية جودته ، فانتقل إلى باريس ، وظل هناك من سنة ١٨٤٣ إلي سنة ١٨٤٧ ، وكانت هذه السنوات من السنوات الهامة في تكوين أفكاره وبناء فلسفته ؛ وقد عرف في هذه الفترة الزعيم برودون وقد أثر في نفسه تأثيرا بالغا ، ولقي الزعيمين الاشتراكيين الكبيرين ماركس وإنجلز وقد نشبت بينه وبينهما معركة حامية ظلت معقودة الغبار إلى حين وفاته ؟ وقد ذكر لنا باكونين ملخص علاقته بكارل ماركس فقال :
" كان ماركس يسبقني كثيرا في طريق التقدم ، كما ظل حتى اليوم ليس أسبق مني في سبيل التقدم فحسب ، وإنما كذلك أغزر مني علما إلي درجة تبطل معها الموازنة ؛ كنت حينذاك لا أعرف شيئا في الاقتصاد السياسي ، ولم اكن قد تخلصت بعد من التجريدات الميتافيزيقية ، ولم تكن اشتراكيتى سوى اشتراكية غريزية ، وكان هو بالرغم من أنه أصغر مني سنا قد سبقني إلى الإلحاد وأصبح ماديا متمكنا واشتراكيا له وزنه وخطره . وفي ذلك الوقت وضع هو أساس مذهبه الحالي . وكنا نتلاقي من الحين إلى الحين ، لأني كنت أحترمه كثيرا لعلمه وإخلاصه الشديد لمذهبه (بالرغم من أن هذا الإخلاص كان مشوبا بالغرور الشخصي) وكنت أسعى بإهتمام لاستماع حديثه ، وكان حديثه دائما نافعا بارعا حينما كان لا توحيه الكراهة الحقيرة . ومما يستوجب الأسف أن ذلك كان كثيرا ما يحدث ، ولكن لم تكن هناك علاقة ودية صريحة بيننا . وكان مزاجانا لا يطيقان ذلك . وكان هو يصفني بأني مثالي عاطفي ، وقد كان محقا في ذلك ، وكنت أنا أصفه بأنه رجل مغرور ماكر خائن ، وكنت كذلك محقا في ذلك "
ولم يستطع باكونين أن يقيم في أي مكان كان حينا من الزمن دون أن يتعرض لعداوة السلطات الحاكمة ؛ ففي نوفمبر سنة ١٨٤٧ نفي من فرنسا استجابة لطلب المفوضية الروسية ، وكان ذلك لأنه ألقي خطبة مدح فيها ثورة البولنديين في سنة ١٨٣٠ ، وأرادت المفوضية أن تكيد له وتبالغ في تشويه سمعته ، وهدم مكانته ، وتزود خصومه بسلاح حاد في محاربته ، فأذاعت تلك الإشاعة التي لم يكن لها أدنى نصيب من الحقيقة ، وهي أن باكونين كان عينا للحكومة الروسية ، ولكنه أصبح غير مرغوب فيه لأنه تجاوز حدوده ؛ والتجأ باكونين إلى بروكسل ، ولقي هناك ماركس ، وازداد ما بينهما تباعدا ، وحدثت بعد ذلك ثورة سنة ١٨٤٨ فعاد باكونين إلى باريس ، ومنها ذهب إلى ألمانيا ، وأصبح عضوا في المؤتمر السلافي الذي عقد في براج وحاول هناك أن يحدث ثورة سلافية ، وفي آخر سنة ١٨٤٨ أذاع بيانا دعا فيه السلافيين إلي الانضمام إلى غيرهم من الثائرين للقضاء على الحكومات الملكية الثلاث المستبدات ، وهي حكومة روسيا وحكومة النمسا وحكومة بروسيا ، واغتنم
كارل ماركس الفرصة فهاجم باكونين قائلا إن حركة الاستغلال في بوهيميا غير مجدية لأن السلافيين لا مستقبل لهم . وبخاصة في الجهات التي يخضعون فيها لحكم الألمان أو لحكم النمساويين ، وقد اتهم باكونين ماركس بأنه متأثر في ذلك بنزعة القومية الألمانية ، واتهمه ماركس بتشبعه للنزعة السلافية ، والأتهام من الطرفين كان له ما يسوغه . وقبل قيام هذا الخلاف بين هذين الزعيمين نشبت بينهما معركة أخطر شأنا ، فقد نشرت الجريدة التى كان يصدرها ماركس أن في حوزة الكاتبة القديرة جورج سند أوراقا ومستندات تثبت أن باكونين يعمل جاسوسا للحكومة الروسية ، وانه أحد المسئولين عما وقع قريبا في بولندة من الاعتقالات ، وقد أنكر باكونين هذه التهمة ، وأرسلت جورج ساند إلى الجريدة تنفي المسألة وتؤكد أنها باطلة من أساسها ، ونشر ماركس ردها ، وهدأت حدة الخلاف بعض الهدوء ، ولكن منذ إنارة هذه التهمة لم يصف الجو بين الزعيمين اللذين لم يتلاقيا بعد ذلك إلا في سنة ١٨٦٤ .
وفي أثناء ذلك كانت الاتجاهات الرجعية تستعيد مكانتها وتسترد قوتها ، وفي سنة ١٨٤٩ قامت ثورة في درسدن ، وأصبح الثائرون مسيطرين على المدينة ، وكان باكونين هو المشرف على الدفاع ومقامة الجيوش البروسية المهاجمة للمدينة، وغلبت المدينة على أمرها ، وقبض على باكونين وهو يحاول الفرار ، وبدأ يعرف السجون والمعتقلات في بلاد كثيرة ومواطن شتى ، وقد حكم عليه بالإعدام في ١٤ يناير سنة ١٨٥٠ ، وبعد خمسة أشهر استبدل حكم الإعدام الأشغال الشاقة ، وسلم للحكومة النمساوية التي أرادت أن يكون لها فخر معاقبته وتأدبيه ، وحكم عليه النمساويون في دورهم بالإعدام في شهر مايو سنة ١٨٥١ ، واستبدل كذلك بحكم الإعدام الأشغال الشاقة لمرة الثانية ، ولقي في السجون النمساوية معاملة قاسية ، فقد وضعت الأغلال في يديه ورجليه ، وكانت الحكومات كما يظهر تستشعر المتعة في تعذيب هذا الرجل والتنكيل به . فبعد أن شفت الحكومة النمساوية غليلها منه طلبته الحكومة الروسية من حكومة النمسا ، ووافقت على ذلك الحكومة النمساوية ، وأسلمته لها ، فأرسل إلى حصن بطرس وبولس ثم أرسل بعد ذلك إلى شليسبرج ، وهناك
اصطلحت عليه العلل والأمراض فتساقطت أسنانه وهزل جسمه ، ولكن هذه الآلام المبرحة لم تلن من عزمه ، ولم تقدح في عقيدته ، ولم تغير من آرائه ، وقد خرج من هذه المحنة وهو أقوي ما يكون إيمانا بمذهبه . وقد صدر أمر بالعفو عن الكثيرين من المسجونين عقب موت القيصر نقولا ، ولكن القيصر الجديد - الإسكندر الثانى - أبي أن يشمل العفو هذا الثأئر العنيد ، ولما مثلت والدته بين يدي القيصر تلتمس العفو عن ولدها قال لها القيصر : " اعلمى أيتها السيدة أن ابنك لن ينال حريته ما دام حيا " ومهما يكن من الأمر فإنه أرسل في سنة ١٨٥٧ - بعد أن ظل معتقلا ثمانية أعوام - إلي سيبريا ، وهناك استطاع الهرب في سنة ١٨٦١ إلي بلاد اليابان ، وانتقل من بلاد اليابان إلي أمريكا ومنها إلي لندن ، وقد تجرع باكونين مرارة السجن والاعتقال لكراهته الشديدة للحكومات ، ولم تنجح الحكومات المختلفة التي عاقبته وأذاقته العذاب ، في حمله على حب فكرة الحكومة والإشادة بها ، ومنذ عودته إلي لندن أوقف حياته على إذاعة روح التمرد والعصيان على الحكومات ، وعاش حينا في إيطاليا حيث أوجد جماعة " الأخوة الدولية " أو " اتحاد الثائرين الاشتراكيين " وقد قاومت هذة الجماعة نزعة القومية التي كان يؤيدها الزعيم الإيطالي العظيم متزيني ، وانتقل باكونين من إيطاليا إلي سويسرة ، وهناك كان من الساعين في إيجاد " اتحاد الاشتراكية الديمقراطية الدولي " وكان هذا الاتحاد يرمي إلي إلغاء نظام الطبقات ويقول بالمساواة بين الأفراد من الرجال والنساء وإبطال الملكية الخاصة .
وفي سنة ١٨٦٤ نشأ في لندن اتحاد العمال الدولي ، ووضع كارل ماركس برنامجه . وأبي باكونين الانضمام إليه لاعتقاده أنه سيلقى الإخفاق ، ولكنه - على خلاف ما قدر - انتشر بسرعة تسترعي النظر ، وأصبح قوة هائلة في إذاعة الأفكار الاشتراكية ، وقد استطاع ماركس أن يضمه إلى صفه ، وأدرك باكونين في أثناء ذلك أهمية هذا الاتحاد ، فصمم على الانضمام إليه ، ودخل معه في هذا الاتحاد عدد كبير من اتباعه في فرنسا وسويسرة وإسبانيا وإيطاليا . وفي سنة ١٨٦٩ عقد الاتحاد مؤتمره الرابع ، وظهر في هذا
المؤتمر تياران متعارضان ؟ فالأعضاء الألمان والإنجليز أيدوا كارل ماركس في رأيه عن الدولة بعد إلغاء الملكية الخاصة ، وناصروا فكرته في إيجاد أحزاب للعمال في الأقطار المختلفة واستعمال النظام الدمقراطي لانتخاب أعضاء يمثلون العمال في المجالس النبابية . أما الأمم اللاتينية فقد أيد أعضاؤها باكونين في مقاومته لفكرة الحكومة ، وكذلك في الاستعانة بأداة الحكم النيابى ، واشتدت الخصومة بين الطرفين ، واستمرت الحرب بينهما ، وتبادل الفريقان التهم والشتائم ، وعاود الماركسيون اتهام باكونين بالجاسوسية للحكومة الروسية بعد أن لقي الرجل منها ما لقي ، وشغل باكونين بإنارة ثورة في روسيا خاصة بتوزيع الأرض ، وصرفه ذلك عن الالتفات إلى الصراع القائم في المؤتمر الدولي . ولما نشبت الحرب البروسية الفرنسية انضم باكونين إلى جانب فرنسا وخاصة بعد سقوط نابليون الثالث وحاول أن يستنهض عزيمة الناس ويحرضهم على الثورة ، ولكنه لم ينجح ، واتهمته الحكومة الفرنسية بأنه جاسوس ليروسيا ، ولم يستطع الفرار إلى سويسرة إلا بصعوبة ، وازداد الخلاف بينه وبين الماركسيين حدة ، وقد كان باكونين يعتقد أن تزايد قوة ألمانيا خطر على الحرية لا يستهان به ، وكان يكره الألمان كراهة شديدة ، وكانت كراهته لبسمارك وكارل ماركس من الأسباب الباعثة على إشعال هذه الكراهة ، وقد تأثر المذهب الفوضوي بهذه الكراهة ، فإلى اليوم يكاد يكون مقصورا على الأمم اللاتينية ، وقد اقترن على الدوام بكراهة ألمانيا .
وعقد المؤتمر الدولي العام في لاهاي سنة ١٨٧٢ ، ويزعم أنصار باكونين أن اللجنة العامة اختارت عقد المؤتمر في هذا المكان لعدم تمكين باكونين من حضوره لما بينه وبين الحكومتين الفرنسية والألمانية من خلاف ، وهزم أنصاره في هذا المؤتمر ، وقضي المؤتمر بطرده موجها إليه طائفة من التهم من بينها تهمة السرقة بالإكراه وقد زود ماركس المؤتمر بالمستندات المؤيدة لذلك تشفيا من خصمه باكونين وحرصا على إبعاده من المؤتمر ليخلو له الجو .
وكانت صحة باكونين حينذاك قد اعتلت اعتلالا شديدا وتمكن منه المرض فعاش في عزلة حتى وفاته في سنة ١٨٧٦ .
( البقية على الصفحة التالية )
وهكذا عاش باكونين حياة عاصفة ثائرة متحديا كل سلطة دون أن يفكر في سلامته الشخصية ؛ وبالرغم من التهم الوضيعة التي وجهت إليه فإن تأثيره في نفوس أنصاره كان قويا ، وتختلف مؤلفاته ورسائله عن مؤلفات ماركس اختلافا جوهريا ؛ فكان يغلب عليها النزعة الفلسفية ، والاتجاه التجريدي ، ولم يكن يملك مقدرة ماركسي على التبسط في الشرح والاستقصاء . وتنسيق المعلومات ، وتدعيم النظريات ، وتبدو في كتاباته آثار فوضى حياته واضطرابها ، ولذا لم يستطع أن يستوفي فيها بيان مذهبه وتصور أهدافه ، وقد قام بهذه المهمة بعده الزعيم الفوضوي الروسي الأمير كروبتكين .
على أدهم

