الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 649 الرجوع إلى "الثقافة"

حياة فيلسوف

Share

وقع بين يدى حديثاً كتاب عن حياة فيلسوف فرنسى عاش فى القرن الثامن عشر ، ولم يسعده الحظ بأن يكون اسمه نجماً من النجوم اللوامع فى الكتب التى تدون تاريخ الفلسفة . وربما كان ذلك لأنه لم يبتدع نظاماً فلسفياً محكما مترابط الأطراف ، وإنما كانت له فى الحياة الإنسانية والنفس البشرية نظرات خاطفة وأفكار مفككة وإن تكن نافذة ثانية .

وقد كانت حياته وأحاسيسه ومشاعره فى جملتها شبيهة بحياة الكثيرين من رجال الفكر الخالص الذين أعرفهم . لذلك أحببتها وأردت أن أنقل طرفاً منها لقراء هذه المجلة ، لعل فيها لبعضهم عزاء وسلوى عما يلاقون فى حياتهم من مشقة وإهمال .

فى صيف عام ١٨١٦ كان هذا الرجل - وهو حينئذ مراقب مجلس النواب فى فرنسا - يستشفى عند عين من عيون المياه المعدنية فى جبال البرانس . وذات صباح استيقظ كعادته فى ساعة مبكرة منهوكا مضطرباً ضعيفاً ، يرتجف رهبة من لقاء يوم جديد . فقد كان يحس بعد يقظته دلة الضعف والمرض ، ويمارس فى شخصه تسلط الجسم على العقل والإرادة ، وانتصار الجانب الحيوانى على الجانب الإنسانى . وكان كثيراً ما يردد وهو يرتدى ثيابه فى الصباح هذه العبارة : " ما أبأسنى من إنسان ! من ينقذنى من هذا الجسم الفانى ، ومن ذا الذى يستطيع ذلك ! "

ثم يخرج من داره ، فإذا بلفحة البرد تصفع وجهه . والسحب الداكنة والرياح العاصفة ترعب قلبه ، فترتعد فرائصه خشية أن تنقل عليه وطأة العلة .

ثم يتوجه إلى حمام المياء المعدنية ومعه كتاب لباسكال عليه شروح لفلتير وكندرسيه . فيعجبه النص ولا يعجبه التعليق . كيف يسوغ لفلتير مثلاً أن يفهم التأمل على أنه الكسل ثم يشيد به كأنه سر عظمة الرجال ، ويحط من

شأن الحركة كأنها هبوط فى طبيعة الإنسان ! ما أشد غفلة فلتير ! ولكن لماذا نتوقع من مثل هذا الرجل أن يدرك طبيعة التأمل ؛ ويعود فيلسوفنا بعدئذ إلى كتابات باسكال يتعمقها ويندفع فى قراءتها .

يطالع فيها هذه العبارة : " إننا لا يقنع بالحياة التى بين جنوبنا ، ولا نرضى بأنفسنا . إنما نحن نريد أن نحيا حياة خيالية تتمثل فيما يراه غيرنا فينا . ومن ثم فإن كل جهد نبذله إنما نوجهه إلى ما يظهرنا على غير حقيقتنا . لا يكف المرء منا عن العمل لكى يصون هذا المخلوق الخيالى ومجمله ، مهملاً ذلك الإنسان الذى يمثل شخصه فعلاً على حقيقته ".

فيلقى المراقب الكتاب ، ويتدبر ما قرأ ، ثم يدرك فى حسرة شديدة أن كل متاعبه إنما نشأت عن تلك الرغبة الملحة التى تدفعه لكى يظهر بما ليس فيه - لكى يظهر رجلاً من رجال العمل ، وهو فى الواقع من رجال الفكر ، ولكي يبدو سياسياً فى حين أن الطبيعة قد جعلته نفسانياً يتأمل باطن نفسه ، ولكى يبدو فكهاً مرحاً وقد أراده إلى أن يكون جاداً رزيناً . يا للحمافة ! وهناك حماقات أخرى أشد من هذه فكراً . ينظر الفيلسوف خلال مياه الحمام إلى بشرته المنخفضة وجسمه المعروق فيقهقه ساخراً ، لأنه رجل فى الخمسين من عمره يحسب أنه بالدهون والعطور والمساحيق يستطيع أن يرد إلى كهولته الشباب الذى يجذب النساء يا للعجب ! لماذا يضع نفسه هذا الموضع ؟ لماذا ؟ إن المبادئ الخلقية التى يؤمن بها ينبغى أن تصرفه عن هذا العمل ، ثم إنه يدرك أن الثواب - برغم هذا كاد - ان يقبلن عليه . غير أنه - مع هذا - لا يألو جهداً فى ان يظهر بغير مظهره . ألا إنها لحماقة ليس لها من العقل ما يسوغها ، ولكنه يتشبث بها كأنها فضيلة من الفضائل ، لأنه - كغيره من الناس - لا يستطيع أن يتخلص

من عوامل الضعف فى النفس البشرية

وتتوارد الخواطر على هذا الفيلسوف وهو فى حمامه . وستعيد فى ذاكرته ماضى حياته العملية التى لا يعدها حياة ناجحة لامعة ؛ لأن النجاح فى الحياة العامة كثيراً ما يرجع إلى عيوب المرء أكثر مما يرجع إلى فضائله ؛ ويتنهد حسرة على نفسه ، ثم يستلقى على ظهره ويغمض عينيه . ويشرد عقله فى التأملات عندما يقرع الحارس الباب وينبهه إلى أنه قضى فى حمامه أكثر من ساعتين ، حينئذ يدرك فى شئ من الفزع أنه بدد ساعتين من ساعاته المحدودة فى الحياة ، فينهض من حمامه وهو يئن أنيناً خافتاً لا يحس تقدماً فى صحته ، ثم يجفف جسمه النحيل الذى كان فى شبابه الباكر قدا ممشوقاً عندما كان حارساً فى بلاط لويس السادس عشر .

ويرتدى ثيابه فى لهفة ، ويعود إلى مسكنه ، وينضو عنه ثيابه مرة أخرى ، ثم يأوى إلى فراشه ساعة من زمان ، غير أنه لا يقوى على الأسترخاء ، فيرتدى ثيابه لفترة الثالثة ويستوى على أحد المقاعد مضطرباً محزوناً ، ويكب على رسائله ، وتدخل عليه زوجه عمل له قدحاً من القهوة ؛ فتلقاه شاحب الوجه منهوك القوى ، وتعرض عليه خدمته فيرفض ويعرض عنها ، ثم يخجل من نفسه وهو يتمنى فى الوقت ذاته أن تتركه وحيداً ، ثم يمد يده إلى قلمه ويشرع فى الكتابة ؛ فتدرك زوجه ما يرى إليه ثم تنصرف . ويحدث نفسه وهي منصرفة : " ما أبأس هذه المرأة ؛ ولكنى - برغم ذلك - أحمد الله على انصرافها " .

يكتب تقريراً لوزير الداخلية عن الرأى العام فى دائرته ثم يمثل صحيفة أخرى ، ويسجل ملاحظات له على كانت الفيلسوف . وبعدئذ يدق الجرس ويأمر بإعدار جواده . وبدون ما حدث بعد ذلك فى مذكراته ، فيقول :

" كانت أعصاب محطمة فامتطيت صهوة جوادى آملا أن يصلح الركوب من ذات نفسى ، وقد قرعت باب بيتى آنئذ دوقة روهان يصحها زميلى كاستل بأجاك تستجدينى صدقة للفقراء . فدفعت مبلغاً أشعرتنى الدوقة أنه زهيد . فأحست بوخز الضمير كأنى ارتكبت إثماً من أحط الآثام . وارتج على وسحمت للسيدة بالانصراف دون أن أنيس ببنت

شفة . ومنذ تلك اللحظة استحال على أن أفكر فى أى شئ آخر . ماذا عسى أن تظن بى الدوقة ؟ وماذا عسى أن يكون تعليق زميلى الذى لم يخلص وده لى من قبل ؟ سوف أصبح اضحوكة عند كل من يعرفنى . إن صدقتى لم تعبر عن ميولى . ولسوف يفسر موقفى أترابى على أنه جشع وطمع ، وأنا ذلك الذى لم أعبأ بالمال فى أكثر الظروف ما كان أيسر على نفسى أن أنفح الدوقة بأضعاف هذا المبلغ ! لماذا لم أفتح كيسى وأظهر رغبتى فى إغاثة البائسين . لم يخطر لى آنئذ إلا أن جمع المال لجمهور الفقراء بتلك الطريقة لن يعود عليهم بالنفع أفراداً .

لقد كنت مع الدوقة معوج السلوك ، قليل الذوق ، ولم أستطع أن ألتمس لنفسى عزاء .

وامتطيت صهوة جوادى آملا أن أبعد عنى هذه الفكرة التى أزعجتنى بإلحاحها غير أنها طاردتنى أنى ذهبت . فانقضيت رحلتى . وعدت إلى يبقى وفى نبق أن أبحث عن الدوقة وأضاعف لها صدقتى ، وأشرح لها موقفى فى شئ من لياقة الحديث .

وبهذه العزيمة توجهت إلي بيتها ، وأخذت أذرع الطريق أمامه جيئة وذهابًا ، غير أنى لم ألج بابها خشية أن أسئ التصرف مرة أخرى ، وعدت إلى بيتى فى المساء يساورنى القلق كما كنت . وطاردتنى الفكرة حتى أصابنى الهذيان ، ثم تنبهت إلى نفسى وأشفقت عليها من الجنون .

وبينما أنا اتناول طعام العشاء لم أحدث زوجتى بكلمة واحدة لأبى كنت سابحاً فى تأملاتى . وليس من عادتى أن أبث غيري مشاعرى أو أحاسيسى إن كانت حزينة أو مؤلمة "

إنما كان فيلسوفا يبث همومه مذكراته لا زوجته . لا يجد نفسه فى ذلك هراء ، وإنما كان لنا فى هذه المذكرات كسب أدبى عظيم . كان الخاسر وكنا الرابحين ، لأن مذكرات مين دى بيران (١) ظهرت بعد كل هذه السنين كتابًا فيما يكشف عن بواطن النفوس ، كتاباً يقرأ ثم يقرأ ولا يمل القارئ العودة إليه .

إن الفلسفة كثيراً ما تكتب فى صيغ مجردة مبهمة ، وفى

تعميم واسع بعيد المدى . وقد يكون ذلك صواباً . ولكنى أرى - برغم ذلك - أن من الخير لنا - أحياناً - أن نبحث بعض مشكلاتها فى إطار من حياة واقعية ، لا فى خلاء أو فضاء - إن جاز هذا التعبير . والأفضل أن تكون هذه الحياة لرجل هو نفسه فيلسوف بعيد النظر .

إن مذكرات مين دي بيران وثيقة فريدة فى تاريخ الفلسفة . فإنا بفضل صراحتها ورقتها وتفصيلها قد عرفنا بيران أكثر مما عرفنا غيره من فلاسفة العصر القديم . عرفنا ما كان يجيش فى صدره من أحاسيس يوماً بعد يوم ، كما عرفنا رأيه فى هذه الأحاسيس . عرفنا كيف أثرت حالاته البدنية فى عقله . وكيف أثر عقله فى حالاته البدنية . عرفنا كيف كان يستجيب للطبعة وللفن وللأفراد ذوي الأمزجة المتنوعة والظروف الاجتماعية المختلفة . عرفنا ما كان يجب وما لا يجب ، وما حقق من أهدافه وما لم يحقق ، وما كان يدور فى خاطره ، كما عرفنا الظروف النفسية - بل والظروف الصحية - التى جالت فيها هذه الخواطر . ولما فقد كانت حياة بيران عوناً كبيراً لنا على فهم مشكلات الفلسفة الدائمة .

عاش بيران إبان الثورة الفرنسية ، ولم يعطف رجالها عليه ولم يعطف عليهم ، واحتمى فى بيته الريفى يدرس الفلسفة وينعم بحياة زوجية هادئة .

ولما ماتت زوجته حزن عليها حزنًا شديداً . وبعد فترة من الزمن خفت أحزانه تدريجاً وتزوج مرة أخرى ، وعاد إلى الحياة العامة ولقى فيها شيئاً من النجاح . وارتقى حتى عين مراقباً لمجلس النواب . غير أن خجله وضعف صوته قد حالا دون أن يكون خطيباً بارزاً فى المجلس . فكان يؤدى واجبه النيابى خلف ستار : فى اللجان . وفى المحادثات الخاصة مع الوزراء ومع زملائه . ولم يهب المجلس من يومه غير ساعات معدودات . أما بقية الوقت فكان ينفقها فى دراسة الفلسفة وفى حياته الخاصة . يحب أن يجتمع برجال الفكر المعاصرين له ليبحث معهم فى جلساته الخاصة طبيعة الإنسان ومركزه فى الكون ، ثم يدون مذكرات عن آرائه الفلسفية . وبقى كذلك حتى مات فى عام ١٨٢٤ مخلفاً بعده كثيراً من الكتب والأوراق وقليلاً من الثراء والمال .

وبلغ به الخجل انه كان يعد نفسه غريباً فى كل مجتمع ،

يؤلمه الكلام ، بل كثيراً ما يستحيل عليه استحالة مادية . يحملق فى الناس ، وتفر الأفكار من رأسه ، وتصاب حباله الصوتية بالشلل مهما يكن جمهور السامعين .

لم يتسجم بيران مع العالم الذى كان يعيش فيه . فكان يتجنب الكفاح والنضال مع غيره ، ولا يصر على حقه . يمقت الجدل - اللهم إلا إن كان ذلك فى موضوعات الفلسفة ومع أصدقائه الأدنين - فإن لم يعجبه الرأى ظل صامتاً لا يعارض ، أو وافق عليه أدباً وضعفاً . يؤثر في شئون المال الخسارة على المساومة ، كما يؤثر ضياع حقه على النضال من أجل نبله . يستحيل عليه أن يقول " لا " لمن يستدينه قرضاً من المال . وأشق من ذلك على نفسه أن يطلب حقه من مدينيه . وكان فى المجتمع يخشى ذوى النفوذ والنابهين من رجال الأعمال ، حتى من كان منهم ناجحاً بحظه لا بجده واجتهاده ، تضعف نفسه إزاءهم فيفقد سلطانه فى نفسه كما يفقد قدرته على التفكير ، ويتفوه بآراء لم يعتقد فى صحتها ، ويفعل ما لا ترضى نفسه عنه . على أنه بذلك لم يرتفع شأنه فى أعينهم . يزدرونه أو يتجاهلونه . فإن التقى بزملائه المتفلسفين انطلق فى الحديث وحلت عقدة من لسانه .

جاء فى مذكراته " أن الرجل إن أحزنه ضعفه ، وإن كان يمقت من يسبقونه فى مضمار الحياة ، ويلتمس العزلة لكى يتحاشى موازنة نفسه بهم ، وشعوره بالنقص إزاءهم ، مثل هذا الرجل ليس متواضعاً ، وإنما هو ملئ بالغرور والكبرياء " وجاء فى مذكراته كذلك " إن شعورى بالكبرياء يقتلنى ، برغم خجلى وبرغم ما يبدو على من تواضع " .

كتب مرة مقالا لإحدى الصحف ، رفض رئيس التحرير نشره ، معتذراً بطوله وصعوبته حتى على الخاصة من القراء فأسف بيران لذلك وكتب فى مذكراته يقول " لست من هذه الدنيا ، ويجب على أن أتخلى عن محاولة العيش والعمل فيها . "

وحقر مرة صديق له من شأن الميتافيزيقا ، فكتب يقول : " إن أمثال هذا الرجل ليست لديهم فكرة عن الحياة الباطنية . إنهم ينظرون إليها كأنها حمافة وعبث . وكذلك يعتقد أولئك الذين يعرفون الحياة الباطنية أن أولئك الذين يهتمون بأمور الدنيا ويعيشون خارج أنفسهم إنما هم حمقى عابثون . أى هذين الفريقين ياترى على حق وصواب ؟ هل

هم أولئك الذين ينكرون ما لا يعرفون ولا يحبون أن يعرفوا ؟ إننى أعرف العالم الخارجى كما يعرفون وأستطيع أن أحكم عليه . أما هم فلا يعرفون شيئاً عن حياتى الباطنية . ومع ذلك تراهم يزعمون أنهم يستطيعون الحكم على هذا العالم الحفى " .

وقد امتد بغض بيران للجماهير حتى شمل جمهور القراء . فكان يكره أن يتعرض لتحديق الجمهور الذى لا يعطف عليه . يكره هذا التحديق حتى إن كان رمزيا وعلى الورق . كتب مرة إلى صديق له عندما أخرج أول كتبه يقول : "  إنى يساورنى الكثير من الفزع عندما أتصور أنى قد حكم على بطبع كتابى وأنا على قيد الحياة . " واستمر هذا الفزع عنده حتى نهاية حياته . فكان كلما نشر فصلاً أو مقالا فعل ذلك كارها وبعد تسويف طويل وتردد شديد ، ولا تخلو نفسه من العذاب والألم .

وهذا الخوف من التعرض لجمهور القراء كان يعززه فى نفسه شعور بأنه لم يكن كاتبا بالسليفة . إذ كان يجد مشقة

كبرى فى التأليف . يعبر عن الفكرة ثم يعيد التعبير عنها ، ولا يهتدى ابداً إلى الصيغة التي يرضى عنها كل الرضى . لا تواتية اللفظة فى الموضع الملائم ، ولا يحس ما يسميه الكتاب وحيا أو إلهاماً . ولا يجد لذة فى الكتابة . ولم يكن ثثره بارعا وجميلا . وهو من أجل ذلك آسف وفخور . آسف لأنه لم يوهب ملكة الأسلوب . وفخور لأنه ليس كغيره من الكتاب حاويا يلعب باللفظ ليخدع القراء .

عاش طوال حياته مريضاً تنتابه العلل على اختلافها . لكنه لم يأسف لذلك كثيرا " لأن المرضى وحدهم هم الذين يحسون وجودهم . فالأصحاء - حتى إن كانوا من الفلاسفة - ينغمسون فى متع الحياة حتى يضيق بهم الوقت عن بجثها . . الصحة تدفعنا إلى العالم الحاجي ، والمرض يردنا إلى أنفسنا "

وقد قضى بيران حياته منطويا على نفسه دائم التفكير فيها .

اشترك في نشرتنا البريدية