" . . نعم يسرني كل السرور أن يقدر الناس كتبي وأفكاري ، ولكن إذا نقدوها في أدب عددت ذلك ضربا من ضروب تقديرها والاهتمام بها " أحمد أمين في حياتي ص ٣٣٥
يقول " ألفرد دوفيني " في كتاب " مجد الجندية ورقها (1) : إن المرء حين يتحدث عن نفسه لن يجد أفضل من الصراحة مصدرا لوحيه (2) .
ويقول أحمد أمين في حياته : " . . فخير الأدب ما كان " صادقا يعبر عما في النفس من غير تقليد ، ويترجم عما جربه الكاتب في الحياة من غير تلفيق . ولقد اطمأننت إلى هذا النوع من الكتابة ، إذ كان يفتح عيني للملاحظة والتجربة ويسري عن نفسي بالإفراج عما اختزنته من حرارة ، فكنت أشعر بعد كتابة المقالة كما يشعر المحزون دمعت عينه ، أو المسرور ضحكت سنه (3) . . فخير لي أن أصدق
مع نفسي ومع غرضي ومع ميلي من أن أزوق أسلوبي وأكذب على نفسي ليجمع الناس على أدبي (١) .
الصراحة والصدق هما إذا خير مصادر الوحي عند أحمد أمين ، أو هما مصدراه بغير ثالث لا في خصوص الحكاية عن الذات فقط ، بل في عموم الحديث وفي الأدب مطلقا بغير تخصيص ؛ فليس عجيبا أن تتعاقب أمام أنظارنا نماذج هذه الصراحة خلال حديثه عن ذاته أو أثناء هذه المناجاة المعلنية .
إننا لا نحس العجب ما دامت هذه خطة الرجل وفلسفته ، ولكنا نحس الإعجاب حين نراه يقمع الزهو ، بل الزهو السلبي أيضا ، ذلك الذي يقنع بالإغضاء عن مواقف الضعف والحرج ، فلا يعرض لها بذكر ولا نفي ولا إثبات .
إننا ليأخذنا شعور الإكبار حين نرى الرجل يتطوع غير مسئول فينشر على الناس من أموره ما عطل من أسباب الاعزاز ، أو قامت به مبررات التناسي والإنساء . ولست أستقصي ما حفل به الكتاب من هذا القبيل ، ولكني أقنع بتخير بعضه على سيل المثال : فهو يصف ضرب أبيه إياه واحتجاج أمه احتجاجا لا تنال من جرائه إلا أن يتحول الضرب إليها " فكان إذا حدث هذا فيما بعد اكتفت بالصراخ والعويل من بعيد (1) . وهو يتحدث عن عهده مدرسا بمدرسة راتب باشا بالإسكندرية فيذكر احساسه كفايته في تدريس القواعد " حتى كان من غروري أني أخطئ الكتب المدرسية التي قررتها وزارة المعارف ؛
أما في دروس الإنشاء فلم أكن بارعا ، بل كان بعض التلاميذ يكتبون خيرا مما أكتب لأني لم أتمرن على الكتابة (2) . وهو يسجل على نفسه خطأه - حين تقدم إلى مسابقة التدريس التي أعدتها الجمعية الخيرية الإسلامية - في تفسير لفظ " تزود (3) " وهو يروي انحرافه طالبا إلى لعب القمار في الأزهر مع زميلين أنيقين إلى أن تنبه ضميره بعد أشهر " وفهم أن هذه الحال تؤدي إلى سوء المآل فترك صحبتهما والتفت إلى دروسه (4) "، ويبارك الله في هذا الضمير الذي لم يستنقذه من وهدة القمار القذرة القاتلة لنفسه ولأهله فحسب ، ولكنه استنقذه لهم ولوطنه وللعلم والأدب ، وليستطيع أن يكتب " حياتي " . ثم هو يذكر حيرته على منصة القضاء في قضيته الأولى (5) ، ولا يأبى أن يشيع السرور في نفوس قرائه على حسابه وهو يقص عليهم مقدمات زواجه ، وكيف تعمد أن يحمل معه كتابا إنجليزيا حين سعى إلي منزل أراد أن يصهر إلى أهله .
وكيف حشر في حديثه بعض الألفاظ الإنجليزية ليزيل من نفوسهم وقع العمامة فأفلح لديهم ، ولكن فتاة القصيد أطلت من النافذة فرأت عمامته فرفضته كل الرفض (6) .
- 2 -
يشد أن الكتاب ليس اعترافات وكفى ؛ إنه اعترافات وغناء وإخوانيات بالمعنى الواسع الذي ينتظم الأسرة والأستاذ والصديق ، ورثاء وتسجيل لأحداث سياسية وجامعية ، وتنويه أو نشر لمواقف شخصية داخلية وخارجية ، ووصف دقيق للأمكنة والأشخاص وخلجات النفوس ، وفلسفة عملية ونظرية ، وسياحة ويوميات ونقد اجتماعي ومقترحات إيجابية للإصلاح القومي .
كل هذا في الكتاب ، ولعل فيه أكثر منه ؛ فمن الحق في رأيي ألا نسمه بسمة بعينها من سمات الأدب ، وألا ننسبه إلى فصيلة واحدة من فصائل الفن ، فقد جاء كصاحبه متعدد الجوانب ، بل لعله جاء مثله متناقض الأطوار ضاحكا حينا عابسا حينا ، باكيا مبكيا في غير ذلك من الأحايين . وإني لواثق أن أي قارئ أتم الكتاب لن يطالبني بالدليل على ما أقول ، ولكن الذين لما يقرأوه قد يجدون فائدة في بعض الأمثلة أسوقها إليهم .
ولعل حديث الأستاذ عن أيامه في المستشفى قد بلغ من نفسي وعقلي فوق ما بلغته سائر أحاديثه . وقد حفلت هذه الصفحات المؤثرة بما يصلح مثالا لكثير من هذه الأغراض الأدبية التي ذكرتها : فهي غناء باك ، وهي شطحات صوفية ، وهي نقدات اجتماعية ، وهي فلسفة سوداء . وهي اعترافات بأماني النفس مخاوفها وتشبثها بالسلامة ، وهي التفاتات إلى الإصلاح واقتراحات لتحسين حال المستشفيات .
فلنعش مع المريض ساعة ، ولنستمع إلى مناجاته : " . . وأرهب ما يكون إذا تقدم الليل وانقطع الزوار وانصرف الأهل ونام الناس واعتراني القلق وشعرت بالوحدة واستولت علي الأفكار المظلمة ، فاجتمع علي ظلام الليل وظلام النفس . أستجدي النوم فلا يجدي ، وأفزع إلى الأفكار المطمئنة فلا تسعف ، وأعد ساعة الجامعة بالقرب مني ربعا فربعا ، وتغفو عيني غفوة فأظن أن الليل انقضي ببؤسه وشقائه ، ثم أتسمع إلى حركة الشارع لعلي أتبين منها قرب النهار فأسمع حركة عربات وسيارات ومارة فأتساءل : هل الناس عائدون من آخر سهراتهم ، أو هم مستقبلون لبدء نهارهم ؟ وأظل في هذا الشك زمنا بين
رجاء أن يكون الصبح وخوف أن يكون الليل ، إإذا بالساعة تدق الحادية عشرة أو الثانية عشرة . فأجزع من أني مقبل على ليل ليس له آخر ، وانشد مع الشاعر : يا ليل بل يا أبد أغائب عنك غد ؟
. . ولم يكن لي من العزاء أحسن من الإيمان . فهو الركن الذي يستند إليه المرء في هذا الوقت الرهيب ، وبدونه يشعر كأن الهاوية تحت قدميه " .
ثم لنتسمع إلى المريض الناقه وقد انتقل إلى منزله : " . . وأدخل المكتبة لذكري الماضي فيزيد ألمي . غذاء شهي وجوع مفرط ، وقد حيل بين الجائع وغذائه . وأتساءل : هل يعود نظري كما كان فأستفيد منها كما كنت أستفيد ؟ وهذه الآلاف من الكتب آلاف من الأصدقاء لكل صديق طعمه ولونه وطرافة حديثه ، وقد كان يمدني بالحديث الذي يحسن حين أشير إليه ؛ فاليوم أراهم ولا أسمع حديثهم ويمدون إلي أيديهم ولا أستطيع أن أمد إليهم يدي" .
ولقد حز في نفسي واسترعى انتباهي أن الأستاذ عرض لإصابته بالمرض السكري ، فلم يقف أمامه مثل هذه الوقفة الباكية المبكية (1) ، مع أن صورة الحرمان بالقياس إليه واقعية محسوسة ، بينما هي بالقياس إلى مائدة الكتب مجازية عقلية ؛ إن هذه الموازنة لتظهر بجلاء شدة تعلق الرجل بالعلم ، وانه يحيا فيه حياة حقيقية داخلية
ولكن هذا الغناء الشجي الموجع ليس غناءه الوحيد ؛ فقد أنشد مزامير الوداع على قبور الأعزاء ، ولقد هاج في نفوس قرائه نواعج الأحزان . لقد رئى أباه الذي مات أثر عملية جراحية ، فهل عاش آباؤنا الذين رحلوا عيشة هذه المستشفيات ؟ هل اجتمع عليهم ظلام المرض وظلام الليل وظلام نفوس تتلبسها أجسام ممرض قدم غليظ القلب ، وطبيب مستهتر غائب ، وطبيب حاضر كغائب ، وطبيب ليته غاب وما حضر ؟ هل تحالفت عليهم ألوان هذا الظلام كلها لتجرهم جرا ، ثم تتوج ظلامهم بالظلام الأكبر الذي ليس بعده صباح ، ولا أمل في صباح ؟ .
غير أن الكتاب يجرح ويأسو ، فمنذا الذي لا يتعزى عن مصابه وهو يشهد قبور الأحبة منشورة بين ضفتي الكتاب ؟ هذا قبر أخيه الأصغر ضحية الحمى والإهمال ، وهذا ضريح أخيه الأكبر صريع الشلل المفاجئ وهذا أبوه يموت بالالتهاب الرئوى في أثر الجراحة ، وهذه أمه يملأ قلوبنا رقة لها وعطفا عليها وهو يؤبنها على حافة القبر . وهذا أستاذه عاطف بركات تغني بخصاله العالية وأطال الغناء ، حتى إذا تحدث عن نهايته أحسسنا كأن الرجل قد مات لساعته ، وكأنا نسمع نبأه الآن لأول مرة ، فيأخذنا الجزع من أقطارنا لا على راحل عظيم ، بل على هذه المجموعة النادرة من الأخلاق والطباع التي تفتقر إليها مصرنا أشد الافتقار .
- 3 -
وكما تنقل المؤلف بنا بين أواخر القرن التاسع عشر وأواسط القرن العشرين ، وبين الأموات والأحياء ، وبين الحزن والسرور ، تنقل بنا بين الشرق والغرب ، وأرسل وصاياه صريحة ومضمرة ، ودعواته الإصلاحية سافرة ومستخفية ، فهو ينبه العراق إلى كنوزه المعطلة ، وهو يحكم على نفسه بفساد الذوق لأنه أشار إلى جدب الصحراء في حفلة تكريمه ، وذلك حكم أخالفه فيه على الأقل لأني لم أجد غضاضة في أن أدعو الطلبة العراقيين إلى الجد واستخراج كنوز عقولهم وأرضهم ، وأن استحمسهم بتذكيرهم بقول شاعرهم :
ولم أر في عيوب الناس عيبا
كنقص القادرين على التمام
وهو يؤاخذ المصربين على تقصيرهم في التزام النظافة ويغايرهم بنظافة الأتراك وهدوئهم ، فهم في هذا "إنجليز الشرق" .
وهو يقص على قومه بعض ما أعجبه من خصال الإنجليز التي عاينها في زيارته لانجلترا ، ويروي هذا المثل الموحي المؤثر مثل " وكيل وزارة يشهر بزوجته لأنها أخذت قطارا من الفحم زائدا عن سائر الناس وإن كانت في حاجة
إليه ، لأنها تسكن بيتا كان مهجورا مرطوبا يحتاج إلى نار أكثر لتذهب برطوبته (1) ..
- 4 -
وللمسائل التربوية والجامعية والعلمية والاجتماعية واللغوية قسطها الموفور من الكتاب . وإني أبادر منذ الآن فا=أنص على أني أرى في شأن بعض هذه المشاكل غير ما يراه الأستاذ الجليل ، ولكني أرجئ النقد كله إلى آخر الكلام . وأجعل همى الآن التمثيل لبعض هذه المسائل :
فمما يتصل بالشئون التربوية عرضه لقضية التأديب الجسماني بما يفيد اعتراضه عليه ، وتصويره الرائع للكتاب وتشخيصه لسيدنا ، ذلك التشخيص الذي ذكرني بشارلز دكنز فلن انسي عوض عصاه الطويلة التى يبلغ بها أبعد الأطفال مكانا وهو في مقعده لا يريم ، ولن أنسى عوض صورة الغلام يخطئ في التلاوة وهو يهتز إلى أمام ووراء فيضربه سيدنا " فيصرخ ويصيح بالقراءة والبكاء معا(2) ".
ويدخل في النطاق التربوي والخلقي أيضا مؤاخذته الناظر الذي ضبط تلميذا يسرق كتابا فعلق على ظهره لوحة تسجل صنعته الجديدة ، فلم يتحمل التلميذ هذا الهوان العلني وانقطع عن الدرس إلى الأبد .
ومما يتصل بالأمور الجامعية اعتراضه الحق على لجوء الأساتذة إلى طريقة إملاء الدروس (3) .
أما إرشاداته وانتقاداته وإيحاءاته الاجتماعية فكتيرة لا تلاحق ، ومنها انتقاده الصائب للإسراف في التكريم بحفلات الطعام ، ونعيه على مصر أنها " بلد تسره المجاملة ولو بالظلم ، ويفرح بالوعد ولو بالكذب " ، وإشارته إلى مأدبة قويسنا التي دعي إليها وهو قاضي البلدة ، فلما رأى الخمر اختلق عذرا وانصرف ، وقوله في وصف تصرفه : " وكان صوابا ما فعلت ، فلو جلست معهم لخرجت الشائعات بأني كنت أشرب مع الشاربين ، وألهو مع اللاهين ،
ولسقط مركزي الديني ومركزي الخلقي ومركزي القضائي معا (1)" .
أجل كان صوابا ما فعل ، وإنه لصواب ما يقول الآن ، وإني لشديد الإعجاب بهذا الحديث الشريف الذي يقول : " من وضع نفسه مواضع الشبهات اتهم ولا أجر له " .
وإن عينه المنقبة اليقظى لا يفوتها وهي في الواحات أن ترى الأجنبي الذي يجمع نبات السكران ليبيعه بالأثمان الطائلة ، فيسجل هذه الظاهرة ألما وتحريكا للمصريين أن يتفطنوا إلى ما في بلادهم من خيرات ، وأن يستخرجوا ما تنطوي عليه من كنوز . ولعمري إن هذ لهي الدعوة الحصيفة المستنيرة ؛ فإن هذا البلد لن تحل مشاكله الاقتصادية والاجتماعية بالثرثررة والشقاق واستجلاب التصفيق الرخيص ، وإنما تحل بتنمية الثروة العامة وتتبع أسبابها في مظانها من زراعة وصناعة وتجارة وتعدين وزيوت وسباحة ونحو ذلك .
- 5-
وبعد . . فقد قالوا إن النقد يسير والفن عسير، ولكني أحس هنا أن النقد هو أيضا قد أصبح عسيرا.
ولكنه لا معدمى عنه فلنستأذن الأستاذ الجليل في التقدم بهذه الملاحظات .
لقد وقفت أمام جملة من الآراء الشخصية للأستاذ فلم أستطع أن أحمل نفسي على إقرارها : فأنا لا أري إلغاء التأديب الجسماني للصغار إلغاء تاما مطلقا ، فهو ملح قد لا ينضجون بدونه ؛ وإن الإنجليز الذين أبدى الأستاذ إعجابه الشديد بهم فيما خلا الناحية الاستعمارية ليقولون في أمثالهم : " وفر السوط تخسر الولد ) ٢ ( .
ولقد عرض الأستاذ في أكثر من موضع لقضية العامية والفصحى ، وروي في ذلك بعض ما أخذته على لغتنا المكتوية مدرسته وتلميذته الإنجليزية . ولست أدري لماذا لم يرد عليها التحية يمثلها أو بأحسن منها ؟ فإن في اللغة الإنجليزية مخالفات للمنطق ومخالفات هجائية للنطق وتحكمات قاسية لا مبرر لها ، ولكن القوم يقدسونها ، وكم من تلميذ مصري
راح ضحيتها ! . إنني أذكر على سبيل المثال أن من الكفر اللغوي الذي يستوجب المؤاخذة الشديدة أن نقول : All What مع أن هذا اللفظ بساوي اللفظ الصحيح ، وهو That ، بل لعل الاستعمال الأول أكثر تبادرا إلى الذهن لأنه ألصق بالمنطق . وكلمة جار تدل عليها لفظة إنجليزية تكتب بطريقة لا تتفق مع نطقها ، وكذلك كلمة بنت و مئات من الكلمات - وبين الألفاظ الإنجليزية عشرات لكل منها أكثر من معنى وأكثر من استعمال كلفظة Since .
فلماذا لم يضق القوم ذرعا بصعوبات لغتهم ، ولماذا لم ينادوا بتغيير معالمها وتقربها من العامية ، أوتقريب العامية إليها؟ لقد بشر الأستاذ بما رآه ، وهو " أن تكون لنا لغة شعبية ننقيها من حرافيش الكلمات ، ونلتزم في أواخر الكلمات الوقف من غير إعراب " الخ ؛ ولو جاز لغيرنا من الدول القوية المكتملة أن تشوه لغاتها لما جاز لما أن نمس هذا المقوم الذي يعصمنا من التبدد والضياع . ولست أهمل أن أسجل قول المؤلف في وصف أستاذه علي بك فوزي إنه كان يتكلم في الدرس اللغة الفصحى ولا يلحن (1) وإنما أعني بتسجيل هذا لأن الكتاب قد تضمن أن فوزي بك قال لمؤلفه: " لا أمل في إصلاح مصر مادام هناك لغة للعلم ولغة للكلام ، فإما أن ترقي لغة الكلام ، وإما أن تنحط لغة العلم حتى تتحدا " .
إن المشاهد أن لغة التخاطب قد تزحزحت بعض الشئ عن دائرتها الأولى واقتربت إلى لغة الكتابة ، وذلك بتأثير الإذاعة والكتب والصحف . وقد لاحظت في هذا الصدد أمرا أرى من الخير إبداءه ، هو أن اللغة الفصحى قد دخلت أو ازدادت دخولا في عالم الأطفال منذ أن جعلت وزارة المعارف دروس الديانة إجبارية وموضع امتحان ؛ فقد سمعت طفلة تستعمل في حديثها العادي مع أسرتها تعبيرا قرآنيا أتت به في مناسبته المطابقة دون أن يكون ذلك مسبوقا بسؤال أو إيحاء .
نحن لا نعيش اليوم في زمن قاسم أمين الذي دعا إلى
إسكان أواخر الكلمات ، والرأي عندي أنه لو وجد في زماننا وعايش هذا التطور لتخلى عن دعوته تلك فلنتخل نحن عنها . ولعل هذا الأمر وثيق الصلة بمسألة أخرى أستسمح الأستاذ أيضا في أن أبدي مخالفتي عن رأيه فيها ؛ تلك مسألة أرستقراطية الأدب ، فإني أفهم أن تختلف مناحي الأدباء وأساليبهم ، فيجنح بعضهم إلى السهل ، ولكني لا أفهم أن تعنسر جميع الأدباء على أن يصطنعوا أسلوبا معينا لأنه أقرب إلى أفهام الكثرة العددية
وهنا أمر آخر أعلن فيه راية الخلاف كذلك : إن الأستاذ ليصف حارته الأولى فيقول : " ولم يكن الفرنج قد بثوا مدنيتهم إلا في أوساط قليلة من الشعب ، هي أوساط بعض من يحتك بهم من الأرستقراطيين وأشباههم " . والمستفاد من هذه العبارة ، أو المحتمل منها أن مصر كانت خلوا من كل مدنية إلا ما يقدر للفرنج أن يبثوه . فهل كان الأمر كذلك على إطلاقه وبهذا الأسلوب الجازم ؟ لندع المصريين أنفسهم ولنفترض جدلا أنهم كانوا مجردين من كل مدنية ، فما القول في الأتراك والشراكسة ومن إليهم ؟ ألم يشد المؤلف نفسه في كتابه هذا بنظافة وهدوء الأتراك في بلادهم حتى سماهم إنجليز الشرق ؟ !
-٦ -
وهذا نقد آخر لا ينصب على الآراء ولا على شيء من المكتوب ، وإنما مناطه أن الكتاب قد أهمل أمورا ليست أهون شأنا من كل ما ضمنه دفتاه ؛ فقد كان للأستاذ المؤلف نشاط عظيم في بيت المغرب ، نظم المحاضرات فيه ونشر باسمه كتبا هامة تتصل بالمغرب ، ورعى الطلاب المغاربة وأنزلهم في مسكن كريم قبل أن تصير مساكن الطلاب إلى انتشارها الحاضر ، ومع ذلك فإنا لم نقرأ حرفا واحدا عن هذا الفرع من النشاط .
وقد زار الأستاذ كثيرا من أديرة القبط . وأقام في الدير المحرق ثلاثة أيام ، ولكنا لا نقرأ عن هذه الرحلات حديثا
وأطال " الرحالة " في وصف كثير من الأماكن .
ولكنه عير " نابلس ، فلم يذكر عنها إلا " ومررنا بنابلس فمر بها مرور الكرام . .
- 7 -
خوأخيرا وآحرا أقدم رجلا وأؤخر أخرى . ولكن المؤلف نفسه يشجعني حين أقرأ قوله : " واعتدت منذ أول عهدي بالقلم أن أقصد إلى تجويد المعنى أكثر مما أقصد إلى تجويد اللفظ ، وإلى توليد المعاني أكثر من تزويق الألفاظ ، حتى كثيرا ما تحتل ( ضمائري ) فأعيد الضمير على مؤنث مذكرا ، وعلى مذكر مؤنثا ، لأني غارق في المعنى غير ملتفت إلى الألفاظ . ولا أتدارك ذلك إلا عند التصحيح ، وقد يفوتني ذلك أيضا ) ١ ( .
لأدون إذا شكوكي الآتية ؟ فإن أك مخطئا كسبت من إظهار الخطأ معرفة الصواب .
جاء في ص ٢٧ : " . . لا يشتمل إلا على سيدة تركية و ... وعبدان أسودان رقيقان " .
وجاء في ص ١٥٣ : " ولا يرضيه إلا أن يتحمس السامعون حماسته ويبتهجون مما يقول ابتهاجه " .
وفي ص ٢٢٠ : وأعجبني في الأتراك خلقان لطيفان : نظافتهم وهدوءهم ،
وفي ص ٢٢١ : " ولعل ما لفت نظري إلى هذين الخلقين سوءهما في مصر " .
وفي ص ٢٢٤ : " فها نحن نرحل " بغير أولاء وجاء في ص ٢٥٣ : " ولقد نقدت من مذاهب أهل السنة ما لا يقل عن نقدي لمذهب الشيعة " أليس المراد : " ما لا يقل عما نقدته من مذهب الشيعة " ؟ أو " لقد قلت في نقد مذاهب أهل السنة ما لا يقل عما قلت في نقد مذهب الشيعة ؟ .
وورد في ص ٢٦١ ما يأتي : " ويوما نزور مونمارتر وملاهيه والمكتبة الأهلية وإلقاء نظرة عامة على ما فيها " ،
فهنا شق جعلها تضم المصدر مكان ( ونلتقي ) .
وفي ص ١٣ نقرأ هذا التركيب : " . . فتارة يتبع طريقة أن يخط خطا على الباب كلما أحضر قرية ، ولكن بعض الشاطين يغالطون فيمسحون خطأ أو خطين . ولذلك لأا السقاء إلى طريقة الحرز " ولست أدري لماذا ننتظر دائما كلما قابلنا " التارة " الأولى أن نعثر على " التارة " الثانية بعد قليل
وأخيرا أشير إلى تركيب آخر وارد في ص ٢٢٣ " يعرف كل ما في مكتبات الآستانة من كتب وما فيها قيم وما فيها ليس بقيم " ، أليس أدنى إلى الأذهان وأقرب إلى مألوف التراكيب أن يقال : " وما فيها من قيم وغير قيم " أو " وما هو قيم فيها وما ليس بقيم " ؟ .
ولقد تعمد الأستاذ أن يستعمل ألفاظا عامية مثل " الجزمة " و " وابور البحر " و المزبلة " ولو سئلت رأيي لقلت إن هذه الألفاظ ليست دالة على مخترعات ولدت بأسماء غير عربية حتى يكون من المستساغ القول باستبقائنا لأسمائها الأصيلة الأجنبية . هذا إلى أن ألفاظ الحذاء والباخرة ونحوها خفيفة مألوفة لا تحوج إلى غيرها .
ومحاميا يجب أن أنضم إلى الملاحظة القانونية التي أبداها الأستاذ حسن جلال ، وهي الخاصة بتسمية الجنحة والمخالفة .
أما نقدي الأخير فليس منصبا على فكرة ولا على لفظ ، ولكنه منصب على قول الأستاذ إنه كان يجب أن يعالج كتابة القصة ، ولكن الأوان قد فات .
كلا إنه لم يفت . وإن هذا الكتاب لوثيق الصلة بالقصة وقد اشتمل على أوصاف دقيقة ملئت حيوية وبثت في أنحانها الحركة ، وهذه الملكة الوصافة هي آلة من أهم آلات القصة إن لم تكن أهمها .
فعلى بركة الله تواصل سفيتك السير تقبس النور من حيثما حللت ، وتنشر النور أينما نزلت .

