لم أقصد بكتابة هذا الفصل أن أضم إلى البحوث الكثيرة التى عالجت موضوع السيرة بحثاً جديداً، وإنما قصدت دراسة حياة محمد فى مظهر واحد من مظاهرها، هو الذى يتمثل لنا فيه رسولاً يدعو الناس إلى دين جديد. ومن الطبيعى أن نتوقع فى حياة منشئ الإسلام والداعى له عرضاً للوضع الحقيقى لما اقترن من النشاط بالتبشير بالدين الجديد، ولو أننا اعتبرنا حياة النبى معياراً خلقياً لما يجب أن يكون عليه المؤمن العادى، لحق أن تكون حياته كذلك معياراً لما يجب أن تكون عليه الدعوة الإسلامية، وما دامت حياة النبى عنواناً للدعوة الإسلامية، فإنا نتطلع إلى معرفة شئ عن الروح التى استولت على من يأخذون مأخذه ويستنون بسنته، وعن الوسائل التى قد يعمدون إليها فى سبيل تحقيق أغراضهم، ذلك لأن الروح التبشيرية فى الإسلام ليست فكرة متأخرة فى تاريخها، وإنما نذهب إلى أنها تقترن بالدين منذ نشوئه الأول. ونود فى هذه العجالة أن نبين ما ذهبنا إليه، ونوضح كيف أن محمداً النبى (ص) مثال للمبشر الإسلامى، ونحن بغض النظر عن معالجة حياته الأولى أو العوامل ذات الأثر فى حياته حتى بلغ رجولته، أو دراسة حياته باعتباره سياسياً أو قائداً حربياً، نعنى العناية كلها بدراسة حياته كمبشر ونذير.
ومحمد ما لبث بعد اضطراب وكفاح نفسانى طويلين أن اقتنع
بصحة رسالته السماوية، وكانت أولى جهوده أن دأب فى إقناع أهله بذلك الدين الجديد القائم على وحدانية الله، وإنكار عبادة الأوثان، ووجوب أن يخضع الإنسان لمشيئة الخالق، تلك هى الحقائق المجردة التى دعاهم إلى الإيمان بها. فكان أول من آمن به زوجه الوفية المخلصة خديجة التى تزوجت قبل هذا بخمسة عشر عاماً من قريب لها فقير كانت قد استخدمته فى تجارتها، فصيَّرها أجدى عليها وأربح، تزوجته بهذه الكلمات:
(يا ابن عمى، إنى قد رغبت فيك لقرابتك ووساطتك فى قومك، وأمانتك وحسن خلقك، وصدق حديثك (1) فانتشلته بهذا من الفقر ومكنته من العيشة فى المستوى الاجتماعى الذى يليق بنسبه، ولكنَّ هذا كله يسير إلى جانب ما بدا من وفائها وإخلاصها إذ شاطرته اضطرابه الفكرى وغمرته بعطفها وشملته برعايتها فى ساعة الشدة. أتاه الوحى مرة وهو فى الغار فآوى إلى خديجة، وقد شمله الفزع واستولى على قلبه الاضطراب، فآمنت خيفته وأذهبت عنه الروع وقالت تخاطبه:
(أبشر يا ابن عمّ واثْبُت، فوالذى نفس خديجة بيده، إنى لأرجو أن تكون نبى هذه الأمة، ووالله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكلَّ وتقرى الضيف وتعين على نوائب الحق)
ولقد بقيت حتى وفاتها سنة ٦١٩ م أى بعد خمسة وعشرين عاماً فى حياة الزوجية تفيض عليه دواماً من حنانها وعزائها وتشجيعها كلما أصابه من أعدائه الأذى أو ساورته فى نفسه الشكوك، وفى هذا يقول ابن إسحاق:
(كانت خديجة أول من آمن بالله ورسوله وصدقت بما جاء به عن الله تعالى، وآزرته على أمره فخفف الله بذلك عنه، فكان لا يسمع شيئاً يكرهه من قومه من رد وتكذيب إلا فرَّج الله عنه بها إذا رجع إليها تثبته وتخفف عنه وتصدقه وتهوِّن عليه أمر الناس)(2) هذه خديجة يقدم لنا التاريخ فى سيرتها أروع الصور فى الحياة الزوجية وأنبلها.
ومن بين السبَّاق فى الإيمان بدعوة محمد اثنان كان قد تبناهما هما زيد وعلى، ثم صديقه الحميم أبو بكر الذى قال فيه النبى فيما بعد: (ما دعوت أحداً إلى الإسلام إلا كانت عنده كبوةٌ ونظر وتردد، إلا ما كان من أبى بكر، ما عَكم عنه حين ذكرت له)
وكان أبو بكر تاجراً على سعة من المال، يحترمه قومه احتراماً شديداً لكرم خلقه وذكائه وكفايته، أنفق بعد إسلامه الجزء الأكبر من ثروته فى شراء الأرقاء المسلمين الذين اضطهدهم مواليهم لاعتناقهم تعاليم محمد. وحين أسلم أبو بكر دعا إلى الله فأسلم بدعائه خمسة نعتبرهم فى عداد السابقين فى الإيمان، هم سعد بن أبى وقاص الذى فتح فيما بعد بلاد فارس، والزبير بن العوام الذى اشتهر بالكفاية الحربية، وعبد الرحمن بن عوف التاجر الثرى، وعثمان ثالث الخلفاء الذى تعرض للأذى والاضطهاد منذ إسلامه، فقد أخذه عمه فأوثقه كتافاً وقال له:
(ترغب عن ملة آبائك إلى دين مستحدث! فوالله لا أحلك أبداً حتى تدع ما أنت عليه). فقال عثمان:
(والله لا أدعه أبداً ولا أفارقه) فلما رأى عمه صلابته فى التعلق بدينه أطلق وثاقه وتركه. واستطاع النبى أن يجتذب إليه طائفة أخرى أكثر أفرادها من الموالى والفقراء، وبذلك نجح فى أن يجمع حوله فئة قليلة من التابعين خلال السنوات الثلاث الأولى من الدعوة. وكان التوفيق الذى أصابه محمد فى هذه الجهود السرية مشجعاً له على أن يوسع نطاق دعوته ويجهر بها، فدعا عشيرته فاجتمعوا فقال لهم:
(يا بنى عبد المطلب، إنى والله ما أعلم شاباً فى العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرنى الله تعالى أن أدعوكم إليه، فأيكم يؤازرنى على هذا الأمر؟)
وهنا صمتوا جميعاً ولم يتكلم غير على فى حماسة الصبى فقال: (أنا يا رسول الله) وما كاد على يفرغ من كلامه حتى علا ضحك القوم ساخرين مستهزئين. ولم يكن ذلك الإخفاق ليصد محمداً عن تبليغ رسالته فدعا الناس فى مناسبات أخرى، ولكن دعوته لم تلق منهم غير السخرية والتحقير
وحاولت قريش أكثر من مرة أن تغرى عمه أبا طالب باعتباره عميد بنى هاشم الذين ينتمى إليهم النبى كيى يردعه عن سب آلهتهم وعيب دينهم ودين آبائهم، وهددوه وقالوا إما أن تكفه عنا وإما أن تخلى بيننا وبينه، فنصح أبو طالب لابن أخيه أن يبقى على نفسه وعليه وألا يحمله من الأمر مالا يطيق، فأجابه النبى: (يا عماه، والله لو وضعوا الشمس فى يمينى والقمر فى يسارى
على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك دونه ما تركته) فتأثر أبو طالب وقال له:
(اذهب يا ابن أخى فقل ما أحببت، فوالله لا أسلمك لشىء أبداً)
ولما ضرب الإخفاق على هذه المحاولات السلمية اشتدت موجدة قريش وتضاعف احتدامهم وأيقنوا أن انتصار ذلك الدين الجديد معناه القضاء على دين بلادهم وعلى ما يمتازون به بين العرب من السيادة القومية، ثم هم فوق ذلك يخسرون الثروة والجاه اللذين يستأثرون بهما عن طريق سدانة الكعبة الشريفة. أما محمد نفسه فقد كان برغم ما تعرض له دواماً من بذاءة القوم وسفاهتهم فى ذمة أبى طالب وذمار بنى هاشم الذين منعوه وحالوا دون أى اعتداء على حياته؛ يحفزهم على هذا ما جبل عليه العرب من قوة العصبية، مع أنهم لم ينعطفوا نحو الآراء التي دعا إليها. أما الفقراء والرقيق الذين لا ملاذ لهم ولا جوار فلم يجدوا مخرجاً من طائلة الاضطهاد الغليظ، فكانوا يحبسون ويعذبون كى يفارقوا عقيدتهم. وكان أبو بكر يشتريهم ليخلصهم من العذاب، فقد اشترى بلالاً(1) ذلك العبد الأفريقى الذى كان محمد يطلق عليه (أول ثمار الحبشة) والذى لقى من ضروب الامتهان ما لم يلقه أحد، فكان يلقى فى الرمضاء وقت الظهيرة وقد حميت الشمس ثم توضع على صدره صخرة ثقيلة ويقال له: لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وترجع إلى عبادة الأوثان، وبلال لا يجيب على ذلك إلا بقوله: (أحدٌ أحدٌ). وهلك شخصان متأثرين بما أصابهما من الاضطهاد وما ألم بهما من نوازله القاسية. ولما أن رأى محمد ما نزل بالمسلمين من الأذى مع عدم قدرته على تخليصهم مما هم فيه نصح لهم بالهجرة إلى الحبشة، فخرج في السنة الخامسة من النبوة (٦١٥ م) إلى الحبشة أحد عشر رجلاً وأربع نساء، وهناك رحب بهم ملكها النصرانى. وكان فيمن هاجروا مصعب بن عمير، وفى سيرته يتمثل أقصى ما أصاب المؤمنين من بلاء ومحنة، فقد أبغضه من أحبهم ومن كانوا من قبل لا تقصر قلوبهم عن الولوع به. أسلم بعد أن تفهم تعاليم الدين الجديد فى بيت الأرقم، ولكنه أخفى إسلامه لما كان له من مقام كبير فى قومه، ولما كان له من حب جم فى قلب أمه، وأمه لا تقل عن قومها كراهية للدين الجديد. ثم ما لبثت هذه الحقيقة أن تبدت للناس وذاع إسلام مصعب، فأطبقوا عليه وسجنوه، ولكنه استطاع الهرب وخرج مهاجراً إلى الحبشة
وسار حقد قريش فى إثر المهاجرين إلى الحبشة فأرسلوا وراءهم بعثة من رجلين يطلبان إلى النجاشى أن يسلمهم إليهما ليردوهم إلى قومهم، ولكن النجاشى سأل المسلمين عن أمرهم، ولما أن علم منهم الخبر اليقين أبى أن يسلمهم وقد جاوروه ونزلوا بلاده واختاروا حمايته، قال المسلمون للنجاشى عندما دعاهم وسألهم عن أمرهم ما يأتى:
(أيها الملك، كنا أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتى الفواحش ونقطع الأرحام ونسئ الجوار ويأكل القوى منا الضعيف حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا لتوحيد الله وألا نشرك به شيئاً ونخلع ما كنا نعبد من الأصنام، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم، وأمرنا بالصلاة والصيام، فآمنا به وصدقناه وحرمنا ما حرم علينا وحللنا ما أحل لنا؛ فتعدى علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان، فلما قهرونا وظلمونا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك واخترناك على من سواك ورجونا ألا نظلم عندك أيها الملك) فقبل النجاشى رجاءهم ورد رسولى قريش خائبين
فى ذلك الوقت بذلت جهود جديدة فى مكة لإغراء محمد بالجاه والمال على أن يكف عن الدعوة إلى دينه، وضاعت كل هذه الجهود عبثاً. فلما عادا رسولا قريش إلى مكة يعرضان نتيجة سعيهما ضد المهاجرين إلى الحبشة، وكان قريش يترصدون خبرهما ويتحينون عودتهما، حدث حادث خطير، هو إسلام شخص كان من قبل أشد وأغلظ أعداء محمد، وكان يعارضه بحماسة وحّدة لا يحدهما الوصف، وكان المسلمون يعتبرونه بحق أقوى خصوم الإسلام وأشدهم، وأصبح بعد إسلامه من أعظم الشخصيات وأنبلها فى الصدر الأول من تاريخ الإسلام، ذلك هو عمر بن الخطاب
حدث يوماً وهو فى نوبة غضب على النبى أن خرج ومعه سيفه يريد قتله، فلقيه رجل من أقاربه فقال له:
(أين تريد يا عمر؟) (أريد محمداً الذى فرَّق أمر قريش وعاب دينها وسبَّ آلهتها فأقتله!)
فقال له: والله لقد غّرتك نفسك، أترى بنى عبد مناف تاركيك تمشى على الأرض وقد قتلت محمداً؟ أفلا ترجع إلى أهلك فتقيم أمرهم؟
قال عمر: (وأى أهلى؟) قال الرجل: (خَتَنُك وابن عمك سعيد بن زيد، وأختك فاطمة زوجهُ، فقد والله أسلما!)
فرجع عمر إليهما وعندهما خباب يقرئهما القرآن، فلما سمعوا صوت عمر أخذت فاطمة الصحيفة فألقتها تحت فخذيها، وقد سمع
عمر قراءة خباب فلما دخل قال: (ما هذه الهيمنة؟) قال: (ما سمعت شيئاً) قال: (بلى، وقد أخبرت أنكما تابعتما محمداً على دينه)
وبطش بخَتَنِه سعيد بن زيد فقامت إليه أخته لتكفه عن زوجها فضربها فشجعها، فلما فعل ذلك قالت له أخته:
(قد أسلمنا وآمنا بالله ورسوله فاصنع ما شئت) ولما رأى عمر ما بأخته من الدم فى وجهها ندم وقال لها:
أعطينى هذه الصحيفة التى سمعتكم تقرءون فيها الآن حتى أنظر إلى ما جاء به محمد. وبعد تردد أعطته الصحيفة وفيها (طه) فلما قرأ بعضها قال: (ما أحسن هذا الكلام وأكرمه!) وانشرح صدره للإسلام وما لبث أن قال: (دلنى يا خباب على محمد حتى آتيه فأسلم) (يتبع)

