باعتباره صاحب الدعوة الإسلامية
بهذا الحماس وذلك الجد تقدمت الدعوة الإسلامية حتى لم تمض على الإسلام سنة هناك (في المدينة) إلا وكانت كل أسرة عربية قد ساهمت بدخول بعض أفرادها في حوزته، ما عدا شعبة واحدة من بني الأوس وهي التي استمرت منعزلة بعيدة عن الإسلام وذلك بتأثير أبي قيس بن الأسلت الشاعر
وفي السنة التالية حينما جاء موسم الحج وفدت إلى مكة طائفة من معتنقي الإسلام حديثاً، وعددها ثلاثة وسبعون رجلاً، وبصحبتهم جماعة من مواطنيهم كفار يثرب، وقد عهد إلى هذه الطائفة أن تدعو محمداً (ص) إلى أن يلجأ إلى يثرب تجنباً من غضب أعدائه، وأن يبايعوه على أنه رسولهم وقائدهم، وفد إلى مكة لهذه المناسبة العظيمة كل معتنقي الإسلام الأولين الذين كانوا قد لاقوا الرسول من قبل في الموسمين السابقين، ومعهم مصعب ابن عمير معلمهم، فأسرع على أثر وصوله إلى الرسول، وأخبره بالنجاح الذي لاقته بعثته. ويقال إن أمه لما سمعت بقدومه بعثت إليه رسولاً فقال له: (أيها الابن العاق، أتدخل مدينة فيها أمك من غير أن تبدأ بزيارتها؟) فكان جوابه: (كلا، إنني لا أزور منزل أحد قبل رسول الله) . ثم ذهب إلى أمه بعد أن فرغ من تحية الرسول (ص) والتحدث إليه؛ فقالت له أمه زاجرة: (أخالك إذاً لا تزال خارجاً منشقاً) . فقال: (أتبع رسول الله ودين الإسلام الصحيح) . فردت عليه قائلة: (أقانع أنت بطريق الشقاء الذي انتهجته في الحبشة وفي يثرب؟) . أدرك حينئذ أن أمه تفكر في سجنه فخاطبها متعجباً: (ما خطبك؟ أتكرهين إنساناً على أن يغادر دينه؟ إن كنت تدبرين أمر سجني
فإنني سأقتل أول من يضع يده على) . فقالت له: (أخرج إذاً من عندي) وأخذت تبكي. فتأثر مصعب لذلك وقال: (أماه . خذي مني نصيحة المخلص! أشهدي أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله). ولكنها أجابته بقوله: (والنجوم اللامعة، لن أكون قط حمقاء بدخول دينك. إنني أنفض يدي منك ومما أنت فيه، وأعتصم بعقيدتي)
وكان قد ضرب موعد ليجتمع سراً بالعقبة من أسلموا في العام الماضي وذلك لكيلا يثيروا حولهم شبهات القرشيين أو عداوتهم؛ وجاء محمد ومعه عمه العباس الذي كان لا يزال وثنياً حينئذ ولكن سمح له أن يحضر هذا الاجتماع السري. أفتتح العباس هذا الاجتماع الجليل موصياً بابن أخيه، ومشيراً إلى أنه ينتمي إلى أسرة من أشرف أسرات قبيلته التي وإن كانت لم تقبل تعاليمه إلا أنها ما زالت تحميه؛ أما وقد أبى إلا الانحياز إلى أهل يثرب واللحاق بهم فإن عليهم أن يتدبروا الأمر بحكمة قبل أن يأخذوا العهد على أنفسهم، وأن يصمموا ألا ينكثوا عهدهم متى قبلوا تحمل هذا الأمر الخطير، فاحتج البراء بن معرور الخزرجي قائلاً: إنهم واثقون من عزمهم على حماية رسول الله، وتوسل إلى العباس أن يذكر ما يريدهم أن يعاهدوا الرسول عليه
بدأ محمد يقرأ بعضاً من القرآن، ويحثهم على أن يصدقوا في دينهم الذي اعتنقوه من وحدانية الله ونبوة محمد رسوله، ثم سألهم بعد ذلك أن يمنعوه وأصحابه مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال: (نعم! والذي بعثك بالحق لنمنعك كما نمنع أنفسنا، ونعاهدك على طاعتك، وأن تكون لنا هادياً. فنحن أبناء الحروب، وأهل الحلْقة1، ورثنا كابرا ً عن كابر) . وهكذا أخذ الجميع يد الرسول واحداً بعد آخر، وبايعوه على الطاعة.
ولما علمت قريش بهذا الاتفاق السري عادت إلى اضطهاد المسلمين مرة أخرى، فنصحهم الرسول أن يهاجروا من مكة، وقال لهم: (اخرجوا إلى يثرب فإن الله قد جعل لكم إخواناً في تلك المدينة، ودارا تأمنون بها) فخرجوا إلى يثرب إرسالا، حيث لاقوا إكراماً عظيماً، وكان إخوانهم في الدين من أهل يثرب

