الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 56الرجوع إلى "الثقافة"

حياد ايرلنده

Share

نشرت الثقافة " منذ بضعة أسابيع مقالا عرض فيه كاتبه ظاهرة الحياد السائدة اليوم ، والصور المختلفة التي تبدو بها تلك الظاهرة . واليوم تعرض لصورة جديدة من صور الحياد ، وهي صورة تستحق لطرافتها وغرابتها - أن يفرد لها بحث خاص . . صحيح ان حياد دولة صغيرة مثل إيرلنده قد لا يقدم او يؤخر كثيرا ، وقد لا يكون ذا أثر خطير في هذه الحرب ولكنه مع هذا يمثل لنا صورة سياسية فريدة في بابها وهي لهذا حقيقة أن نقف برهة لنتأملها ، وندرسها .

في الوقت الذي أسرعت فيه دول الامبراطورية البريطانية ، مثل كندا واسترااليا وافريقيا الجنوبية إلي  اعلان تضامنها مع دولة الأم - كما يسمونها - وبادرت جميعها باعلان الحرب على المانيا ؛ نري إيرلنده تبادر منذ اللحظة الأولى بإعلان حياد حازم لا يحيف ولا يميل . وهذه هي المرة الاولى في تاريخ الجزر البريطانية التي نري فيها جزيرة منها - بل جزءا من جزيرة - ينفرد بسياسة مستقلة ، ويمضي في طريق يخالف الطريق التي تسلكها المملكة المتحدة

لفهم هذه الظاهرة العجيبة ، لابد من الاشارة إلي تطور الصلات بين بريطانيا العظمي من جهة ، وبين دولة إيرلنده من جهة أخري .

تنقسم الجزر البريطانية من الوجهة السياسية إلي قسمين : الأول ويشتمل على انكلترا ، وبلاد الغال ، واسكتلنده ، وإيرلنده الشمالية ، والجزر الصغيرة المنتشرة من حولها جميعا . وهذا القسم هو الذي يطلق عليه اسم المملكة المتحدة . وأما القسم الثاني فيشتمل علي دولة إيرلنده المستقلة ، التي تحتل ثلاثة أرباع الجزيرة الإيرلندية(1).

إن استقلال إيرلنده هذا لم يأت طفرة واحدة ، بل انتقل في عدة مراحل منذ عام ١٩٢١ ، حتى بلغ نهايته القصوي في ابريل سنة ١٩٣٨ حين امضت بريطانيا معاهدة مع دولة إيرلنده تكفل لهذه استقلالها التام ، بحيث لا يربطها بالأمبراطورية البريطانية سوي رباط سياسي ضعيف ؛ وأهم مظاهره ان العلاقات الخارجية للدولة تكون باسم جلالة ملك انكلتره .

وقد استطاعت دولة إيرلنده ان تسلك طريقا مستقلة في سياستها الخارجية ، فكان لها وزراؤها المفوضون في امريكا ، والمانيا ، وفرنسا ، وبلجيكا ، وإيطاليا ، ولدي الفاتيكان ، ولها مندوب خاص في لندن ؛ و كذلك نري في دبلن وزراء مفوضين لكل من الدول المذكورة ، بما فيها ألمانيا .

وزاد في مظاهر استقلالها ان اصبحت لغتها الرسمية

اللغة الإيرلندية ، وأن بات للدولة رئيس تنتخبه الأمة بالإقتراع العام ، وهو الآن المستر هايد ، هذا خلاف رئيس الوزراء المستر ديفاليرا.

وكان المنتظر بعد أن نالت إيرلنده هذا الاستقلال الذي ليس له نظير في آية وحدة من وحدات الامبراطو البريطانية - أن تصفو العلاقات بينها وبين جارتها الملكة المتحدة ، فيحل الصفاء محل الجفاء ، والصداقة مكان النفور غير انه بقي امر واحد لم يزل يحز في نفوس الإيرلنديين ، وهو ان إقليم ايرلنده الشمالية لا يزال منفصلا عن إيرلنده وما برح جزءا من الملكة المتحدة . وبالرغم من أن سكانه لا يريدون مطلقا ان ينفصلوا عن بريطانيا العظمي ، فان العناصر المتطرفة في إيرلنده لا تزال تضمر العداء للمملكة المتحدة ، وتتهمها بأنها هي السبب في شطر إيرلنده شطرين على هذه الصورة.

وتضم هذه العناصر المتطرفة جماعات تسمى نفسها جيش إيرلنده الجمهوري ، وهي التي من دابها ان تلجأ إلي وسائل العنف والتخريب ، لكى تصل إلي بغيتها . وقبل الحرب بثمانية أشهر وقعت سلسلة من حوادث التدمير في جهات مختلفة من انكلتره سببت هلاك كثير من الانفس ولا يزال ذكرها عالقا بالأذهان . وقد قال زعيم هذا الجيش وهو يتحدث إلي بعض الصحف في الولايات المتحدة الأمريكية إن جماعته التي تعمل في انكلتره يتراوح عددها بين الخمسمائة والألف ، وانه ليس غرضهم الذي ينشدونه إزهاق الأرواح ، وتخريب المباني ، بل إرغام حكومة إنكلتره على ترك إيرلنده الشمالية حتى تتحد الجزيرة كلها .

وقد ارتاعت حكومة إيرلنده نفسها لما تقوم به ذلك العناصر التطرفة من التخريب في انكلتره ، وهي تظن أن المركز الذي تدار منه تلك الأعمال هو في ايرلنده نفسها ، ولهذا نراها في شهر أغسطس الماضي تنشئ محكمة عسكرية

خاصة ، وتسن قانونا يخولها حق تفتيش المنازل من غير قيد ولا شرط.

ومع ذلك فان المستر ديفاليرا نفسه كان كثيرا ما يظهر العطف على هذه العناصر ، ويتوسل بها إلى الوصول لما ينشده من الاستقلال التام لدولة إيرلنده . ولم يكن في وسعه دائما أن يوقف تيار العواطف التي أثارها عند حد محدود . ولم يستطع - بعد أن قضى مدة طويلة يناويء بريطانيا ويثير معها حربا اقتصادية دامت زمنا طويلا أن يقلب سياسته الخارجية مرة واحدة ، برغم المعاهدة التى عقدت في إبريل سنة ١٩٣٨ والتي نالت بمقتضاها إيرلنده كل ما تبتغيه ، ما عدا ضم المقاطعة الشمالية.

والعواطف القومية إذا أثيرت لا يمكن أن تهدأ دفعة واحدة . ولهذا لم يكن من الممكن - وجيش المتطرفين لايزال ذا حول وقوة - ان تدخل إيرلنده الحرب إلي جانب بريطانيا . صحيح أن كثيرا من الإيرلنديين لم يذهب في بغض انكلتره إلي مدى بعيد . ولكن لو أن ديفاليرا حاول ان يقف بالحكومة الإيرلندية في هذه الحرب إلي جانب بريطانيا ، لأدي هذا من غير شك إلى نزاع دإخلي عنيف ، قد يتخذ صورة حرب إيرالندية داخلية

على أن إيرلنده قبل الحرب بشهور عديدة كانت منهمكة في شئونها الخاصة ، وفي مشروعات اقتصادية واسعة المدي . ولم تكن تفكر في المشاكل الحادة التي كانت تهز القارة الأوربية هزا عنيفا . والموقع الجغرافي لايرلنده الذي يجعلها بعيدة كل البعد عن القارة الأوربية هو وحده كفيل بأن يفسر لنا هذا الاغفال .

على أن المستر ديفاليرا نفسه كان مدركا أن إيرلنده لن تستطيع دخول الحرب . ففي اليوم الثاني من سبتمبر قبل دخول بريطانيا الحرب بيوم واحد ، دعت الحكومة مجلسي البرلمان إلي الاجتماع على عجل لكي تطلب منه الوافقة على

قانونين : الأول يخول الحكومة حق إعلان الأحكام العرفية ، وإن لم تشتبك في حرب . والثاني قانون يعطي الحكومة سلطة واسعة لحماية الآمن العام ، والمحافظة على كيان الدولة ونظمها ، ولضمان وصول الغلات اللازمة للتغذية وللصناعة.

وعندما عرض هذان القانونان على مجلس النواب تكلم المستر ديفاليرا فقال : " إن خطة الحياد التي قررت الحكومة التزامها لن تدهش أحدا . فقد سبق لي في فبراير الماضي أن أعلنت أنه في حالة حرب اوربية ستبقي إيرلنده خارجة عنها . ولكن هذه السياسة لا يمكن المضي فيها إلا إذا كان من ورائها شعب مصمم على الا يؤذي أحدا ، والا ينصر فريقا على فريق . . فالإيرلندي اولى الشعوب بأن يعرف معنى عدوان القوي على الضعيف ، وان يدرك اهوال الإغارة والتقسيم . فنحن لم ننس تاريخنا بعد . وما دام هناك جزء من بلادنا عرضة للخضوع لسلطان أمة قوية ، فان الشعب الإيرلندي -ايا كانت عواطفه وميوله - لابد أن ينظر إلي بلاده أولا وأن يراعي صالحها قبل كل شئ.

وفي خطابه بمجلس الشيوخ أعلن أن وزير المانيا المفوض قد زاره في ٣١ أغسطس وأكد له أن نيات المانيا نحو إيرلنده سلمية ، وأنها في حالة وقوع الحرب ستحترم حياد إيرلنده ، إذا قررت هذه ان تلزم الحياد . وقد اجابه المستر ديفاليرا بأن إيرلنده ستبقي في حياد تام بالنسبة لألمانيا ولسائر الدول))

لم يعارض أحد من أعضاء المجلسين قرار الحياد الذي اتخذته الحكومة الإيرلندية وكل ما حدث أن زعيم المعارضة اعلن أنه يريد ان يسجل ان التزام إيرلنده الحياد ليس معناه أنها غير مكترثة للأمور التي ثارت حولها الحرب فان الكثرة الساحقة من الإيرلنديين تعطف على

بولونيا ، وبريطانيا وفرنسا ، وتستنكر خطة برلين وموسكو وأن من الواجب تسجيل هذا .

ولم تلق خطة الحياد معارضة ذات شأن خارج البرلمان ، فجريدة التيمس الايرلندية ، على ميلها الظاهر إلي السياسة البريطانية ، رأت أن هذه الخطة هي الوحيدة التي تستطيع الحكومة أن تسلكها . على أن هنالك كثيرين ممن قبلوا الحياد السياسي ، ولكنهم بعيدون عن الحياد بعاطفتهم وشعورهم .

فهنالك فريق يري أن المصلحة الاقتصادية والسياسية والروحية تربط يرلنده برباط وثيق إلى انكلترا وفرنسا . وان انتصار هتلر علي الدولتين ، سيؤدي إلي القضاء على إيرلنده بل على الحضارة نفسها .

وفريق آخر - على بغضه لهتلر وسياسته - لا يزال يذكر كيف قبلت الدول - بما فيها بولونيا - أن تمزق تشيكوسلوفاكيا - ويري أن هذه الحرب ليست سوي مظهر للعراك السائد بين القوات الأوربية ، وأن ليس فيها لايرلنده نفع ولا ضرر ، وانه ليس هناك معنى لأن تكون إيرلنده أكثرة  غيره من بلجيكا وهولنده والدول الإسكندناوية ، وهي من خير الدول الديمقراطية .

والأستاذ هوجان : أستاذ التاريخ الحديث بجامعة كورك نشر مقالا أعلن فيه أن انتصار ألمانيا وروسيا يكون نهاية أوربا المسيحية . وفاتحة لحالة جديدة يقضي فيها القضاء المبرم على جميع تلك المبادئ والمظاهر التي تميز حياة الانسان على حياة الحيوان . وبرغم هذا يري الأستاذ أن إيرلنده ، لا بد لها أن تتريث قبل أن تدلي بدلوها في الدلاء.

أما رئيس الكنيسة الإيرلندية فقد ألقي خطابا عجيبا على طريقة الرؤساء الدينيين يقول فيه : إن من واجب كل مسيحي مخلص أن يصلي لأجل السلم . ففي الوقت الحاضر

لا يزال هنالك أمل في عقد صلح عادل . أما الانتظار إلي أن تضع الحرب أوزارها ، فانه لا يأتي إلا بصلح ظالم يمليه الغالب على المغلوب ، ويكون تمهيدا لحرب أخري ولا يستطيع نصراني ان ينظر بعين الرضى إذ يري النصاري يقتل بعضهم بعضا . ويمهدون بهذا لانتشار الشيوعية الروسية

ولعل الرئيس الديني العظيم أن يحس ما في كلماته من التناقض ، حين يذكر أن روسيا الشيوعية حليفة ألمانيا المسيحية

وإلي جانب هؤلاء جميعا تلك الأقلية الصغيرة التي لا تزال تبغض انكلتره إلي درجة الرغبة في مساعدة ألمانيا .

وقد لخص المستر ديفاليرا موقف الأمة الايرلندية تلخيصا حسنا ، حين أعلن أن الايرلنديين ينقسمون قسمين : أولهما ، وهو يمثل الكثرة العظمي من الأمة - أيا كانت عواطفه وميوله - يري الابتعاد عن الحرب . وأما الآخرون فقوم متعصبون لأحد الفريقين ، ويريدون أن يزجوا بالأمة في أحد المعسكرين

وقد اتخذت كل من حكومة إيرلنده الشمالية والجنوبية خطة حزم شديد لقمع جميع مظاهر الاضطراب والفوضى ، التي لم يكن من ظهورها بد .

على أن حياد إيرلنده لم يمنع كثيرا من أبنائها أن يتطوعوا في القوات البريطانية ، وفي انكلتره كثير من الإيرلنديين المستوطنين فيها ، وقد انضم كثير منهم إلي صفوف المحاربين في البر والبحر ، وحينما اغرقت البارجة كوراجيوس كان خمس بحارتها الغرقى من الإيرلنديين .

وبرغم بقاء وزير ألمانيا المفوض في دبلن ، فان جميع

الرعايا الألمان قد رحلوا إلي بلادهم . أما انكلتره فقد استحكمت الصلات الاقتصادية بينها وبين إيرلنده . فقد كانت انكلتره تبتاع من إيرلنده نحو تسعين في المائة من صادراتها ، وتبيعها نصف وارداتها ، وستزداد هذه النسبة في أثناء الحرب . ونظرا لظروف الحرب الحاضرة اتفقت الدولتان على ان يرسل مندوب خاص لتمثيل بريطانيا في دبلن . وقد اختارت بريطانيا لهذا النصب السير جون مافي ، وهو من الساسة الانجليز المشهورين ، كاثوليكي المذهب ، وكان من قبل حاكما للسودان المصري ، ووكيلا لوزارة المستعمرات ؛ وهو اختيار موفق . . ولم يكن لانكلتره من قبل من يمثلها في دبلن سوى مندوب تجاري .

على أن حياد إيرلنده نعمة لا تخلو من المكدرات ؛ فان البرنامج الصناعي سيلقي تعطيلا شديدا ، لقلة المواد الأولية وصعوبة استيرادها ، وقد نقص وارد البترول نقصا فاحشا . ولكن من الجائز ان التعاون الاقتصادي المتزايد مع جارتها القوية قد يقلل من الصعوبات التي تكابدها إيرلنده الآن . وقد تعرضت إيرلنده - كما تعرض غيرها من الدول المحايدة - إلي عدوان الغواصات والألغام ، فأغرق لها بعض السفن ، بل وقد اقتحمت إحدي الغواصات خليجا من خلجانها . ومن بواعث القلق لايرلنده أنها لا تملك أسطولا من السفن يمكنها من حماية سواحلها ، وتأمينها ضد كل عدوان .

وقد اتخذت إيرلنده لنفسها راية قومية ذات ثلاثة ألوان ، ولكن هذه الراية الحديثة العهد لم يعترف بها دوليا ؛ ولهذا لم يعبأ بها قائد إحدي الغواصات الألمانية ، وبادر بإغراق السفينة التى حاولت جهدها أن تبدي له رايتها غير البريطانية . وبسبب هذا الحادث رفض كثير من الملاحين أن يعملوا في السفن التي تجري عبر الخليج

الإيرلندي حتى تضمن الحكومة ما يقوم بأود اسرائهم إذا فقدت من يعولها

وهنالك حادث طريف مرتبط بحياد إيرلنده لا يخلو من فكاهة . وسنختم به بحثنا هذا . ذلك أن إيرلنده لها مفوضية في برلين ، يشرف علي شئونها وزير مفوض ! وكان هذا المنصب خاليا وقت نشوب الحرب . وبمقتضي المعاهدة القائمة بين بريطانيا وإيرلنده لا يعين هذا الوزير إلي بكتاب يرسله جلالة الملك - الرئيس الأعلي للامبراطورية البريطانية كلها - وقد اختارت الحكومة الإيرلندية مرشحها لهذا المنصب . . ثم نشبت الحرب . وليس في وسع جلالة الملك - نظرا لأنه ليس على الحياد مثل إيرلنده - أن يرسل مثل هذا الكتاب إلي الزعيم هتلر : فلم يكن هنالك بد من تأجيل هذا التعيين وترك إدارة المفوضية الإيرلندية بيرلين إلي حضرة سكرتيرها الهمام .

هذه خلاصة موقف الحياد الذي اختارته دولة لا تزال تعد من جملة الدول التي يطلق عليها جميعا اسم الامبراطورية البريطانية ( ١ )

اشترك في نشرتنا البريدية